الرئيسية » مقالات » حل كردستان – وأزمة العراقيين المتواجدين قسرا خارج الوطن

حل كردستان – وأزمة العراقيين المتواجدين قسرا خارج الوطن

ليسوا لاجئين , ولا يمكن إطلاق هذه الصفة المؤسفة المؤلمة عليهم , مادامت لهم أجزاء ومناطق أخرى من بلدهم تنعم بالهدوء والاستقرار و(حكومة ) مركزية تتوجب عليها المسؤولية عن حلول لمشاكلهم بعد أن قفزت أعدادهم نحو خانة الملايين ينشدون الأمن والعيش بسلام لهم ولأطفالهم في بلدان هي ليست أبدا أوطانهم مهما قيل وحدث به ثم جاء وقت الإثبات لتضهر الحقيقة واضحة كالشمس , وهي إن كل بلد في هذا العالم عربي كان او إسلامي او أجنبي , له مواطنيه المتمتعين بجنسيته والمعرفين في كل أنحاء العالم بهذه الصفة , وكل من عداهم هو الغير والمختلف رغم كل العواطف والمجاملات .
العراقيون في الخارج خاصة من رحل اضطرارا اصطدم واحتك بهذا الواقع الذي لم يعايشه في ولا مارسه تجاه الآخرين اللذين جاءوا عبر الحدود واستوطنوا ومنحتهم السلطة مافاق حقوق المواطن العادي , ولم يشتك عموما ولم يتبرم ولا مارس عنصرية لايملكها أصلا . اليوم هو الضيف الذي تسلط عليه الأضواء لأنه أطال المكوث ليصبح ثقيلا في الغالب بسبب مابدأيضهر عليه من ضعف مادي وقلة حيلة تجاه الظروف المحيطة .
ولنبدأ من مؤتمر عمان الذي عقد أواخر شهر تموز الماضي بإشراف الحكومة الأردنية حول مشاكل عراقيي الخارج خاصة في دول الجوار وتحديدا سوريا والأردن حيث مركز ثقل الهجرة العراقية لأسباب عديدة ومفهومة , حيث تمسكت الدولتان وبقوة بمفهوم السيادة وتغليب الهاجس الأمني في تقييد حرية حركة تنقل العراقيين وتقنين دخولهم الى أراضيهما , كما استفاضا في شرح ماتسببه الأعداد المتزايدة من العراقيين من ثقل على البنية التحتية ومستوى الخدمات ومجالي الصحة والتعليم في البلدان المعنية وطالبا بإسناد مالي ضخم لتسهيل إيواء هذه الأعداد المتزايدة من العوائل والأفراد , ثم وجدوا ان الحل ليس في استمرار الإيواء بل عودة المعنيين الى بلادهم مادامت لا تتوفر فرصة الهجرة الى بلد ثالث , وختم المؤتمر بالمحاضرات والنصائح المعتادة للحكومة وباقي الكتل السياسية بالمصالحة وتطبيع الأجواء واحتواء المشكلة تمهيدا لإعادة المهجرين …. الخ .
العجيب ان مندوب الحكومة العراقية هو الوحيد الذي لم يتحدث عن حلول ولكن مايطالب به دول الجوار هو عدم تسييس المشكلة وإطلاق حرية التنقل للعراقيين في بلدانهم ! .
حضر العالم كله الأمم المتحدة روسيا , أمريكا , الاتحاد الأوربي جامعة الدول العربية , اليابان , تركيا وغيرها من الدول المهتمة بمصير شعب يقع ضحية اكبر عملية تهجيرفي العالم منذ عقود من السنين سواء في الداخل او في الخارج وسط مايبدو من عجز عراقي سواء على مستوى الحكومة , او الدولة العراقية بمكوناتها المتصالحة او المتناحرة , اذا وضعنا جانبا تجار السياسة والطائفية وارتزاقهم الفعلي على هكذا تهجير وتناحر .
ولكن العالم لايتخلى عنا , على الأقل الجهات الدولية المطالبة دوما بمعالجة مايستجد من مصائب وهكذا نجد للأمم المتحدة اهتمام دائم رغم ماعانته هي والصليب الحمر الدولي وباقي المنضمات من قتل وخطف وتدمير اضطرها للهجرة هي الأخرى من العراق واستيطان دول الجوار ! فموظفيها الخبراء بالشؤون العراقية لايجدون من حل أفضل من إعادة التوطين للمغادرين في داخل العراق , ولكنها لاتقول أين وكيف وتكتفي بإبداء الرأي الذي تؤيدها فيه باقي دول العالم المتقدم المستعدة للمساعدة مع تفضيل العودة لوطن يبدو ان لااحد عاقل في هذا العالم مستعد للتصديق بأنه لايستوعب مواطنيه ! والاستماع لبعض الآراء الأخرى ربما تكون له بعض الفائدة فالمندوب المصري يدلي بدلوه وكأنه تناسى مايعنيه العراق لملايين المصريين اللذين عملوا فيه واستوطنوه ولعقود من السنين امتدت من السبعينات ولغاية نهاية التسعينات معززين مكرمين نال الجنسية العراقية من أراد منهم بلا منة او تساءل غير كلمة عربي ولا زال الكثير متواجدين فيه رغم كل الظروف والمحن , فعن ماذا تكلم المندوب المصري غير لوم الحكومة العاجزة ونعتها بالطائفية , ثم تصوراته بان مائة ألف عراقي في مصر هوعدد ضخم يفوق التوقعات , وربما قدرة الاستيعاب المصرية !.
