الرئيسية » مقالات » الاصولية الشيعية في العراق .. من البعد الديني الى البعد السياسي

الاصولية الشيعية في العراق .. من البعد الديني الى البعد السياسي

المهندس الاستشاري/ 

اختلفت وظيفة الآيديولوجية الطائفية البورجوازية الكولونيالية اجتماعيا عن وظائفها المذهبية الطائفية الدينية الاقطاعية ما قبل الرأسمالية! والتطرف – مرحلة سيئة و ضارة من مراحل التعصب الآيديولوجي والقومي والديني والطائفي والتربة الصالحة لأنبات الإرهاب وغير ذلك من الظواهر الاجتماعية المعادية للتقدم الإنساني .
التعصب من العصبية ..اي عدم قبول الحق لأغراض الانحياز الى جهة محددة والتطرف فهو تجاوز حد الاعتدال.وعند تزاوج الظاهرتان بالمغالاة السياسية والفكرية والمذهبية والدينية تفتح الأبواب مشرعة للإرهاب. اما الأصولية فهي نهج يبرر النكوص الى الماضي وتقديسه ونفيه وتفريغه من محتواه بدعوى تجاوزه والانتقال من أصولية مقنعة الى أصولية سافرة ،وهي تعبير عن الموقف الجامد الآيديولوجي الرجعي الذي يتحجم مع إطلاق العنان للفكر وتحريره من اسر الادلجة والسير الواقعي بعيدا عن التصورات السابقة.. وهي غير الأصالة أي نهج النزوع الى التغيير حسب مقتضيات الحاضر ومتطلبات تطوير التجربة التاريخية.ويفضل البعض استخدام تعبير السياسات الدينية الجديدة NRP انسب من الاصوليات التي تستمد قوتها من عدم شعبوية الإجراءات والمتغيرات الاجتمااقتصادية السياسية الحديثة والسريعة ومن التدين والطائفية.
على ما سبق فان التطرف الديني هو الاصولية السافرة التي تستقطب من سدت طرق حراكه الاجتماعي وأحبطت آماله في مسعى للعودة الى طريق الحياة الطهرانية المساواتية وتخفيف الآلام والمرارات وتقليص الفجوة الاجتماعية! وكانت السلطات السياسية دوما المصدر الرئيسي للتطرف ومرجعها الأول والابن الشرعي لها !.. الاصولية – نهج فكري آيديولوجي سياسي متزمت ومتعصب ومنغلق على نفسه ، يرفض التسامح ويقاوم رياح الانفتاح والتغيير ومحاولات التكيف والاندماج مع متطلبات العصر .الاصولية – نهج آيديولوجي سلبي يسعى لنصرة معتنقيه وحمايتهم على اساس استثارة معاداتهم ، وبالتالي لا تمتلك البرنامج الايجابي . الاصولية – نهج يترجم النصوص الدينية ويفسرها على هواه وحسب مصالحه ليستخرج منها خطابه السياسي والتعبوي الذي ينوي به السيطرة على المجتمع وتحويله بالقوة والعنف الى مجتمع يتماشى مع مخططاته ورؤيته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والآيديولوجية اي برامج لا تختلف عن التوجهات الدكتاتورية ولكن باوجه والوان واسماء مختلفة .. الاصولية – نهج الهيمنة الشمولية على تفكير الرأي العام والسيطرة على ردود افعاله عبر عملية غسل الدماغ المنظمة والمدروسة . الاصولية – حركات وافكار سياسية تسعى الى اقامة الدولة الاسلامية الطائفية بهذا الشكل او ذاك ، وتبحث عن نموذجها في التراث المقدس لمجتمع المؤمنين الذي اقامه الرسول محمد (ص) . الاخوان المسلمين والخمينية اصوليات سافرة لتحريضها العامة على المؤسسات المهيمنة ذات التوجه الغربي .
