الرئيسية » مقالات » هل حقا أن العراق بلد نفطي ؟

هل حقا أن العراق بلد نفطي ؟

بدأ أنتاج النفط العراقي في العهد الملكي في منتصف العشرينات مع وجود الاحتلال الانكليزي ، حينها كانت البلدان التي تنتج النفط على عدد الأصابع في المنطقة ، ولم يكن الإنتاج بالكمية والنسبة التي صار اليها ، وبدأ أنتاج النفط بوجود الشركات الأجنبية التي كانت تأخذ الحصة الأكبر من عوائده وتمنح الأقل للحكومة العراقية ، وتمنح نسبا أخرى لكوبنكيان وغيره ممن قدم الخدمات والأعمال التي تخدم عمليات الاستخراج والاستكشاف والإنتاج .

ومع هذا الإيراد القليل الذي يعود الى الحكومة العراقية ، ومع قلة المشاريع التي كانت تقدم عليها الحكومة من خلال مجلس الأعمار ، و بقي العراقي بحاجة ماسة الى مكونات أساسية للحياة التي تليق بالإنسان ، فبقي العراقي يركب قطارا واحدا لايوجد غيره في العراق ، وبقي العراق بملعب رياضي واحد لايوجد غيره في العراق حتى منحنا المرحوم كولبنكيان من حصته ملعبا للشعب ، وقاعة اخرى للعرض ، لم تجرأ الحكومة أن تؤسس غيرها.

وبقيت نسبة الجياع والمعدمين والمحرومين في العراق نسبة عالية ، يرافقها نسبة غير طبيعية في البطالة ، تتزامن مع هجرة من الريف الى المدينة ، ينتج عنها انحسار في الأيادي العاملة في الريف والنتاج الزراعي ، وكثافة غير منتجة في المدن .

ويستمر النفط العراقي في التدفق ، ويتم إصدار قانون الاستثمار رقم 80 في العام 1961 من قبل حكومة الشهيد عبد الكريم قاسم ، بناء على مفاوضات وطنية أجرتها الحكومة مع الشركات لتحجيم أرباح تلك الشركات ومناصفة العراق معها في عوائد تلك الأرباح ، وتعريق العاملين والموظفين في عمل الشركات ، وتحديث الأجهزة والآلات وتركها للعراق لتأسيس صناعة نفطية وطنية مستقبلا ، ولحاجة البلد الى موارد مالية للبناء والاستثمار وتأهيل الحياة العراقية بما يتناسب مع وجود النفط فيها ، ليتم تأسيس منظومة وطنية لإنتاج النفط العراقي ، على أساس أن يتم توسيع القاعدة الإنتاجية ليكون مردودها الى الشعب ، ولقي القرار المذكور تأييدا ساحقا من الأحزاب الوطنية والعراقيين عموما ، ومع تقلبات الحياة السياسية في العراق يزداد العراقي بؤسا وفقرا ، وتبقى معالم الحياة العراقية متواضعة لاأثر لعوائد النفط فيها ، ومن الطريف أن العراقي كان على الدوام يحتاج الى المشتقات النفطية التي تنتجها الدوائر العاملة في العراق وبإنتاج متواضع ورديء غير متطور ، وبقي العراقي يلهث وراء النفط والغاز والبانزين والدهون المستعملة للسيارات ، وغالبا ما يستورد تلك المنتجات من خارج العراق ومن دول كان قد سبقها في الإنتاج والاستخراج .

وحين تم تأميم النفط في العام 1973 ، لم يكتشف أهل العراق اللعبة السياسية التي أقدمت عليها حكومة البكر – صدام ، في إقدامها على تأميم حصة وممتلكات الشركات الأجنبية وإبقاء حصة فرنسا ، بالنظر لقرب انتهاء المدة القانونية لعمل تلك الشركات وتركها جميع معداتها دون تعويض وفقا للعقود المبرمة ، وبذلك ضمنت تلك الشركات تعويضات ضخمة وكبيرة من خلال تلك اللعبة لم يتم الكشف عنها حتى اليوم .

والمتمعن في خارطة العراق النفطية يجد أن المدن التي تنتج النفط لم تزل على حالها ، لم يلحقها التطور ولا التحديث ولا كان لإنتاج النفط ووجود المنشآت النفطية فيها أي آثر ، ولم تزل مدن بدائية قديمة ، الكثير من شوارع القرى والنواحي والأقضية لم تعبد طرقها ، ولا إنارتها الكهرباء ، ولاكانت الخدمات فيها تليق بالإنسان ، ويكفي أن البصرة لم تزل حتى اليوم تشرب ماء مالح ولا تستطيع أن تشرب الماء الحلو لأمر في نفس يعقوب .

ومع حجم الكميات التي قام العراق بتصديرها من النفط الخام ، فقد كانت أسعار برميل النفط في تصاعد مستمر ، دون أن يلمس العراقي فائدة من هذا التصاعد ، ودون أن يتحسن مستوى الفرد العراقي في الحياة العراقية ، وبقيت مشاكل البطالة والتسول والهجرة وتردي الأحوال الاقتصادية تؤشر تدنيا في الخط البياني لحياة الإنسان ، وبقيت مناطق نفطية عراقية عديدة تحت سلطة شركات النفط الأجنبية ، وبقي العراق يراوح في مكانه منشغلا بمشاكله الداخلية ، حيث كانت السلطات العراقية المتعاقبة تخصص الجزء الكبير من دخلها النفطي لأغراض القمع والحروب وعمليات إبادة شعب كوردستان والأنفاق على الأجهزة الأمنية وعمليات الاغتيالات وشراء الذمم والضمائر العربية والأجنبية .

