الرئيسية » مقالات » أحضان الناتو الدافئة

أحضان الناتو الدافئة

لم يبقى الكثير على موعد صدور التقرير العتيد للسفير وقائد الجيش، الأمريكيين طبعا، فهو يتزامن بشكل أو بآخر مع ذكرى الحادي عشر من أيلول، تلك الذكرى الأليمة على الأمريكان عموما، وربما العالم أجمع. لا أعتقد أن هذا التزامن محض صدفة، ربما لأنه ضروري لتمرير العديد من الإجراءات التي تريد الإدارة فرضها لتتحول إلى قرارات يصعب تمريرها في الظروف العادية.
إضافة إلى الضغوط الشديدة على الحكومة للقيام بالمزيد من إجراءات المصالحة، كأن تكون أكثر كرما بإطلاق سراح المعتقلين وإعادة تأهيل البعث والبعثيين على حد تعبير بيكر وهاملتون في تقريرهم الشهير، جميع القوى بداخل العراق تعد العدة لما بعد التقرير العتيد للسفير والقائد، حيث يسود اعتقاد أن الانسحاب الأمريكي أصبح أمرا محتوما لا ريب فيه، وإن أمر تبديل الحكومة هو الآخر يمثل أمنية كبيرة لدعاة عودة البعث للسلطة، إلى حد أن بعض المليشيات والعصابات المسلحة والأحزاب السياسية تعد العدة لمواجهة الفراغ الأمني المتوقع. وحتى أمر تجميد عمليات جيش المهدي الذي أعقب أحداث كربلاء المؤسفة، لا استبعد أن يكون له علاقة بهذا الأمر، لأن الذريعة لتجميد هذه العمليات ليست مقنعة، لما عرفناه عن عناد قادة هذا التيار كونه لم يتراجع يوما ما عما رسمه لنفسه إلا في هذه المرة.
الاعتقاد الراسخ لدى القادة السياسيين من أن الخروج الأمريكي أصبح وشيكا، سواء خلال الفترة الأخيرة التي بقيت لإدارة بوش، أو من خلال تولي الرئيس الديمقراطي الجديد مقاليد السلطة بدلا من بوش في حال فوزه، هذا الاعتقاد هو الذي أجج الجدل حول البديل للوضع القائم في العراق، وهو أحد أسباب التمرد على العملية السياسية من قبل المنخرطين فيها، والعديد منهم منذ اليوم الأول كانوا مشاركين فيها، وكأنهم كانوا بعيدين عن مبدأ المحاصة الذي بنيت عليه بحجة التوافق، أو بعيدين عن الإملاءات الأمريكية بتشكيل الحكومة الحالية التي كانت هي السبب الأساس بالفشل في بعض مفاصلها وأدائها السيئ خصوصا في مجالي الأمن والتنمية.
بالرغم من استمرار دول الجوار الإقليمي للعراق في معارضة الوجود الأمريكي بجوارها، ولو شكليا، لكن الرغبات لهذه الدول العربية الصديقة لأمريكا راحت إلى مديات أبعد من أهميتها، فراحت تطالب بالتدخل المباشر في صناعة القرار العراقي، إضافة إلى مطالبها بشل القدرات الإيرانية، كل هذا يطالبون به جهارا وما خفي أعظم، لذا فهي ترى اليوم أنه من الضروري أيضا ملئ الفراغ قبل الرحيل المتوقع، وكأن العراق ضيعة من ضياعهم بعد أن كانوا يرتعدون خوفا من اسم العراق طوال القرن العشرين.
ولم يكن تصريح أحمدي نجاد حول استعداد بلده ملئ الفراغ في حال انسحاب أمريكا من العراق مجرد زلة لسان، وهو ما سيحدث بالفعل فيما لو تحقق ما يحلمون به وخرجت الأخيرة من العراق كما يطالب به الديمقراطيون رغم علمهم أن المجازر بعد الرحيل ستكون أمرا لا ريب فيه.
إمدادات النفط تحت وصاية إيران، هكذا يعتقد الإيرانيون، لذا فهم ماضون بالتصعيد، ففي نظرة سريعة للوضع النفطي نجد أن أسعار النفط بارتفاع مستمر كنتيجة للخلل بين العرض والطلب، وفي حال توقف الإمداد من الخليج سوف ترتفع الأسعار بشكل كبير جدا، إضافة إلى أن ثلث إمدادات النفط نحو العالم تخرج من الخليج، هذه الأسباب هي التي تمنح إيران كل هذه القوة بمزيد من التعنت والتعامل بصلف مع الوضع العراقي، لأنها تعتقد أن سيطرتها على مياه الخليج تعني عدم التعرض لها بسوء مهما كانت الظروف، وإن سياسة الردع الأمريكية المعروفة مشلولة خليجيا لهذا السبب بالذات.