الطائفية كتعدد ديني تتداخل فيها إضافة الى الدين العصبية القبلية أو الجهوية وبذلك تتحول الى عصبية اجتماعية موجودة في لعبة الولاء والسلطة…وتكمن الجذور التاريخية للطائفية السياسية في نظام الملة العثماني وقد قضى بان ينظم جميع الرعايا العثمانيين من غير المسلمين في طوائف مستقلة يرعى شؤونها رجال الدين وتخضع لسلطتهم القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية . في الحقيقة لم تـأت الطائفية السياسية من التعدد الاثني والعرقي والمذهبي بل من سلوك النظام الحاكم ومن طبيعة المعادلات السياسية التي تتحكم في عقول حكامه.. وهي معادلات تقوم على فكرة التفرد في السلطة وتحويل الناس الى خول وعبيد وتابعين ..والعبث الطائفي نابع من هذه المعادلات الصبيانية المدمرة في مسعى لتمزيق النسيج المنطقي للأحداث كي لا يجري الامساك بالاسباب والمبررات فتهوي وتضيع في غموض الصدفة والوعي..إن الطائفية علاقة تاريخية للتراتب الاجتماعي المركب وانتظامه المتجدد على الصعيدين السياسي والأيديولوجي وفق الآلية الداخلية الخاصة بالنظام المركزي القائم..الطائفية الدينية لا يمكن مضاهاتها بالطائفية السياسية.
الطائفية الدينية للشيعة قامت على أسس دينية تختلف عن الأخريات الا انها ولدت الاصولية الشيعية.. الاصولية الشيعية تبقى في الأخير طائفية لأن العقل الطائفي يؤرخ ويعيد كتابة التاريخ واستحضار مأزقه وفق أسس وتصورات ومقاصد أضيق مما كان في الماضي وبالاخص السياسي ، في سبيل تهيئة فرص البقاء والتحكم في رقاب الناس ، ولأن النهج الطائفي من شأنه تمزيق الوحدة الاجتماعية ، بل تمزيق الهوية الثقافية للشعب العراقي ..ومن أهم مكونات هذه الهوية هي الدين ، الدين بكل المذاهب التي يتجلى بها. وقد تحطم احتكار العلماء الشيعة لصياغة نظرة اتباعهم للعالم والذي تمتعوا به حتى العشرينات من القرن المنصرم بسبب التحضر والتعليم الحديث وتغلغل التأثير العلماني ، وتراجعت الولاءات القديمة فبات الشيعة لا يتمتعون بالسيطرة على الأوقاف الثرية كما فعل أقرانهم السنة ، وانخفضت مساهمات الزكاة والخمس ورد المظالم والصوم والصلاة عند الشيعة.
” أصولية الاحزاب المتاسلمة – الشيعية العراقية هي موقف سياسي واجتماعي وفكري وديني وثقافي متخلف وطوباوي وعاجز يدعو الى التمسك بالاصول رغبة في الخلاص ! ، وتعبير عن الممجوجية الفكرية في وضع الحلول المقنعة للمعضلات القائمة بالبحث عنها في الماضي وصيغه التقليدية وشعاراته البراقة . وتجليات أصولية الاحزاب المتاسلمة – الشيعية العراقية متنوعة لكن منفصمة عن الواقع وقاصرة عن اصلاحه وتطويره ! لأتها ذات الموقف الآيديولوجي الجامد والرجعي المنسلخ عن الواقع الحي المتبدل والذي لا يستنبط الاصلاح من قلب المشكلات الواقعية ! والذي ينحسر مع اطلاق عنان الفكر وتحريره من اسر الآيديولوجية وانغماسه في الواقع دون التقيد بتصورات مسبقة ….. وتعارض أصولية الاحزاب المتاسلمة – الشيعية العراقية المسيرة المنتصرة للديمقراطية السياسية في العالم وتلح على الولاء لولاية الفقيه وجهابذة المرجعيات الشيعية وحوزاتها وتشيع المحافظة في الحياة السياسية وترفع شعار اصمت وكن مع مشروعي والا ( فستكون من الكافرين ) سيئة الصيت ، لا بل تتعداه لأنها لا تطيق اي رأي مخالف ولا تتقبل الرأي المعارض ، وانها مستعدة لأستخدام أقذر الوسائل واخسها ضد خصومها السياسيين بما في ذلك التكفير والتحريض على القتل والأرهاب ضد العراقيين والمواطنين الابرياء وفق منهجية مبرمجة مصاغة في اروقة قم وطهران .
