الرئيسية » مقالات » هل الحل في التجميد أم في نزع السلاح من ميليشيا (جيش المهدي)..!

هل الحل في التجميد أم في نزع السلاح من ميليشيا (جيش المهدي)..!

صرح السيد مقتدى الصدر في أعقاب الأحداث الدموية في كربلاء بما يلي , كما نقلته وكالات الأنباء:
“رأينا من المصلحة تجميد جيش الإمام المهدي بلا استثناء لإعادة هيكلته بصورة تحفظ العنوان العقائدي لمدة أقصاها ستة شهور من تاريخ إصدار هذا القرار. كما نعلن الحداد لمدة ثلاثة أيام وإغلاق مكاتب الشهيد الصدر في عموم العراق ولبس السواد وإقامة مجالس العزاء احتجاجاً على ما جرى في كربلاء. “أنصح الأطراف الحكومية بالتحقيق في ما حدث على أن يكون تحقيقا عادلا ومحايدا لكي لا تتكرر المأساة (…) فالمحتل بيننا وفي بلادنا”. دعونا ندقق في هذا التصريح من جوانب عدة.
ماذا يعني وجود جيش باسم “جيش الإمام المهدي” ومسلح تسليحاً عالياً لا يرتبط بأجهزة الدولة الرسمية ولا بالقوات المسلحة, بل يقرر أمره السيد مقتدى الصدر ذاته , فهو الذي , كما يقول , شكَّلهُ ,هو الذي , كما يقول , جمده لستة شهور؟ يعني ببساطة بالغة ووفق المنطق الاعتيادي إن هناك جماعة سياسية سمحت لنفسها بتشكيل جيش باسم “جيش المهدي” غير خاضع للقوانين وقرارات الحكومة العراقية والقائد العام للقوات المسلحة. وهذا “الجيش” يقف بالضد من قرارات الدولة ومهماتها وصلاحياتها ويحارب القوات المتحالفة مع الحكومة العراقية والقائمة في العراق وفق قرار الحكومة وبموافقة مجلس الأمن الدولي, وبالتالي هو يقف ضد القوات المسلحة العراقية ويمارس الاختطاف والتغييب والقتل ضدها. وبهذا المعنى فهي ميليشيا غير حكومية خارج إطار مؤسسات الدولة الرسمية في دولة ذات دستور مقر من غالبية سكان العراق وخارج إطار القوات المسلحة وقرارات مجلس النواب والقضاء العراقي , بل هي بهذا المعنى الدقيق خارجة على القانون وعلى دولة القانون ولا تحترم القوانين والسيادة العراقية ولا تحترم الحكومة العراقية أيضاً.
وقرار التجميد الذي اتخذه السيد مقتدى الصدر يعني بدوره أن هذا الرجل هو قائد هذا الجيش أولاً وقبل كل شيء , وبالتالي فهو مسئول عن كل الفعاليات والنشاطات التي مارسها ويمارسها في العراق طيلة الفترة المنصرمة “الجيش” , بما في ذلك أحداث كربلاء الحزينة الأخيرة ثانياً. وإزاء هذه الحقيقة كان وما يزال على الحكومة العراقية أن تتخذ إجراءات قانونية لا بحق الفاعلين فقط , بل وبحق من شكل هذا “الجيش, ومن أصدر له القرارات بالعمليات العسكرية كلها ومن قرر تجميده , الذي يؤكد ثانية دوره القيادي الأول في هذا الجيش. كما أن عجز الحكومة عن اتخاذ القرارات المناسبة بحق من يرتكب كل تلك المخالفات ويؤكد ضعف الحكومة ودورها وقناعة الناس بها وبقراراتها في حماية الأمن وتطبيق القانون في العراق. وهي إشكالية كبيرة تعبر عن ازدواجية المواقف الرسمية للحكومة العراقية.
إن اتخاذ قرار تجميد نشاط ما يسمى بـ “جيش المهدي” وعدم حله وتسليم أسلحته للحكومة العراقية وتسليم مرتكبي الجرائم والمتهمين نه إلى الحكومة والقضاء العراقي يعتبر ببساط تجاوزاً فظاً على الدستور العراقي والقوانين العراقية والحكومة العراقية والقضاء العراقي , وهو سلطة غير شرعية داخل سلطة شرعية , وهو شئنا أم أبينا , يعتبر “حصان طروادة” لقوى عديدة خارجية وداخلية , شاء مقتدى الصدر أم أبى.