أما تصريح المندوب الإيراني فيمكن إهدائه ببساطة الى كافة الأشقاء العرب ليفهموا ويستوعبوا الفطرة العراقية , يقول المتحدث الإيراني ان مفارقة العكس هي ماتحصل الآن مع المقيمين العراقيين في الأراضي الإيرانية حيث تقلص عددهم من مليون وربع مقيم لفترة قبل السقوط 2003 الى اقل من نصف مليون في الفترة الراهنة , ولم يحدد المعنى البسيط الزاهي الذي عنوانه ان العراقيين اتجهوا مجبرين نحو إيران وان هنالك من دفعهم دفعا بالتهجير وغيره دون ان يكون لهم أي خيار وعاد اغلبهم متلهفين الى الوطن الغالي حينما سنحت الظروف , وهم يتوجهون نحو أخوتهم في لغة الضاد حينما تلفهم المصائب وبيدهم خيار اختيار الملجأ , فهل تحتاج الأمور إلى وضوح اكبر ؟
وبعد أين الحل؟
العالم كله يشير الى الداخل , ويوجهنا نحو خيار العودة , ولكن الى أين ؟ والأكثرية أجبرت على الرحيل من مناطقها الأصلية لأسباب معروفة لاينفع معها تفاهم حاليا فهل تعود العوائل ويرجع الأفراد الى حيث القلق وانعدام الأمن الى درجة إزهاق الأرواح ؟
اذن الحل الحقيقي هو هناك شمالا حيث كردستان العراق .
قطعة من البلد , عبرت مرحلة الصراع ودخلت مرحلة الأمن والاستقرار والاهم القبول بالآخر , استوعبت كردستان القليل ربما قياسا بأعداد سكان المناطق المضطربة في الوسط والجنوب ولكن المطلوب هو الأكثر إذا ماسلمنا بديهيا بأنها أي كردستان هي الجزء الفدرالي الذي لايتجزأ من الوطن العراقي المبني على قناعة العيش والمصير المشترك , وكما تدخل القيادة الكردية دوما على المستوى الرسمي كطرف موازن ومقارب للمواقف بين الكتل السياسية المختلفة , المطلوب الآن من الشعب الكردي في كردستان العراق الاحتواء المؤقت ولكن المبدئي والملتزم لتسرب وتهجير قطاعات واسعة من الشعب هي ضحية صراعات متخلفة ومفروضة مرت بها وتجاوزتها القيادات والأحزاب الكردية لتخلق وتوفر أول منطقة استقرار عراقية يمكن ان تعطي المثال الإيجابي لتساؤلات عديدة في ذهن الأفراد والجماعات العراقية المتشابكة لا إجابة واضحة لها إلا لمن عاشها وتجاوزها .
وألان كيف يمكن (نقل) وإقناع من هجروا وتشردوا في دول الجوار بان الوطن او جزئه الشمالي قادر على استيعابهم مرة أخرى وبظروف وأجواء أحسن من التي يتواجدون فيها الان .