لم تجد نفعا محاولات ملائمة التوجه الرأسمالي مع الأصولية الشيعية المعاصرة التي لا تزال تغذي الطائفية وكامل الولاءات دون الوطنية والعناصر الضيقة المناهضة للرأسمالية وحتى معارضة التحولات الاجتماعية التي تتجاوز الرأسمالية … وتواجه النخب البورجوازية العراقية اليوم موضوعة صياغة البيت الشيعي ليتلائم في الاخلاق والنظرة الاجتماعية مع حاجاتها المجتمعية ، وتعيق عقلانية هذه النخب السلطات الدينية الشيعية وتحاول تكريس ماهو قائم بما في ذلك المضاربات التجارية والنشاط الطفيلي والكومبرادوري والفساد واستحالة تطبيق القواعد القديمة ، بينما يضعف انتشار الافكار والقيم العلمانية بالطبع سطوة المعتقدات الشيعية القديمة ويضعف تمسك الشيعة بالمعايير والممارسات البالية والتقليدية ! وتطالب اصولية الاحزاب المتاسلمة – الشيعية العراقية المتجسدة في البيت الشيعي اليوم بالسيطرة على الدولة كي تستطيع حل القضية الاجتماعية وفق مقاساتها اللاهوتية ، والبعض منها متذبذب بين بناء دولة ولاية الفقيه وبين النشاط الاجتماعي اللاهوتي بجانب نشاط الدولة ! بينما تعتبر الدول العصرية والديمقراطية البيوتات والمرجعيات الدينية مؤسسات حرة غير حكومية وجزء من المجتمع المدني . وتتجسد أصولية الاحزاب المتاسلمة – الشيعية العراقية بالاصرار على فكرة الحكومة الاسلامية وربط العراق بالتبعية الى ايران ، ومنح المشرع الايراني حق التشريع ، وسن القوانين . تلك الفكرة التي وان لم تعلنها هذه الاصوليات ، الا ان مفهوم التقليد الشيعي يلزم الجميع باتباع كل ما يشرعه المجتهد الاعلى او الفقيه الايراني وحتى العراقي ، وهو ملزم بحكم نظام المرجعية والتقليد باستشارة الفقيه – الولي بكل ما يتخذه من احكام.
أصولية الاحزاب المتاسلمة – الشيعية العراقية تسير عكس مجرى التطور الاجتمااقتصادي في العراق الجديد ، وهي اذ تحاول احتكار نظرة اتباعها للعالم وتستمد قوتها من ادعاء امتلاك الحقيقة الكونية القابلة للتطبيق نظريا تدرك انها وسيلتها الوحيدة بالسيطرة على الاوقاف الثرية وتصعيد مساهمات الزكاة والخمس ورد المظالم واداء الفرائض … لا ضير في ذلك ، لكن الأحتكار السالف الذكر هو الآخر يتحطم موضوعيا على صخرة التحضر والتعليم الحديث والتأثير العلماني ، وهو احتكار محتضر قائم على قصاصات من نصوص وحكايات جدتي في القراءة للمبتدئين وتراثات غير واضحة في معظم الأحيان . ان اصل المشكلة اليوم في العراق هي محاولة أصولية الاحزاب المتاسلمة – الشيعية العراقية المتجسدة في مايسمى بالأئتلاف العراقي الموحد… تحويل الدولة العراقية الى مركز عصبوي جديد استبدادي طائفي بدل ان تكون وسيلة استخراج وبلورة الارادة والاجماع الوطني …. وهذا بحد ذاته احتضار سياسي ومسخرة كاريكاتيرية تعري محاولات تكوين طائفة جديدة او قبيلة جديدة هي عصابة اصحاب الحكم واتباعهم !….”

راجع للباحث :
الاصولية الشيعية في العراق والأحتضار السياسي