الرئيسية » مقالات » حمامات الدم في كربلاء: من يقف وراءها..؟!

حمامات الدم في كربلاء: من يقف وراءها..؟!

حمامات الدم التي حصدت أرواح العشرات من الأبرياء من زوار الأضرحة المقدسة في مدينة كربلاء ليومي الثلاثاء والأربعاء 27و28/8/2007 ، ليست حالة طارئة أو عفوية أو حتى غير متوقعة، بل هي في الحقيقة مجرد حلقة في مسلسل الصراع الدامي الذي يجتاح مدن الوسط والجنوب، بين الأحزاب والتنظيمات السياسية المليشياوية ذات الصبغة الدينية، والتي وجدت في حالة الإنفراج والفوضى التي أستتبعت حالة الإحتلال عام/2003، فرصة لبناء تنظيماتها العسكرية، وتزويدها بالدعم اللوجستي من بقايا مخلفات النظام السابق العسكرية بعد حل الجيش العراقي، وتمريرات دول الجوار التي تربطها بها علاقات محددة، تأخذ في ظاهرها براءة الدين، أما في باطنها فلا تخرج عن علاقة مشاركة مصلحية بين تلك الدول وهذه المنظمات، وهذا ما عكسته، وبصورة فاضحة، حالة التدخل السافر الذي تمارسه تلك البلدان في الشؤون الداخلية للعراق، ولعل مجرد التذكير بتصريحات السيد نجادي رئيس الجمهورية الإيرانية الإسلامية لأيام خلت، ما فيه الكفاية لألقاء النقاط على الحروف..!*

لم تأت حالة الصراع المذكورة بين هذه التنظيمات المسلحة، والمصنفة رسمياّ بأنها خارجة على القانون، من فراغ حسب، فهي جميعاّ أذرعة عسكرية للقوى المصنفة مدنياّ على أنها قوى سياسية مشاركة في العملية السياسية، ولها ممثلوها المنتخبون في البرلمان ووزراؤها في الحكومة.

رغم ما تؤكده الحكومة في بيانها التأسيسي وإستناداّ لنصوص الدستور، والتأكيدات المتواصلة للسيد رئيس الوزراء، بعدم مشروعية هذه التنظيمات المسلحة، آخرها تصريحه من وسط الأحداث في مدينة كربلاء؛ فإن تواجد هذه المليشيات مدعومة بواجهاتها السياسية الحزبية ذات الطابع الطائفي بشقيه، أمست حالة تأقلم معها الشارع العراقي وكأن المواطن تلده أمه وهو حاملاّ على كتفه غدارة..!؟

ولا يسعني هنا غير تأكيد حقيقة لا تقبل المواربة، هي إخفاق الحكومة المنتخبة برلمانياّ في حل إشكالية المليشيات المستشرية في بغداد ومدن الوسط والجنوب في نفس الوقت إستشرائها في المحافظات الأخرى، وهذه الحقيقة قد عكستها الأحداث الأخيرة في كربلاء وما سبقها من جريمتي إغتيال محافظي المثنى والديوانية، وما يجري من إتنهاك لهيبة الدولة في كافة المحافظات الوسطية والجنوبية والغربية من خلال الصراع المتواصل بين هذه القوى المنفلته..!

ويبدو الأمر وكأن التشكيلة السياسية الحاكمة في العراق، غير قادرة على مواصلة السير في العملية السياسية، دون دعم وإسناد من مليشياتها المسلحة، التي ما أنفكت تتأبط أسلحتها ليل نهار، ولا تجد طريقاّ لحل نزاعاتها من أجل الهيمنة على سلطة المحافظات، تهيؤاّ للإنفراد والإستحواذ على قيادتها، وإقامة فدرالياتها القادمة تحت ظل الدستور، غير هذا الطريق، ولا يهم بعد ذلك من ذا الذي سيدفع ثمن هذا الإحتراب،..!؟