في حين بقي العراقي يتطلع الى النفط الذي تتصاعد أسعاره مع تصاعد خطوط الفقر والبطالة وتحطيم الصناعة الوطنية العراقية، وبروز ظاهرة الخصخصة في مؤسسات الدولة ، حتى بات العراق من الدول التي تنتظر بفارغ الصبر المعونات الاقتصادية والمنح والهبات كأي دولة فقيرة ومعدمة ، وصار المواطن العراقي يستلم أكياس الرز وصفائح الزيوت مقرونة بعبارات المساعدات الإنسانية من الدول والشعوب التي تعطف على الدول الفقيرة ، ويكفي للدلالة على أن أسواق بيع الملابس القديمة ( البالات ) بقيت رائجة ومستمرة في مدن العراق ، الذي بقي مستمرا في استيراد كل تلك المخلفات والأسمال من الملابس ليرتديها أهل العراق بقناعة ووقار وصمت .

وبقي دخل الفرد العراقي متدهورا الى درجة لايصدقها العقل مع استمرار تدفق النفط في الأبارالعراقية ، وتحول العراق من بلد زراعي الى بلد يعتمد في عصب حياته على ما يتبقى من شحيح الإيرادات التي تعافها السلطات لتقتات عليها الناس ، وترك أهل العراق الزراعة، وانتحرت الصناعة الوطنية ، حتى أطبق الاستيراد الأجنبي على خناق العراق .

وطيلة الفترة الزمنية من بدء الإنتاج وحتى اليوم لم تستطع الحكومات المتعاقبة أن تعمل على تطوير الصناعة الاستخراجية و فتح آفاق و فرص كبيرة لتحسين الوضع الاقتصادي في العراق .

ويبقى العراق يعيش وعلامات الاستفهام تملأ رأسه ، في جدوى وجود وزارة للنفط ، لم تستطع منذ قيامها حتى اليوم أن تسد حاجة المواطن العراقي من المشتقات النفطية ، ولا كشفت له عن الأسباب الحقيقية وراء تلك الأزمات المتكررة ، ولا عرف الناس بصدق الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء وجود النفط والبانزين في شوارع المدن ، وعدم توفره في محطات الوقود ، وبقيت تلك الوزارة تضخ الوعود وتخلف في وعودها دون محاسبة برلمانية ، وبقي العراقي يتطلع بعيون ممتلئة بالدموع الى القطط السمان وتجار الأزمات وهم يزدادون سمنا وثروة وانتفاعا ، في حين يصل الأمر بالعراقي الى استجداء رغيف الخبز من الدول الفقيرة والمعدمة ، ويصير مشردا ولاجئا في دول الله ، ويبقى العراق بلدا نفطيا محسوبا على منظمة الأوبك ، ومسجلا ضمن بلدان النفط المنتجة بغزارة واستمرار .

ولن نتعرض الى السرقات اليومية للنفط العراقي ، والتي بلغت مليارات البراميل والدولارات ، والتي لم تكشفها الحكومة حتى اليوم مع معرفتها بالقائمين بها ، والجهات الداعمة لهذه السرقات والعراق يمر في فترة من أحلك فترات حياته ووجوده ، و نتعرض لحاجة المواطن العراقي الى النفط كمادة أساسية في التدفئة ، إذ مضت سنوات عجاف ترتفع الأسعار مع وجود النفط خارج أطار منافذ البيع الحكومي وبأسعار خيالية لاتتناسب مع وضع العراق النفطي ، وحاجة المواطن العراقي الى قنينة الغاز الذي يطبخ بها قوت عياله بعد ان وصل سعرها عشرات الأضعاف ، والى البانزين حيث اعتاد أن يقف ليملأ خزان سيارته بصعوبة وعناء كبيرين ، بينما يجده في شوارع الطرق الخارجية متوفر بالبراميل وبأسعار مرهقة .

هل العراق بلد نفطي ؟ والجوع يملأ البيوت !! وهل العراق بلد يبيع النفط ؟ وأهله يحتاجون نفوطه قبل غيرهم !! وهل العراق بلد نفطي ؟ والعراقي لم يعرف حتى اليوم أين استقرت تلك المليارات التي عادت لبلاده طيلة سنوات التصدير ؟ ولم تزل بيوتنا الطينية وأكواخنا وصرائفنا علامة عراقية فارقة ، ولم تزل طرقنا الموحشة والممتلئة بالحفر والمستنقعات منتشرة ، ولم يزل قطارنا الواحد البائس كما كان ، وملعب الشعب وحده كما كان ، وطرقنا ذات الممر الواحد كما كانت ، والمدن الممتلئة بالمستنقعات والمياه الآسنة كما كانت ، ولم تزل البصرة تشرب المياه المالحة كما كانت ، فأن لم نستطع إن نجد الرحمة والمروءة من الحكومة ومن وزارة لنفط في تأمين حاجة المواطن ، فهل نلتمس رحمة ومروءة سراق النفط ليكفوا عن السرقة بعد أن شبعوا ، أو على الأقل ليتقاسموا دون خجل مع الشعب المحروم ثروته التي ضيعتها الحكومات واختلسها الزمن الرديء .