الرئيسية » مقالات » حول مفاهيم الحرية والإنحلال والأخلاق- مناقشة للكاتب علي القطبي

حول مفاهيم الحرية والإنحلال والأخلاق- مناقشة للكاتب علي القطبي

قرأت كتابة للكاتب السيد علي القطبي بعنوان (المرأة بين الحرية الشخصية والإنحلال العائلي) والتي نشرها بتأريخ 20.8.2007، واحببت التعقيب على بعض الأمور التي وردت فيها. أعتقد ان الكاتب في مقالته تلك أراد التذكير بأهمية العائلة وقيمها ,بألا نهدم بإسم الحرية تلك المفاهيم لأننا بذلك نهدم المجتمع. وهذه وبعض الأمور الأخرى اتفق مع الكاتب عليها و أرى أن التأكيد عليها أمر في غاية الأهمية. لكني اجدني مضطرة لمناقشة الكاتب في بعض التعابير والأمور التي ذكرها وأن اختلف معه عليها.
بدءاً، عنوان كتابة السيد علي القطبي يعطي الإنطباع بأن الحرية الشخصية هي مرادفة أو قريبة للإنحلال العائلي. وهذا ما نفعله جميعا أحيانا من خلط مفهوم الحرية مع مفاهيم أخرى. وأرى أنه لا بد لنا عند مناقشة هذه المفاهيم التفريق بين الحرية والإنفلات: فالأولى مسؤولية والثانية فوضى، الاولى تحافظ على المباديء والثانية تهدمها.
الحرية مسؤولية. كل انواع الحريات هي مسؤلية. إنها من اكبر وأول انواع المسؤوليات البشرية. وعلى هذا المبدأ، فالفتاة التي تتعلم المباديء السامية وتعطى الحرية تحافظ على تلك المباديء وعلى حركاتها بشكل يفوق كل السجون والرقابات, والحرية الشخصية تعطى فقط لمن تسلح بالمباديء التي علمته كيف يستخدمها.
يناقش الكاتب سفر المرأة وضمنه الحرية بشكل عام وكأن حرية المرأة وحرية السفر مهما كانت الأحوال وفي اي ظروف لا تعني سوى الإنفلات! وهو بذلك يهين من حيث لا يشعر نساءا اضطررن للسفر ومواجهة الحياة وحدهن ويستحقن أعظم التقدير….فلماذا تحتاج إمرأة تسافر لاي سبب معقول لوحدها أن تجد أعذارا وكأنها اذنبت ؟ لماذا ما زالت المرأة عندنا تحتاج ان تعتذر عن امتلاكها عقلا، عن قابليتها، عن إنجازاتها وكأن هذا هو في نفس الوقت دليل على إنحلالها أو على الأقل على كونها غير قابلة على ان تكون في نفس الوقت الأنثى المحبة منبع الصفاء والسلام والحنان والإستقرار العائلي !! في الوقت الذي يجب ان يكون دليلا على سموها الأخلاقي والعقلي.
وهل المرأة التي تأخذ قراراتها وتسافر وتعمل وتتكلم مع الرجال هي إمرأة “تحيي ليالي الدردشة” مع الرجال كما يصف الكاتب؟؟!!!! هل يدرك الكاتب كم من النساء الفاضلات يهين بشدة بهذا التعبير؟ ما معنى “تحيي ليالي الدردشة” ؟!! وهل الذين ينادون بحرية المرأة لكي تتحرر مجتمعاتنا من عقدها المتراكمة هم اناس ليست لديهم معايير أخلاقية وينادون بالإنحلال؟ إذن ألا يحق للبعض ان يقول ان من يناديون بالحفاظ على المباديء الإخلاقية للمجتمع انما يريدون وضع قيود على المرأة وهم متخلفون؟! إن من واجبنا ككتاب أن ننتبه اية تعابير نستخدم, وألا نجر المناقشة في هذه الأمور إلى طرفين نقيضين لا وسط لهما: إما الإنحلال وإما القيود الظالمة…..فكلا الطريقين طريق تحلل المجتمع. واحب ان ألفت نظر الكاتب إلى ظاهرة وهي أن آفات المجتمعات المنحلة اخلاقيا هي هي نفسها آفات المجتمعات الشديدة القيود والمحافظة اكثر من اللازم. والله يقول: (وكنتم امة وسطا).
