الرئيسية » مقالات » الغائب عن ذهن الشاعر

الغائب عن ذهن الشاعر

من المعلوم أن اللغة هي عبارة عن مجموعة من الأصوات التي تؤدي إلى الاتصال بين البشر , إذن فعملية الاتصال اللغوي تتكون من متكلم وكلام ومستمع . ولقد وضع جاكوبسن خطاطته الذائعة الصيت التي توضح هذه العملية والتي لاتتم إلا بوجود ( المرسل ـــ الرسالة ـــ المتلقي ) فالمتلقي إذن يعد الطرف المستقبل والمستجيب للرسالة ( النص) الموجهة إليه أو التي آلت إليه فعملية الاستجابة تنم عن نجاح المرسل في التأثير بالمتلقي …. فالأغراض الشعرية المعروفة من غزل ومديح وهجاء وغيرها أمثلة لرسائل موجهه إلى متلق ولقد كان الأخير موضع اهتمام لدى الشاعر وما المقدمة الطللية التي شاعت في القصيدة العربية القديمة إلا دليل على ذلك لأن ذكر الديار والحبيبية وملاعب الصبا والشباب والرسوم الدوارس تجعل المتلقي ينتبه لأن النفس البشرية بطبعها ميالة إلى تلقي مايشابه حالتها من فرح أو حزن أو شجو( حالة وسط ) فيعمد الشاعر إلى شد المتلقي عن طريق (مناغاته) لما يعيشه من حالة ولقد اتخذ من المقدمة الطللية سنة شعرية حتى العصر العباسي حيث الاستقرار والترف الفكري مما أدى إلى سأم المتلقي من هذه المقدمة التي لاتشابه حالته الحالية فكانت دعوة أبو نواس ــــ الجريئة ــــ إلى المروق من هذه المقدمة ولقد استعمل في شعره الكلمات المأنوسة العذبة ونظم على البحور التي تميزت بموسيقاها الراقصة . ونحن اليوم نشهد انحسار العلاقة بين الشاعر والمتلقي إذ قلما نجد شاعرا يضع المتلقي ذهنه عندما ينظم الشعر وكثيرا مانسمع من أفواه النقاد عبارة ( قصائد اليوم لانخرج منها بشيء ) فيدفع الشاعر تلك التهمة عن قصائده بتمثله بقول أبي تمام للذي قال له : لم لا تقول مايفهم فأجابه أبو تمام : لم لاتفهم مااقول ؟!! ….. ناسيا أو متناسيا أن أبا تمام علامة فارقة لأنه خرج عن عمود الشعر وجاء بمعان جديد واستعارا بعيدة لم تكن مطروحة في الطريق وعلى الجانب الآخر المتلقي الغائب عن ذهن الشاعر يتمثل بذلك الإعرابي الذي سمع رجلا ينشد الشعر لنفسه فقال له : شعرك سكر لاحلاوة فيه !!! هي دعوة لوضع المتلقي في الذهن هي دعوة لجعل السكر حلوا.