رغم وجود من يقف وراء السيد مقتدى الصدر من مستشارين سياسيين وعسكريين وغيرهم , إلا أن الرجل الشاب لا يمتلك خبرة كافية بالعمل السياسي , وبالتالي فقد ارتكب خلال السنوات الأربع المنصرمة أخطاءً فادحة وكبيرة تستوجب المساءلة الجدية وليس المجاملة التي غالباً ما يمارسها السياسيون العراقيون التي لا نفع فيها بل تزيد في الطين بلة. إن قولي بأن الرجل ذو وعي سياسي وثقافي محدودين وخبرة سياسية واجتماعية محدودتين أيضاً ليست إساءة له بل عرض واقع حال , وبالتالي تمكن الكثيرون المرور من تحت ردائه وتربعوا في مواقع قيادية وكونوا أكثرية عناصر جيش المهدي. لقد كتبت قبل أكثر من سنتين مقالاً تفصيلياً عن القوى التي يتشكل منها “جيش المهدي” وأؤكد هنا للمرة العاشرة أن جيش المهدي يتكون حالياً من الجماعات التالية :
1. جماعة صغيرة من المؤمنين الذين كانوا يتبعون والده الراحل آية الله العظمى السيد محمد صادق الصدر , وهم بالتالي يتبعونه ويأتمرون بأمر ابنه.
2. جماعة كبيرة من القوى البعثية الشيعة التي عملت في الجيش والمخابرات واستخبارات والأمن والشرطة العراقية التي التحقت بجيش المهدي , ولكنها لم تتخل عن مواقفها إزاء صدام حسين , وبالتالي فهي تريد الانتقام لصدام ورهطه , وهي تعمل لتنفيذ مآرب القوى البعثية المتطرفة والمسلحة التي تمارس الإرهاب في العراق.
3. مجموعة من حثالة البشر ممن أطلق صدام حسين سراحه من السجن قبل نشوب حرب الخليج الثالثة , أو من الشقاوات واللصوص والمحتالين وقطاع الطرق , التي وجدت في جيش المهدي مجالاً حيوياً لارتزاقها والحصول على نفوذ واسع وهيمنة على الناس وتعمل على الاغتناء وابتزاز السكان.
4. جماعة من عملاء إيران الذين تغلغلوا فيه وهم من العائدين من إيران والمؤتمرين بأوامر إيران.
5. جماعات إرهابية لا تريد سوى إشاعة الإرهاب وهي مرتبطة بقوى خارجية متعددة الجوانب وتعيش على ما يدفع لها من مجموعات مختلفة.
هذه هي مكونات ما يسمى بـ “جيش المهدي”. لا شك في أن المجموعة الأولى هي الأكثر نقاوة ولكنها غير قادرة على فعل الخير , إذ أنها محاطة بقادة من الأصناف الأخرى. إن الأصناف الأخرى هي التي تفجر الصراعات مع قوى مماثلة لها ترتبط بمليشيات أخرى.
إن من الأفضل للسيد مقتدى الصدر وللشعب العراقي والحكومة العراقية لا تجميد جيش المهدي بل حله وتسريح المرتبطين به وتسليم أسلحتهم للحكومة العراقية والابتعاد عن أي عمل عسكري وعنف في العراق وتحويل حزبه إلى حزب سياسي يميز بين السياسة والدين أو بين الدولة والدين ولا يخلط بينهما , إذ أن النتيجة وبال على الدين وعلى المرجعية الدينية التي يطلق على نفسه فيها بالمرجعية الناطقة , وهو تجاوز وتحدي للمرجعية الدينية وتوريطها بالقضايا السياسية أو أنها هي المسئولة عن ما يقوم به قائد جيش المهدي مقتدى الصدر من تجاوزات على الناس والقانون باسم المرجعية الناطقة , أي الحوزة الدينية في النجف.
إن المشكلة التي ستواجهها الحكومة العراقية ما لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بمواجهة الوضع الذي سينشأ عن تفكك بعض قوى ميليشيا جيش المهدي وتشكيلها جماعات خارج القانون وخارج إرادة مقتدى الصدر أيضاً وتمارس الإرهاب والابتزاز والقتل بحق الشعب العراقي وتأتمر بأوامر تأتيها من إيران ومن الخليج أو من مدن أخرى ودول أخرى. لقد ارتفع حجم الدعم المالي لقوى الإرهاب في العراق بسبب تحملها خسائر فادحة نتيجة الضربات التي بدأت تتلقاها في العراق , وبالتالي فأن جامعي الانتحاريين والإرهابيين يطالبون باستمرار بمبالغ عالية لتوفير هذه الجماعات و إذ لم تعد هناك قوافل تنتظر السفر إلى العراق كما كانت قبل سنة مثلاً. ولهذا فأن هذه الجماعات رغم تقلص أعدادها وحجم العمليات الإرهابية التي يمارسونها قد ازدادت سيولتها النقدية , وهي كافية لقتل المزيد من الناس الأبرياء.
