الرئيسية » مقالات » المتنبي غموض النسب والمقتل

المتنبي غموض النسب والمقتل

لقد أثيرت العديد من القضايا حول المتنبي بمختلف جوانب حياته العلمية والعملية, ذلك لأن هذا الشاعر الفريد في شعره والفريد في مقتله ونسبه كان قد عاش في نهاية أفول الدولة العباسية وبالتحديد في عصر الأمارات التي ظهرت آنئذ لضعف الدولة عسكريا وإداريا وسياسيا, فظهرت بعض الأمارات الصغيرة كان اشهرها إمارة بني حمدان في الشام وجزء من العراق وإمارة كافور الأخشيدي ويحلو للبعض من كتاب التأريخ أن يسميها دولا أو أن يصغرها بكلمة دويلات.
مانحن بصدده ليس بحثا حول شعر المتنبي بقدر ماهو بحث حول نسبه الغامض الذي تعمد المتنبي نفسه تغييبه والتلميح له هنا وهناك في شعره وساعد في طمس نسبه واتهامه بالنبوة الحكومات التي قامت في ذلك الوقت والتي اتخذ المتنبي منها موقف المعارض مما أدت هذه المعارضة إلى تلفيق التهم له مما لذ وطاب من طعن في الدين والنسب والسرقة الشعرية !!!.
لقد كان مولده وهروب جدته به وشعره الذي ملأ الدنيا وشغل الناس به إلى يومنا هذا ومقتله أو بمعنى أدق اغتياله في النعمانية واتهام الدولة له بادعائه النبوة زورا وسجنه من الأسئلة التي يحار فيها المتمعن في قراءة هذا الشاعر الفحل الذي لن يجود الدهر بمثله إلى يوم يبعثون. لقد حاول الكثير من الباحثين إماطة اللثام عن خفايا هذا الشاعر إذ ليس من المعقول أن هكذا شاعر الذي يتجاوز عدد شراح ديوانه الخمسين عالما يكون غامض النسب والعقيدة والمقتل. إنني بهذا البحث أحاول استقراء وتجميع آراء الغير ومن ثم طرح أفكاري حول الموضوع عسى أن تكون فيها الإفادة لمن يقرأ هذه السطور ونصيحتي أن يتجرد الباحث والقاريء من العاطفة لكي تتم الفائدة بصورة أعمق. ولقد صدق المتنبي حين قال:
أنام ملء جفوني عن شوا ردها ويسهر الخلق جراها ويختصم
ثمة كلمة مأثورة عن المؤرخ المتجرد آرنولد توينبي هي أن التاريخ يكتبه ألأقوياء والأقوياء هم من أهل الحل والعقد ومن امسك زمام الأمور ومقاليد ومقدرات الدولة بإغداق الأموال على من يكتبون التأريخ لكي يكتب التاريخ من وجهة نظر الدولة التي تختلف بنظرتها للأمور مع وجهة نظر الشعب في كل زمان ومكان إذ أن الكثير من الحقائق التاريخية حول شخصيات معينة قد أزيلت لأن هذه الشخصيات كانت ترى مالا تراه الدولة وبتقادم الزمن اندرست هذه الحقائق وبقي ما يسمى حديثا بالتاريخ الشفوي والمقصود به التاريخ الذي ينقله الشعب جيلا بعد جيل لقد اتفق جميع من درس المتنبي إلى أن هذا الشاعر تمت جذوره إلى الدوحة المحمدية(1) ولهم في ذلك بعض التأكيدات منها ما أكده الكاتب جاسم محسن عبود في بحثه الميداني إذ وجد أن أهالي قضاء النعمانية (مدفن المتنبي) يطلقون على الضريح سيد أحمد أبو سورة ويعتقدون في المتنبي رجوع نسبه إلى الأمام موسى الكاظم وهذا شيء متوارث عندهم منذ مئات السنين (2) والمتتبع لحياة المتنبي يجد أن هذه النظرة موجودة بدليل إن خصوم المتنبي أنفسهم لم يجرؤوا على الانتقاص من نسبه وهل يستطيع أحد أن ينتقص من بني هاشم وشرفهم ورفعتهم بين الناس!؟ فضلا عن ذلك دراسة المتنبي في المدارس العلوية المنتشرة في الكوفة وهذا يدلل انه من أسرة دينية كذلك لبسه الزى السيدوي في ذلك الوقت وهو العمامة الخضراء(3) ومما يبعث على التساؤل براعة المتنبي المتناهية في علوم اللغة مما جعله أستاذا لأبن جني العالم النحوي المعروف الذي أصبح من مناصريه ومن رواة شعره وهذا يدفع بانتمائه إلى أسرة دينية معروفة لا جدال فيه لأن الأسر الدينية تجمع بين الفقه والأدب واللغة ولقد جمعهما المتنبي ببراعة في حياته أما كنيته ( أبو الطيب) فقد كني بهذه الكنية منذ صغره ومن عادة العوائل الكريمة في ذلك العصر تكنية أطفالهم من صغرهم لأن الكنية تضفي هيبة على الشخص ووقارا في المجتمع وإذا تمعن القارئ الكريم في هذه الكنية (أبو الطيب) يجدها كنية غير عادية ومن المحتمل أن تكون جدته قد قصدت إطلاقها عليه لكي تدلل على طيب أصل هذا الطفل. كان المتنبي في حياته يلقب أحيانا ( بالإمام )(4)ولا يزال أهل الساحل السوري يحتفلون بمولد المتنبي في بيوتهم بالخفاء إلى يومنا هذا وهو تقليد قديم عندهم (5) ويمكن أن نقول إن المتنبي كان صاحب قضية سياسية فهو راديكالي (ثوري) ولم تشر المصادر انه مدح من اجل المال وإنما من اجل قضية ذاد عنها مما تسببت بقتله ومن الغريب بالأمر أن المتنبي كان يتوقع قتله مما دفع بعض الباحثين إلى اتهام الدولة بدفع المال إلى فاتك الأسدي أشهر قاطع طريق في وقته لكي يقتله. إن قيام سيف الدولة له من مكانه عند دخول المتنبي إجلالا له وتقديرا يدل على المكانة الرفيعة التي يتمتع بها المتنبي وزد على ذلك أن رجال الدين في ذلك الوقت يستشهدون بشعره(6) مما يدل على المكانة الرفيعة التي يتمتع بها وهذا مما يؤدي إلى القول إن المتنبي قد رمته الدولة زورا وبهتانا بإدعائه النبوة لأنه قاد ثورة ضدها في بادية السماوة(7) ومن الغريب انه لم يسجن في العراق بل اقتيد إلى حمص لأن العراق ـ كما أعتقد ـ موئل محبيه ومناصريه ولأن ثورته كانت بسبب مطالبته بتعريب الحكم في العراق كما ويرجح الدارسون أن ثورته واقتياده القبائل العربية في الجنوب يدل على زعامته الروحية لذا يمكن القول إن المتنبي قد ورث الزعامة الروحية من عائلته ولاسيما إذا رجحنا القول بسيدويته فقد أكد المتنبي على عروبته من خلال تصرفاته وتصريحاته الكثيرة في شعره فهو كما يقول عربي الوجه واليد واللسان وهذا ما يرد على ادعاء طه حسين من أن الشاعر من اصل قرمطي !!! مع أن المتنبي كان من ألد أعدائهم فقد حاربهم عندما هجموا على الكوفة فضلا عن اعتزازه بقوميته العربية كما أسلفنا وإذا أمعنا النظر نجد أن هذا الشاعر ذو نفس عربي أصيل لاسيما عندما يفخر بنفسه وبطيب إسرته في مجلس سيف الدولة الحمداني إن عملية هروب جدته به عند ولادته لهو حجة على أن المتنبي ذو شأن سياسي عند الدولة فضلا عن طلب الدولة لوالده فهل كان والده نقيب الطالبيين في الكوفة؟ (8) سئل المعري عن المتنبي وهل فعلا ادعى النبوة ؟ فصرح برأيه من أن الكلمة أتت من كلمة ( النبوة ) بفتح الباء أي المكان المرتفع (9)وهو يشير إلى عدم ظنه بالمتنبي هذا الظن ( إدعائه النبوة ) لأنه ـ أي المتنبي ـ (قد طمع بشيء قد طمع فيه من هو دونه ولكن الدنيا حظوظ )(10). يروي الشاعر علي بن عبد الله بن وصيف الناشيء الصغير من أن أبا الطيب (كان يحضر مجلسه في مسجد الكوفة عام 325هـ ولم يكن يعرف عندها بالمتنبي بعد)(11), وهذا يجرنا إلى القول بان المتنبي لم يعرف بهذا الاسم حتى بعد خروجه من السجن أي انه سجن بتهمة ليست لها علاقة بإدعائه النبوة لأن هذه السنة وهذه الحادثة وقعت بعد سجنه. كما أن شعره في جدته يثير بعض علامات الاستفهام فهو يقول فيها:
( ولو لم تكوني بنت أكرم والد / لكان أباك الضخم كونك لي أما ) فضلا عن شعره الرثائي فيها:
( لئن لذ يوم الشامتين بيومها / لقد ولدت مني لأنفهم رغما ) ( تغرب لا مستعظما غير نفسه / ولا قابلا إلا لخالقه أمرا ) فلو تساءلنا قليلا من هم الذين يشمتون بموت امرأة عجوز طاعنة في السن هي جدة المتنبي سوى أن موتها قد أسدل ستارا على نسبه وقضيته الثورية والمهمة التي كانت مناطة إليه ؟ . ومن طريف ما يروى إن احد مبغضي المتنبي في بغداد أراد أن لا يستوطن مدينة يذكر فيها المتنبي !! فكان كلما حل في مدينة وسمع ذكرا للمتنبي فيها رحل عنها حتى أوصله كرهه لهذا الشاعر إلى قرية نائية من قرى تركيا فسأل فيها عن المتنبي فلم يعرفوه فاستوطنها وبعد أسبوع سمع خطيب الجمعة ينشد بعد ذكر أسماء الله الحسنى قول المتنبي:( أساميا لم تزده معرفة / وإنما لذة ذكرناها ) فقفل الرجل راجعا إلى بغداد !! (12). سيبقى المتنبي شامخا كالطود في سماء الشعر العربي مهما حاول أعداءه الانتقاص منه ومن نسبه فسيزيده ذلك شرفا ورفعة وشهرة بين الناس ولااغالي إذا قلت إن المتنبي عندنا كشكسبير عند الإنكليز وما زالت البحوث والدراسات في شعر هذا الشاعر لا تنتهي لأن شعره يقبل التأويل في كل زمان ومكان فقد ركب هذا الشاعر ونهج في شعره السهل الممتنع ويتميز شعره بلغة زيتية منسابة محبوكة ومتجانسة كقطعة جوهر مصقولة ملساء يفهم شعره كل الناس بمختلف طبقاتهم الثقافية فهنيئا لهذا الشاعر فوزه بقصب السبق والقدح المعلى على بقية الشعراء وهنيئا لنا نحن أهل العراق بولادة أعظم شاعر في العربية في بلادنا التي طالما أنجبت العباقرة من مختلف العلوم والفنون.
إن المؤرخين قد عرفوا أكثر مما كتبوا وإن مقتل المتنبي كان من تدبير البويهيين على يد فاتك الأسدي والغاية منه طمطمة حادثة الاغتيال وإلقائها على عاتق قطاع الطرق الذين قبضوا جيدا من الدولة واستطاعوا أن يسكتوا صوت المتنبي الذي كان يشكل خطرا جسيما على أرباب الدولة وعلى كراسيهم. إن ما طرح من آراء هي مجرد آراء وتعليقات على ماهو مسطور في كتب التأريخ والذي هو النزر اليسير الذي سمحت الدولة بكتابته مما أدى إلى تأويله ممن أتوا بعدهم.

(1) ينظر: المتنبي يسترد أباه, عبد الغني الملاح ص ( 69ــ70 ).
(2) ينظر: التطلع القومي عند المتنبي، محسن جاسم عبود ص (38).
(3) ينظر: على هامش ابن الأثير، ابن الشحنة.
(4) تاج العروس, للزبيدي, ج8, ص( 449).
(5) هوامش على نسب المتنبي, عبد الغني الملاح, مجلة آفاق عربية العدد الرابع 1977.
(6) مطالعات في الكتب والحياة, عباس محمود العقاد, ص31.
(7) تاريخ بغداد, للخطيب البغدادي ج4, ص (325).
(8) التطلع القومي عند المتنبي, محسن جاسم عبود, ص(38).
(9) رسالة الغفران, أبو العلاء المعري, ص(413) تحقيق بنت الشاطيء.
(10) نفسه ص(413).
(11) معجم البلدان, ياقوت الحموي ج13.
(12) ينظر: مطالعات في الكتب والحياة, عباس محمود العقاد, ص(31).