فالشعب الذي سهل إنقياده تحت مظلة الدين، وأستغلت مشاعره الصادقة إتجاه مقدساته ووعيه الفطري، تجده مستعداّ للتحرك بالملايين، وراء القادة السياسيين لهذه المنظمات، التي بدورها تلتف بعباءة المرجعيات الدينية التي تكن لها هذه الملايين كل فروض الإحترام الذي يصل لدى بسطائها حد التقديس، فتحركها وفق بوصلتها وبالإتجاه الذي تريد والذي يخدم مصالحها القريبة والبعيدة، وإن تعذر عليها ذلك، إبتدعت المناسبات التي تخلق منها أجواء ملائمة لإظهار هيمنتها القيادية على الجموع المحتشدة وتمرير شعاراتها التي تطبعها في عقول جماهير الطائفة وكأنها مسلمات منزلة لا تقبل التأويل أو التحميل..!

فلا يعبر نزيف الدم الذي جرى في كربلاء أو في المدن الأخرى ، إلا عن الواقع المرير الذي يعيشه الشعب العراقي والذي كرسته حالة الإنقسام الطائفي داخل المجتمع والذي أرتضته بعض الكيانات السياسية وعاشت عليه غير مكترثة بما يجره من الويلات وألآلام على الأبرياء من الناس، الذين يتعرضون كل ساعة الى القتل والتهديد والتهجير والإغتيال. ولا يغير من الأمر شيئاّ ما تناقلته وسائل الإعلام الحكومية عن وقوف عناصر أجنبية لم يعلن عن هويتها وراء الأحداث، طالما ظلت الميليشيات مهيمنة على الشارع العام..!

فمن يا ترى قادر على أن يأخذ بيده، زمام المبادرة في تفتيت الهياكل الإرتكازية للمليشيات المسلحة، وبنيتها المنفلته، التي بات مجرد ظهورها أمام مرأى ومسمع المواطنين، أمراّ مفزعاّ مخيفاّ، مرعباّ للصغير والكبير..؟ من ياترى سيقدم على غلق جميع المكاتب العسكرية المسلحة اللاشرعية للمنظمات السياسية الناشطة في العملية السياسية، ومن سيعمل على فرض القانون وإختفاء المظاهر المسلحة..؟؟

أليست الحكومة وأجهزتها الأمنية هي وحدها من أنيطت بها مسؤولية كل ذلك..؟ أليست الحكومة تركيب معقد من مكونات العملية السياسية نفسها، وجل أطرافها يديرون علاقاتهم وشؤونهم بواسطة أذرعتهم المسلحة..؟

فهل أن الحكومة قد ولدت منتخبة من أجل تنفيذ رغبات وإشتراطات هذه الأطراف..؟ أم أنها مجرد إنعكاس وصورة هلامية لهذا التواجد المحزن لتلك الطوائف السياسية المسلحة، التي ما إنفكت تطلق صيحاتها بالديمقراطية والتعددية والتبادل السلمي للسلطة، بنفس القدر الذي ترشق فيه رشاشتها وهاوناتها الرصاص والقنابر بدون حساب..!!؟؟

لم يزل السؤال نفسه، موضع تساؤل لا يجيب عليه غير الحكومة نفسها من خلال ما ستقدم عليه من إجراءات ومبادرات تطمأن الناس، أو على أقل تقدير تضعف لديهم الشعور بخيبة الأمل بالعملية السياسية التي أمست في وجدانهم ومشاعرهم، مجرد بعبع يجثم على الصدور..!

إن مصالح الطوائف السياسية المسلحة اليوم، تقف في المقدمة، يسندها تعكزها على قاعدة عريضة من الجماهير التي أنستها محنتها وكربها، وغثيانها مما هي فيه، أبسط حقوقها في العيش الكريم؛ فإستسلمت منقادة الى مشاعرها المقدسة، قاطعة الآف الأميال، ، مستسهلة حر الصيف ومتحملة قر الشتاء، طلباّ للرجاء والدواء، فإن ماتت أو قتلت، فطريقها الجنة وطريق القادة الصالحين من السياسيين نعيم الحياة..!! !