الرئيسية » مقالات » يوتوبيا المعري

يوتوبيا المعري

لطالما اثار ابو العلاء المعري اهتمامي واواقعت افكاره في نفسي التساؤلات الكثيرة ولاسيما عزلته الطويلة في بيته متخذا من هذا البيت يوتوبيا ( عالما مثاليا ) متخلصا بذلك من الدستوبيا ( العالم غير المثالي) ميتعدا عن هموم الناس ومشاكلهم التي لاتنتهي ان موضوعة عزلة الأديب ـــ عن المجتمع ــ سواء كان المعري ام غيره لها اغصان شتى تضرب جذور أصلها الواحد في النفس المعتزلة عن المجتمع والتي تامل ان تنجو من ظلم هذا المجتمع الذي اصبح اناسه وحوشا كاسرة تتصارع فيما بينها . إننا بحاجة لفهم عميق لهذه العزلة واقصد عزلة المعري والتي بدات بالضبط عندما وقعت له الحادثة التي تشير الى انه دخل ـــ عندما جاء الى بغداد ـــ على مجلس لآل المرتضى فعثر برجل رجل فقال له الرجل : من هذا الكلب الذي عثر برجلي ؟ فقال له المعري : الكلب الذي لايعرف للكلب سبعين اسما ولقد بحث علماء اللغة عن هذه الاسماء فوجدوا منها الستين وبقيت العشرة عند المعري !!!! بعد هذه الحادثة المريرة على نفسه الشفافة قفل راجعا الى موطنه الاصلي بلاد الشام وبالذات مدينته الاثيرة معرة النعمان ( معنى كلمة معرة الارض القليلة النبات اما النعمان فهو النعمان بن بشير الانصاري الذي استوطنها ) وبعد هذه الحادثة لزم بيته واعتزل الناس واعرض عن الزواج واعتبر ان انجاب الاطفال في هذا العالم هو جناية عليهم لأنهم سوف يثقلون بالمشاكل ويتعرضون للحوادث والآفات المتعددة وكذلك لم ياكل اللحم طيلة خمسة واربعين سنة لأنه ابى ان ياكل الحيوان الذي يذبحه الأنسان ومن ثم ان الانسان ــ حسب مايعتقد ـــ يستطيع العيش بدون قتل الحيوانات البريئة وفي احدى المرات مرض فوصف له الطبيب ديكا مشويا فاحضر اليه فخاطب الديك المشوي قائلا : استضعفوك فوصفوك هلا وصفوا شبل الأسد !!!! فامتنع عن اكله … يعزوا بعض الباحثين ان عقدة العمى هي سبب ذلك الا ان هذا القول ليس بالقول الفصل ذلك لأن بشارا بن برد كان متفائلا جدا بالرغم من عماه حتى انه كان يرتاد الملاهي والحانات وله صولات وجولات مع الجواري وجارته رباب الا اننا يمكن ان نقول ان بيئة البصرة هي غير بيئة المعرة فقد كان بشار بفعل بيئته ينظر الى الجانب الجميل للحياة اما المعري فهو من الشعراء المتشائمين الذين ينظرون الى الواقع المرير للحياة فهو واقعي جدا ينظر الى الحياة بصورة تأملية فلسفية فقد كان المعري كثيرا ما يقول : احمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر . ان مؤلفاته القيمة من الشعر والنثر ضمن فيها فلسفته ونظرته الى الحياة والكون لإاستحق بذلك لقب فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة فهو يشير الى حالته الاجتماعية بقوله 🙁 بنت عن الدنيا ولابنت لي / فيها ولاعرس ولااخت ) متخذا من العقل صديقا وأهلا ومن الكتب جليسا وصهرا فهو من الذين يمجدون العقل وخير مانسوقه على ذلك قوله ( فشاور العقل واترك غيره هدرا / فالعقل خير مشير ضمه نادي) لقد كان المعري من اشد المتعصبين للمتنبي لأن الاخير مقاربا لأفكاره الفلسفية فخم الشعر حتى ان المعري قد شرح ديوان المتنبي وسماه ( معجز احمد ) مشيرا او متنبئا بالاعجاز الشعري الذي جاء به المتنبي والذي عجز الشعراء عن الاتيان بمثله في الفخامة والضخامة عدا الجواهري الكبير ومن الحوادث التي رويت عن المعري انه لما سمع قول المتنبي ( انا من نظر الاعمى اللى ادبي / واسمعت كلماتي من به صمم ) صاح المعري ( والله انا الاعمى الذي نظر الى شعر المتنبي ) ان البيتوتية التي عاشها المعري قد جعلته ينظر ويخبر الحياة متفرجا على تفاهة الناس من بعيد دون مشاركة معهم في المعمعات ودون تفاعل معهم لكنه تفاعل مع العقل لينتج الكثير من المؤلفات التي نضجت بالافكار التي مازالت محورا مهما للحياة متخذا من عماه ولزوم بيته وانحباس روحه في جسمه سجونا ثلاثة ولكنها سجونا غير مظلمة بالنسبة اليه فقد تنور عقله ونضج فكره وبث فيها فلسفته من خلالها مشيرا بطرف خفي الى ان السجن الحقيقي والمزعج والمظلم هو الاختلاط بالناس والانخراط معهم والعيش بينهم بحالة الأستذئاب الدائم خوفا من غدرهم ان المعري هو اول المنظرين للعزلة المؤمنين بها والداعين اليها للتخلص من شرار الناس وظلم المجتمع ومازال القبير الصغير الذي يضم رفاته شاهدا على افكاره التنويرية فما زال البيت الشعري الذي اوصى بكتابته موجودا على قبره ( هذا جناه علي ابي / وماجنيت على احد ) هي دعوة للخروج من الدستوبيا والدخول الى اليوتوبيا …