هكذا نجد أن الجميع مؤمنين أن الأمريكان لابد ماضون بأقرب وقت ما دام الديمقراطيون ماضون أيضا بإفشال كل سياسات البيت الأبيض، لذا حاليا لم يتحرج أحد من استعمال مصطلح المأزق الأمريكي في العراق، حتى أقرب الأصدقاء لأمريكا.
الخبر الذي لم ينتبه له أحد:
بظل هذا الوضع، ووسط الضجيج الذي تسببت به أحداث كربلاء المؤسفة، مر خبر دون أن يترك أثرا رغم خطورته وأهميته، وهو إعلان وزير الخارجية العراقي عن رغبة حكومته بإخراج البلد من البند السابع لميثاق الأمم المتحدة، على أن تكون له شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع أمريكا ودول أخرى، وما أوضحه أحد مساعدي الوزير باتصال تلفوني معه من إحدى الفضائيات، إن السبب وراء هذا الإعلان هو أن القادة في حلف الناتو قد اقترحوا قبل بضعة أيام إدخال العراق في هذا الحلف، وإن الحكومة تدرس إمكانية دخول العراق بما يحفظ له سيادته الوطنية.
المخيف بهذا التحالف الاستراتيجي هو أن العراق يقع على تخوم الدول الأعضاء وفي مواجهة مع جميع أعداء الحلف، أضف إلى ذلك، الوضع الأمني المتردي والخطير بداخل البلد. هذا من ناحية ومن ناحية ثانية، إن هذه البلدان سوف لن تسكت وسوف تثور ثائرتها من جديد، ربما ستكون ردود فعلها أعنف من تلك الردود حين اجتاحت أمريكا وبريطانيا حدود العراق وأسقطت نظامه، وهذه مسؤولية كبيرة تقع على الحكومة التي تحاول الهروب للأمام بهذا الحل من دون أن تمتلك الأدوات الكافية للردع داخليا أو خارجيا، حتى في حال أن تكون عضوا في الناتو.
ربما يكون الوضع المعقد في العراق مقصود من قبل الإدارة وله أسبابه، وهو تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأمريكية، والتي هي أصلا ليست صناعة لهذه الإدارة، بل هي صناعة أجهزة عالية التخصص في أمريكا، وإن الاستراتيجية التي تخطها تكون ملزمة للإدارات سواء كانت جمهورية أم ديمقراطية. أضف إلى ذلك، وكما هو معروف، أن أمريكا ما جاءت لتخرج خوفا من عبوات ناسفة أو انتحاريين وسيارات مفخخة تقتل العراقيين، ولا يهمها شيء حتى لو مات الشعب العراقي بأكمله، لكن للأسف تغافل أعداء الوضع الجديد في العراق عن هذه الحقيقة، سواء من العراقيين أو من دول الجوار التي تصورت أنها لو عبثت بأمن العراق سوف تجبر المحتل على الخروج، وها هي نتائج ما جنت أيديهم، وإن المرحلة الجديدة قادمة بلا ريب.
لقد توصل المحللون السياسيون إلى حقيقة أن ما سمي بأعمال المقاومة وتشكيل المليشيات بأشكالها لن يخرج أمريكا من العراق بأي حال، بل يعطيها الذريعة للبقاء، وكلما تعقدت الحالة العراقية أكثر، كلما كانت المبررات الأمريكية للبقاء في العراق أكثر إقناعا بالنسبة للشركاء، لذا لا أعتقد أن اقتراح القادة العسكريين لحلف الناتو بإدخال العراق لهذا الحلف مجرد رد فعل على أعمال المقاومة في العراق، ولا لتعنت دول المنطقة وإصرارها على خروج المحتل من العراق، ولا أعتقد أن هذا الاقتراح جديدا، بل هو مخطط له مسبقا، وكان ينتظر نضوج الظروف الموضوعية لطرحه قبل الخروج الأمريكي من العراق، وعليه فإنه أيضا ليس مستغربا من الحكومة العراقية الحالية دراسة مسألة الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد مع الناتو، لأن الاقتراح ليس بعيدا عن الحالة التي سميت “بالمأزق العراقي”.
من ناحية أخرى، إن دول الناتو من أكبر مستهلكي النفط في العالم، لذا لا أعتقد أنها ترضى بأقل من ضمان السيطرة على ثلاثة أرباع الاحتياطي النفطي العالمي الموجود في أراضي الدول المشاطئة للخليج، على الأقل أن لا تبقى حرية الملاحة في الخليج رهن بعدم المساس بالمصالح الإيرانية وأمنها، بل وحتى الانصياع لرغباتها الشاذة. لكن بالتأكيد سيكون الثمن غاليا بالنسبة للعراقيين.