إن على رئيس الحكومة العراقية أن يضع التيار الصدري أمام الخيار بين العمل السياسي والتخلي عن الجيش والعنف والسلاح أو مواجهة السلطة وقواتها , إذ لا بد من وضع هذا التيار وقواه أمام أحد هذين الخيارين. وما لم تقم الحكومة بهذا حالياً , فأنها ستواجه صراعات اشد وأقسى حال بدء انسحاب بعض القوات الأجنبية من العراق خلال الشهور القادمة وستكون المعركة قاسية عند ذاك , إذ أن التيار الصدري وميليشياته يريد الهيمنة على السلطة وهو يحصل على التأييد المطلق من المرجعية الدينية في إيران ومن حزب الله في لبنان ومن قوى إسلامية سياسية شيعية متطرفة , بل حتى بعض القوى السنية التي ترى في ذلك فرصة للصراع الشيعي – الشيعي وإضعافهِما والحلول محليهما , وخاصة جماعة المؤتمر القومي العربي وهيئة علماء المسلمين وجماعة عليان في التوافق وبعض الجماعات الإسلامية الأخرى المتحالفة معها وبعض قوى البعث أيضاً.
إن ما جرى في كربلاء دق ناقوس الخطر بقوة, فهل سيكتفي رئيس الحكومة بتلك الإجراءات التي اتخذها في كربلاء فقط , إذ غير بعض المسئولين والعاملين في الأمن والشرطة , أم ستشمل قوى أخرى ترتبط بالقوى التي وجهت ضربتها في كربلاء وتلك التي أرادت إشعال الحرائق في الصحن الحسيني والضريح لإشعال فتنة طائفية أبشع وأدهى مما كان يمكن أن يحصل في أعقاب العمليات الإرهابية المجرمة في سامراء. إن القضية كلها مرتبطة بتصرف الحكومة حالياً وسبل وضع حد لوجود المليشيات الطائفية المسلحة , سنية كانت أم شيعية , إذ بدون ذلك سيتعذر تحقيق الأمن والهدوء والاستقرار في العراق.
يطالب السيد مقتدى الصدر أطراف الحكومة “بتحقيق عادل ومحايد” , “فالمحتل بيننا” , كما يقول. أنا وغيري والملايين من العراقيات والعراقيين , وخاصة عائلات ضحايا نشاطات جيش المهدي وغيره , نطالب بتحقيق عادل ومحايد وسريع أيضاً مع المطالبة بنشر نتائج التحقيق على الملأ دون تزويق أو مجاملة أو إخفاء بعض الحقائق , وسنرى من هو الفاعل فـ”أبو گريوه ينكشف أمرها عند عبور النهر. ولكن أود أن أقول للسيد مقتدى الصدر ما يلي : ليس فينا من يفكر في أن يبقى المحتل أبد الآبدين في العراق , بل سينسحب طبعاً بل وسنرغمه على الانسحاب دولياً في حالة التلكؤ. ولكن السؤال هو : هل أن الأمريكيين هم الذي يمارسون ذلك , كما توحي ملاحظة مقتدى الصدر , أم مجاميع من العراقيين والإيرانيين والعرب من خارج العراق , ومنهم من هو من جيش المهدي أو من أطراف أخرى؟
لو انسحبت القوات الأمريكية من العراق هذا اليوم , فستكون المعركة حامية الوطيس مباشرة لا بين الأحزاب السياسية الطائفية الشيعية والسنية حسب , بل وفي ما بين الأحزاب الشيعية – الشيعية والأحزاب السنية – السنية أيضاً وسيقوم هؤلاء بقتل وتشريد المواطنات والمواطنين من مسيحيين وصابئة مندائيين وإيزيديين وعلمانيين وديمقراطيين. إننا نشهد اليوم عمليات اغتيال ومجازر مثل مجزرة كركوك وسنجار والحلة وكربلاء وكذلك ما يجري في الموصل ومدن الجنوب أو اغتيال محافظ الديوانية ومحافظ السماوة , إضافة إلى محاولات اغتيال فاشلة كثيرة أخرى. لهذا فأن ليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تشتعل نار الفتنة الطائفية في العراق حالياً , بل هي من مصلحة قوى إقليمية فارسية وعربية وتركية أساساً.
أتمنى أن تتعظ الحكومة من أحداث كربلاء إذ أنها لم تمس اللحم الحي حسب, بل مست العظام أيضاً. لقد حفر صدام حسين ورهطه جروحاً عميقة وكثيرة في بنية المجتمع العراقي , وها هي المجموعات الطائفية المسلحة والتكفيرية وكل المجرمين تعمق وتوسع وتديم تلك الجروح لتبقى نازفة دوماً , فالدم ينزف دماً كما يقول الشاعر الجواهري الكبير.
30/8/2007