الرئيسية » مقالات » عنصرية في أسوأ مراحل الانحطاط

عنصرية في أسوأ مراحل الانحطاط

أعترف بادىء ذي بدء ليس بحذري الشديد بل بتهيبي من التحاور مع كل من يحمل فكرا عنصريا كرديا كان أم عربيا تركيا أم فارسيا عدوانيا تجاه الآخر المقابل كائنا من كان ورغم ذلك يقع المحظور وتضطر الى المواجهة عند حدوث أمر عظيم ما ووقوع ما لم يكن في الحسبان بدافع احقاق الحق وتسفيه الباطل دون أن يكون ذلك مرسوما لا في جدولك اليومي ولا في مخيلتك .
المناسبة مقالة نشرت في – قضايا النهار – قبل أيام مزيلة باسم علي السعدي – بغداد بعنوان لافت ينضح بالشماتة العنصرية ورغبة اثارة الفتنة في الصف الكردي ” الايزيدييون ضحايا – كردستان الكبرى – ؟”معبر مسبقا ليس عن الموقف الشوفيني المؤدلج الذي عهده الكرد من طبيعة النظام البعثي المقبور فحسب بل عن المضمون المليء بالمغالطات وتشويه الحقائق التاريخية المعروفة , فكارثة سنجارتمت نتيجة تفجيرأربعة سيارات مفخخة من جانب أربعة انتحاريين أودت بحياة خمسماءة وجرح عدد مماثل من سكان المنطقة البسطاء في قريتين كرديتين مسالمتين – كر عزير , وسيبا شيخ خدر – وقعت كما باتت معروفة للقاصي والداني بهدف عنصري بغيض لتهجير أبناء المنطقة من الكرد وغالبيتهم الساحقة من أتباع الديانة الايزيدية والتي تواتر الحديث عن ضلوع أجهزة نظام دمشق بالتعاون مع مجموعات ارهابية من تنظيمات الاسلام السياسي وبينها القاعدة ليباغتنا كاتب المقالة وعلى حين غرة باتهام الكرد مجددا بارتكاب المجزرة ضد أنفسهم ووضع اللوم على خطاب القيادة الكردية المعروف لدى جميع العراقيين بالاعتدال والتوازن ومعاني التسامح والتصالح !
فمن حيث مغالطات الكاتب : لايجوز تناول ايزيديي سنجار بمعزل عن بني جلدتهم قوميا ودينيا في مناطق أخرى مثل شيخان وبحزاني وشالية ودهوك وزاخو ولالش وباشيكة وهولير والسليمانية والموصل وكركوك فهذه الطائفة الدينية الكردية العريقة كانت وما زالت جزء لا يتجزأ من الوضع الكردي العام وقضيته القومية بكل جوانبها ليس في العراق فحسب بل في سورية وتركيا وايران وحتى روسيا وارمينيا وجورجيا وكازاخستان هذا الوضع الذي اتسم منذ ما قبل قيام العراق الحديث منذ ثمانية عقود بمظهر شعب ينشد الحرية ويكافح من أجل الحقوق القومية وتقرير المصير بشتى الوسائل المتوفرة وكما هو معلوم احتضنت حركة التحرر القومي الكردية منذ القرن التاسع عشر جميع مكونات كردستان الدينية والمذهبية تحت راية التحرر القومي من مسلمين ومسيحيين وايزيديين المشهود لهم بالشجاعة والأصالة والاقدام وحتى في سنجار بالذات التي يزعم الكاتب أنها كانت تعيش بأمن وأمان قبل ما يسميه بالخطاب الكردي المتطرف لقيادة اقليم كردستان فان أهلها تعرضوا منذ مجيء النظام المقبور الى الاضطهاد والاذلال والتهجير والتعريب الى درجة فرض نوعية ملبس رجالهم بمنع كل ما يرمز الى اصولهم القومية وتم تغيير التركيب الديموغرافي بالقوة وتحول الكرد هناك من غالبية ساحقة الى أقلية حتى تحرير العراق أما بخصوص القريتين المنكوبتين فكانتا عبارة عن بضعة قرى ومزارع متناثرة في المنطقة حولها النظام المخلوع الى مجمعين ليتم تعريب المنطقة بسهولة اسوة بما قام به في جميع مناطق كردستان العراق بهدم القرى والبلدات وبناء المجمعات لدواعي عسكرية – أمنية وضيق الخناق على السكان .