الكل الغيور على العراق يمكنه ان يساهم , أولهم الإعلام وآخرهم وأكثرهم مسؤولية وثقلا هي الحكومة العراقية ووزاراتها المعنية ولكن الأهم والأوفر مصداقية وغيرة والذي باستطاعته ان يمنح العملية كلها نصيبها من النجاح او الفشل هم الأكراد أنفسهم سكنه المنطقة ذات الصلة . خيوط طويلة ممتدة يمكن استيعابها وتنظيمها بالصبر والتدبير , لان البديل المستقبلي مؤلم لو تصورنا أسوأ السيناريوهات التي هي الإبعاد القسري للآلاف ورميهم خارج الحدود للدول المضيفة بعد ان تكون الحكومة العراقية قد دخلت مرحلة العجز التام مع استمرار الصراع على السلطة والنفوذ , لدى الجميع الآن بعض القدرة على البدء ولو حتى بدراسات جدية ووضع الخطط المكملة لبعضها فما المطلوب مثلا من القيادات الكردية غير الاقتناع أولا بعرقنة المسألة واعتبار ان القريب (الفدرالي ) من ارض الوطن أولى بمواطنيه من ديار الغرب والدول المجاورة ربما ستضاف أعباء إضافية كبيرة في المدارس والصحة والسكن والعمل , والحل يكمن في التنسيق مع الحكومة المركزية والمنظمات الدولية المرحبة تماما ولاشك بحل كردستان كما إن الدول الأجنبية المعنية باستقرار المنطقة ستجد في هذا الحل طمأنينة وسلاما للمنطقة وخلاص كبير من أزمة لاجئين غامضة المستقبل ومفتوحة على أسوأ الاحتمالات , كل المطلوب وقتها من الشعب الكردي العراقي وقيادته هو تأجيل وترتيب الأولويات بحيث تصبح قضية احتضان قطاعات الشعب المشرد وإيقاف هذا النزف المستمر في المرتبة الأولى , وتجميد وتأجيل أسباب الخلاف مع الجارة تركيا لان أراضيها ومطاراتها ستلعب دورا هاما في عودة المهجرين , المسألة الأخرى القابلة للتراجع المؤقت في سلة الأولويات هي الصراع على كركوك , والموقف الصحيح هنا فيه رد على المتسائلين عن مسألة السباق بين الحقوق والواجبات في العراق الفدرالي المستقبلي وموقف الإخوة الأكراد منها وسيكون الجواب شافيا بان كردستان قامت بواجبها واحتضنت أشقائها في الوطن بدل تشردهم وضياعهم , وأجلت لهذا السبب بحث ماتعتبره حقوقها , ولنتصور بعدها موقف العرب والتركمان في كركوك وهل يبقى تشكيك في النوايا الكردية لبناء عراق للجميع فدرالي ديمقراطي موحد . الدور الأساس في التمهيد والتحضير والانتقال الى الفعل الجاد يبقى للسلطة المركزية العراقية وذراعها التنفيذي الحكومة ووزاراتها ومؤسساتها في الداخل والخارج , أولا من اجل كسب ثقة المهجرين باعتبارها حكومة الجميع لا مع طرف ضد آخر ومع الثقة يبدأ العمل الجاد الذي يبدو انه يشمل مساهمة اغلب وزارات المركز بدء من الداخلية والدفاع وتأمين الطرق البرية خاصة بين بغداد وكل من كركوك والموصل لتشمل الوصول الى السليمانية واربيل , الى وزارة النقل والمواصلات وتهيئة وتوسيع عمل مطاري بغداد والبصرة وربطهما بمطارات كردستان , كما ان وزارة التجارة وبالتعاون التام طبعا مع الوزارات المعنية في كردستان مطالبة بتحضير حصص غذائية كاملة لايتدخل فيها عامل الروتين ولا القرار القديم المذل والباقي لحد اليوم والقاضي بقطع حصة عراقيي الخارج والذي سن لغرض زال وانتهى , كما ان وزارة التربية ستكون لها حصة كبيرة في إنجاح حملة كهذه , وكذا الصحة وتوفير الدواء واللقاحات , وهكذا بقية الوزارات المعنية وصولا الى المالية وتوفير كافة الموارد المتاحة لإنقاذ الحملة من الحاجة إلى جهات خارجية ممولة , هي ستساهم ولا شك , كمنظمات الأمم المتحدة والصليب الأحمر ودول الجوار وبلدان العالم المتحضر , حالما ترى الجدية والإصرار في الجهد الحكومي والشعبي العراقي لقضية لا تحتمل التأجيل , وقد يعلق قارئ وهذا من حقه ان حكومة عاجزة ووزارات مشلولة تركها وزرائها لاتستطيع التصدي للنهوض بخطة كهذه , ولكن هل معنى ذلك ان نتناسى إخواننا , أو لا نفكر بحلول مناسبة ؟ , ومثل هذه المصاعب كانت هي الأخرى مطروحة إمام شخص أجنبي هو المدرب البرازيلي فييرا , ولم ييأس بل تشجع واستمر حالما احتك وشاهد الفطرة والجهد العراقي عندما يؤمن بهدف ويريد تحقيقه , فما بالنا لانحاول مثله وهدفنا النبيل هو إعادة الملايين من العراقيين تدريجيا إلى الوطن , وتجنيبهم الأسوأ من الاحتمالات في مستقبل الأيام ؟ .
للإعلام دور يؤديه كيف لا ونحن نرى هذا التنوع والانتشار القوي للفضائيات والإذاعات والجرائد والمجلات , تنطق بلسان عراقي مختلف الألوان , كل المطلوب منه أن تكون مصلحة العراق هي الأهم لديه والباقي تفاصيل .