الكاتب يستخدم تعبيرا أُستخدم كثيرا للتعبير عن نوع العلاقة بين الزوج والزوجة وكيفية تسيير امور العائلة, وهو تعبير السفينة والقبطان وبأن الزوج يجب ان يكون القبطان ويجب على الزوجة ان تطيع كأي كادر في السفينة وإلا غرقت الأخيرة. في الحقيقة السفينة لا يقودها ربان ديكتاتوري, ولكن ربان يتحاور مع مستشارين له بدونهم وبدون خبرتهم لن يتمكن من إدارة السفينة لوحده ولا من إنقاذ اي من افراده إن داهمهم الخطر, والقبطان إن إنفرد بالرئاسة بدون إستشارة من الآخرين لكان هو نفسه أكبر خطر على تلك السفينة. إن علاقة القبطان ليست علاقة رئاسة بالشكل المفهوم عندنا, إنما هو يؤدي دورا كأي دور للآخرين وليس دور الآخرين أقل اهمية من دوره. وعلى طاقم السفينة ان يعزلوا هذا القبطان إن كان غير قادر على تسيير السفينة لأن في بقائه خطر عليهم وعليه هو. أي اننا حتى لو رأينا في ذلك التصوير اقرب شيء في تشبيه علاقة الرجل بعائلته, فمن المهم في هذه الحالة أن يثبت هذا القبطان صلاحيته للقيادة أولا, وهذه الصلاحية اهم نقاطها تواضعه وقدرته على سماع مستشاريه وحكمته.
ولكن بغض النظر عن السفينة والقبطان, أظن أننا نحتاج ان ندقق النظر في الطريقة التي ننظر بها إلى علاقة الرجل بالمرأة والإنتباه إلى بعض التعابير التي نستخدمها لوصف تلك العلاقة. المصيبة اننا لحد الآن نتكلم وكأن المرأة التي لا تضرب ولا تهان هي اسعد إمرأة في العالم وليس لها الحق في ان تطلب اي شيء آخر! ما زالت الفكرة عند بعضنا هي أنها جارية, إما جارية تعامل جيدا أو جارية تعامل بقسوة !
المرأة شريك الحياة، والكلمة المستخدمة في العربية للرجل والمرأة في العائلة هي : زوج، اي اثنين من نفس النوع، شيئين لا يكتمل احدهما دون الآخر…إنها علاقة شراكة وصداقة ومحبة متبادلة، فإذا ما اصر احدهما على ان يلعب لعبة السلطة ولم ير فيها إلا علاقة إثبات لها، ذهبت المحبة والصداقة والشراكة.
يقول الكاتب ايضا: “هل من العقل أن نهيأ أسباب الحريق ونقرب الوقود من الكبريت وتقول أن فلان واثق من نفسه أو فلانه واثقة من نفسها”
فأقول له:يا سيدي يجب ان نكف على النظر لعلاقة الرجل والمرأة على انها ليست سوى وقود وكبريت! اعلاقة الرجل والمرأة هي علاقة اب وابنته, علاقة الاخ والاخت, الام والإبن, العلاقة مع الخال, العم والجد, الصديق…. وهي ايضا علاقة الحب التي تربط الرجل والمرأة والتي في الأجواء الصحية تكون هي التي توفر اقوى مناعة اخلاقية ضد كل انواع الإنحلال الأخلاقي. إنه ليس علاقة ينظر إليها بالخوف والوجل والقلق المستمر والإحساس الدائم إنها شيء يجب السيطرة عليها وهي نار تحرق الأخلاق, هذه نظرة المجتمع الذي لا ينظر إلى علاقة الحب السامية بين الرجل والمرأة إلا من الناحية البدنية الصرفة الخالية من كل عاطفة ! الا يصف القرآن هذه العلاقة على انها (مودة ورحمة) ؟
المرأة والرجل كلاهما إنسان. ما زلنا ننظر في مجتمعنا، وللأسف الشديد بتأثير الخطاب الديني, إلى الرجل والمرأة على انهما ليسا سوى مجموعة من الشهوات ! تعابير الكبريت والوقود تستعمل دوما وهي تعابير خاطئة جدا، لأنها تصر على رؤية أي إقتراب من اي نوع بين الإثنين بكونه عيب وذنب كبير وهي بذلك تدخل الفكرة الخاطئة في عقول ونفوس المجتمع, فتكون نظرة الإثنين لبعض على هذا الاساس فقط, فلا تستطيع الفتاة النظر لأي رجل خارج نطاق العائلة إلا على هذا الاساس, ونفس الشيء بالنسبة للرجل, وهذا بالذات هو سبب إلإنحلال الرئيسي. فكيف لرجل ادخلت في عقله ان قربه, حتى للكلام, من اي إمرأة يؤدي إلى الخطأ, كيف لهذا الرجل ان يكون فكرة صحية عن النساء وكيفية التعامل معهن؟ بل كيف لهذا الرجل ان يعرف ابدا معنى الحب؟ اعني معناه الأسمى من الإنجذاب الجنسي الصرف، كيف له ابدا ان يعرف كيف يبني علاقة زواج صحيحة يسودها التفاهم والحوار والإنسجام؟ هل يستطيع ان ينظر إلى المرأة إلا على أنها شيء لإشباع غريزة؟
الأديان تكلمت عن الغرائز المادية وكيفية التعامل معها ليس لأن الإنسان حقيبة من الغرائز البدنية كما يلقننا أغلب رجال الدين للأسف، ولكن لكي يتمكن الإنسان من السيطرة عليها وإستعمالها لأجل سعادته الروحية, لأن في الرقي الروحي للإنسان سعادته الحقيقية.