وبخصوص ما يزعمه الكاتب عن ” خارطة جغرافية وضعها بعض عتاة السياسيين الأكراد ” ” وتمتد الى ما يقرب من نصف مساحة العراق ” فادعاء باطل من الأساس والخارطة المعمولة بها في اقليم كردستان خارطة عراقية معمول بها في كافة أنحاء العراق والكل يعترف بأن النظام السابق قام باجراءات ذات طابع عنصري بغية تعريب مناطق شاسعة من الاقليم يجب تطبيع الأوضاع فيها من جديد وقد تثبت ذلك في دستور العراق الجديد الذي ارتضاه العراقييون واذا كان الكاتب صادقا في زعمه فليعرض تلك الخارطة – الخيالية – على وسائل الاعلام .
أما احصائية الكاتب حول نسبة نفوس الكرد الى نسب القوميات الأخرى فلا تستند الى أي دليل واقعي فهو يزعم بعد أن – خلط – عن قصد بين القومية والدين وفصل الايزيديين والشبك عن قومهم الكرد أن ” نسبة التركمان والكلدو آشوريين والشبك والايزيديين تزيد عن 30 – 35 % من مجموع السكان هناك ( بدلا من كلمة كردستان المعترفة بها في دستور العراق ) ” والأصح أن الايزيديين والشبك من الكرد لايجوز فصلهم والتركمان والآشورييون كقوميتين كردستانيتين أصليتين لايتعدان سوية مع الكلدان والسريان في كردستان حسب معلومات أحزابهم ال 13 % في حين أنني شخصيا لم أقم بأية عملية احصائية ولي علاقات صداقة قوية مع نخب هذه القوميات السياسية والثقافية وأكن لهم كل المحبة والاحترام والكلدان يختلفون حول تعريفهم قسم يعتبر أنهم قومية مستقلة وآخر يعتبرهم من المسيحيين الكرد وثالث يعتبرهم من المسيحيين العرب وهكذا الأمر بالنسبة للسريان ويعتبر الكلدان أكثر عددا من المجموعات المسيحية الأخرى والجميع الآن يتمتعون بحقوقهم القومية والدينية المشروعة ومشاركون في البرلمان الكردستاني والحكومة وكافة المؤسسات القائمة في الاقليم الفدرالي .
واذا كان الايزيدييون يشكلون سدا طبيعيا وبشريا أمام التواصل مع كرد سورية باعتراف الكاتب فلمصلحة من اختراق أو ازالة هذه الديموغرافيا الطبيعية ذات الجذور التاريخية ؟ هل لمصلحة الكرد ؟ أم لمصلحة أرباب الشوفينية وأيتام النظام المنهار ومخططي الأحزمة العنصرية وأصحاب نظريات التطهير العرقي والمسؤولين عن المقابر الجماعية لأغراض عنصرية كريهة ولمعلومات الكاتب وسواه عندما هدمت القريتان على رؤوس سكانها الرجال والنساء والأطفال والشيوخ كان العنصرييون في الجانب الآخر من الحدود منهمكون في تمرير ملحق جديد من مخطط الحزام العربي السيء الصيت في قرى ديريك السورية المحاذية لكردستان العراق وهذا ما يزيد الشكوك على كون الفاعل واحد في جانبي الحدود .
أما الجانب السياسي من الموضوع وازاء استرسال الكاتب في رشق التهم ضد الحركة الكردية في كردستان العراق والمنطقة وحسب نفس منوال الشوفينيين القدامى الساقطين واللاحقين من أن كردستان نسخة اسرائيلية أخرى في خاصرة العرب أقول بكل بساطة لن تتحقق نبوءتك المهرطقة وليس هناك ما يجمع حركة التحرر القومي الكردية مبادئا ومصالحا ومستقبلا مع كيان لا يحترم حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير كما كان يفعله نظام صدام وأنظمة دمشق وطهران وأنقرة تجاه الحقوق الكردية المشروعة وهي جميعها أقرب الى بعضها من حيث حقائق الواقع والمصالح وليعلم الكاتب أن العنصرية آيديولوجية واحدة أينما كانت ونبع موحد ينهل منه المرء أينما كان حتى لوكان في بغداد والكرد كما كانوا منذ التاريخ السحيق سيقفون الى جانب الشعب العربي الصديق وهناك الكثير مما يجمعهم حاضرا ومستقبلا بل أن دعائم الصداقة والشراكة الحقيقية بدأت تبنى من جديد وعلى أسس سليمة عادلة خاصة بعد سقوط الدكتاتورية وتحرير العراق والشوائب المتبقية ستزول بتحقيق التغيير الديموقراطي في سورية الرازحة الآن تحت نير الدكتاتورية والاستبداد مما يعني واقعيا أن معتنقي الآيديولوجية العنصرية وخاصة لدى القوميات السائدة الحاكمة لم يكونوا في يوم من الأيام ولن يكونوا القدوة والنموذج في العلاقات العربية الكردية بل كانوا ومازالوا شواذا واسثناء خارج التاريخ مسيئين للعرب أكثر من اساءتهم للكرد والقوميات الأخرى .