نعم من العقل والواقع ان نوفر الأجواء الصحيحة ونعم من الخطأ ان ترمي المراة (والرجل) ايضا في مواقف تمتحن قدرته على الوقوف بوجه الشهوات والإنحلال, ونعم يجب على الإنسان ان ينتبه اين يضع نفسه وفي اي موقف, وعلى المرأة حفاضا على كرامتها ونفسيتها الرقيقة الإبتعاد قدر الإمكان عن كل ما يخدش حيائها . نعم يجب على المرأة (والرجل) الا تسير في طريق مظلم موحش وحدها في الليل لأنها تكون معرضة للإعتداء, المشي في ذلك الطريق غباء وليس ثقة بالنفس , ولكن في المقابل يجب عليها الا تضع نفسها في سجن وترتاب من كل شيء ومن الخروج للمجتمع والتفاعل الإيجابي معه. ونعم يجب على الرجل والمرأة ان يثقوا بأخلاقهم إذا كانت هذه الثقة مبنية على المباديء التي بنيت عليها اخلاق ذلك الشخص، بشرط أن لا يكفوا عن تغذية أرواحهم بما يديم تلك الأخلاق. لا أخلاق حقيقية يمكن ان تبنى عل اساس العزل أو الخوف. الأخلاق الحقيقية تبنى على المباديء القوية الراسخة وهي ستصمد في كل وقت ومكان, وأكبر ما قد تتعرض له هو هزات بسيطة ولكنها لن توقِع ولن تُكسر.
يكتب السيد القطبي أيضا “إن للشهوات قدرة قوية قد تنهار أمامها المبادئ وبعض الشخصيات الملتزمة”
الشهوات قوية نعم, لكنها نادرا ما تكون أقوى من الإنسان الذي رقى روحه بالمباديء والمفاهيم والرياضة الروحية. الإنسان ليس حيوانا بل جسد حيواني وروح من الله، والتربية السامية والرياضة الروحية تجعلنا نكون اكثر تواصلا مع ارواحنا ونرتقي بنفوسنا ….هدف الأديان هي في الدرجة الأولى الإرتقاء بالإنسان لتكون الروح التي نفخت فيه هي المتحكمة فيه وهي التي توصله للتقرب من الله. الشهوات ليست لها قوة كبيرة على الإنسان الذي رباه اهله وربى هو نفسه ومارس الرياضة الروحية. الصلاة مثلا, بكل أنواعها، هي إحدى تلك الرياضات الروحية, وهذا هو السبب يصفها القرآن بأنها( تنهى عن الفحشاء والمنكر). إنها تنهى لأنها رياضة روحية تدرب النفس على الرقي عن طريق مناجاة الخالق.
والأهم ان كل الأمور المذكورة، وكما يؤكد الكاتب ايضا، يجب تطبيقها على المرأة والرجل على السواء.
أتفق مع الكاتب بأن المجتمع الغربي فيه امراض إجتماعية كثيرة ويجب علينا نحن الذين عشنا في الغرب ورأينا أمراضها الإجتماعية عن قرب أن نحرص ألا تصل هذه الأمراض نفسها إلى مجتمعاتنا. ولكن مجتمعاتنا الحالية، بالإضافة إلى امتلاكها كثيرا من امراض الغرب, تمتلك امراضا خاصة بها وعلينا ان نركز عليها ايضا.
الطلاق يكثر في الغرب, هذا صحيح، وبينما نعتبر نحن قضاء طفولتنا في عائلات متكونة من الأب والأم والأخوة امرا بديهيا, يعتبر الكثير من الغربيين هذا طفولة طبيعية نادرة. ولكن, وإن لم يكثر الطلاق عندنا، فالعائلة في مجتمعنا ليست حقا وحدة متكاملة من الأب والأم المتفاهمين المتحابين إلا في بعض الاحيان، وإذا كان لا يوجد طلاق فهذا لا يعني انه بيت سعيد بالضرورة, حتى وإن لم تكن فيه مشاكل ظاهرية, فهو بيت بالاحرى فيها برودة من نوع خاص, فلا يوجد حوار حقيقي بين الرجل وزوجته ولا توجد لغة تخاطب حقيقية: يتكلمان ولكنها لا يتخاطبان. ينشأ اولاد لا يعرفون كيفية النظر والتعامل مع الجنس الآخر , لا يعرفون معنى الحب وهو من اهم واول الغرائز الروحية. والذي لا يعرف الحب ستملأه العقد ولن يتمكن من ان يسيّر اي شيء في حياته ويحل اية مشكلة لأن كل شيء سيدور في فلك إحساسه بعقدة النقص هذه ومحاولته للهروب منها…وهو لذلك لن يستطيع حل اية مشكلة عائلية أو سياسية او مالية او اقتصادية….نعم ان فقدان الحب والإرتقاء الروحي وإدراك ان الإنسان يستطيع الرقي بتلك الروح هي اسباب كل مشاكلنا السياسية والإجتماعية برأيي.
يقول الكاتب ايضا في رده على كاتبة “الحديث عن تحرر المراة عن زوجها في ظل هذه الظروف خطير يا سيدتي”
في هذه الفقرة يؤكد السيد القطبي مرة اخرى أن كلمة تحرر عنده وعند الكثيرين تعني الإنفلات وهي لهذا خطيرة !!!!
إن تحرر المرأة من القيود الظالمة هو الذي يحافظ على المجتمع من الآفات… أن تحررها هو ايضا تحرر للرجل من عقده وإرتقاء لروحه, أن تحررها هو إعطاءها والرجل حرية مسؤولة مبنية على المباديء، حرية تمكنهما من أن يكونا جزئين فاعلين حقا في المجتمع.
وتحرر المرأة لا يعني بالضرورة عملها ونوع الملابس التي تلبس وعدد المقاعد المعطاة لها في البرلمان, بل ان هذه امور شكلية. قد تصل إمرأة إلى البرلمان, او تصبح عالمة او طبيبة او محامية او سياسية ولكنها ما زالت غير متحررة إن ربطت اهميتها كليا بأهمية الرجل, إن كانت اول من تتكلم على زميلة مطلقة بالسوء. وقد تكون إمرأة غير متعلمة غير عاملة اكثر منها حرية ومتحررة العقل وذا شخصية. وفي الحقيقة ان نماذج كهذه نراها كثيرا في مجتمعنا الكردي. تحرر المرأة هو ان تنظر هي إلى نفسها ويُنظر اليها على انها كيان متكامل يفكر ويحب وله عقل، وأنها مهمة بقدر الرجل ولها الحق بالإختيار….تحرر المرأة هو ان يُنظر اليها, وأن تنظر هي إلى نفسها، كما خلقها الله: إنسان.
إن ما يتفق عليه المجموعة التي تنادي بتحرر المرأة وليس إنفلاتها, والمجموعة التي تنادي بالحفاظ على المجتمع من الإنحلال الأخلاقي, نسبة كبيرة جدا من الأفكار، بل إن كلتا المجموعتين تناديان بنفس الشيء ولكن من زوايا مختلفة. المهمة الصعبة لكلتيهما هي أن يدركا ذلك وألا يسمحا بالمتطرفين من المنادين بالقيود والمنادين بالإنحلال من أن يجروهما إلى أقطابهما التي لا تعيش فيها الحكمة ويعزلوهما عن بعض. هذه المهمة تتطلب إنتباها وإحساسا بالمسؤولية.