الرئيسية » مقالات » (البروليتاريا الرثة) وواقع العراق الراهن

(البروليتاريا الرثة) وواقع العراق الراهن

البروليتاريا الرثة مصطلح حديث جرى إطلاقه على فئة إجتماعية ظهرت على هامش التحولات السريعة في المجتمعات الحديثة. وقد يستخدم بعض الباحثين إصطلاحاً آخراً على هذه الفئة ويسمونها بالفئات الهامشية. لقد إستُخدم المصطلح لأول مرة من قبل كارل ماركس في مؤلفه الشهير “الأيديولوجية الألمانية”، وفي معرض إنتقاده لماكس ستيرنر. ويتألف المصطلح في اللغة الألمانية من كلمتين ــ lumpen وprolitariat ــ، البروليتاريا وهي مفردة فرنسية، أما مفردة lumpe فهي تعني بالألمانية البِِِِساط، والمصطلح يعني البروليتاريا المفترشة البساط أو الأرض.
ومنذ عام 1820، أصبح المصطلح شائعاً في كل الكتب السوسيولوجية والإقتصادية في البلدان الغربية عموماً. وتنوع التفسير لهذا المصطلح والتعريف بهذه الفئة الإجتماعية. فقد أورد البيان الشيوعي التعريف التالي لهذه الفئة الإجتماعية حيث جاء فيه:”أما اللومبنبروليتاريات Lumpenproletariat (دون، أو تحت البروليتاريا)، هذا النتن المُستسلم، حثالة الفئات الدنيا من المجتمع القديم، فإنها قد تنجرف هنا وهناك في الحركة بفعل ثورة بروليتارية، لكنها بحكم وضعها الحياتي كله تصبح أكثر استعدادا لبيع نفسها لمكائد الرجعية”. وجاء في الأبحاث الروسية الصادرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الوصف التالي لهذه الفئة:”إنها الفئات التي هجرت الريف ولم تستطع أبداً التأقلم مع واقع الحياة في المدينة”. وتذهب الأدبيات الإنجليزية لتعرّف هذه الفئة الإجتماعية بأنها تشكل:”الغوغاء وعمال سكنة الصفائح الذين يتألفون من المتشردين والعناصر المتفسخة والصعاليك التي أصبحت جزءاً من المراكز الصناعية. وتشتمل هذه الفئات على الشحاذين والمومسات والعصابات الإجرامية وأهل الخاوات والمبتزين والمحتالين والمجرمين والمتسكعين والعاطلين المزمنين عن العمل وكل الفئات المهمشة والمتفسخة في المجتمع والتي لم تنخرط في الكيان الإجتماعي للمنتجين”.
وتحتوي الأدبيات السياسية والإجتماعية ومن كل الإتجاهات تعاريف وأوصاف ودراسات لهذه الفئة الإجتماعية لما لها من تأثير خطير على المجتمعات التي تعيش الإحتقان السياسي والإجتماعي، أو تلك التي تمر بمنعطفات حادة أو تعيش تطورات سريعة في مختلف الميادين الإنتاجية والمعرفية. وقد عانت من هذه الفئة الهامشية وتعاني منها جميع المجتمعات الحديثة بدون إستثناء. ونكتفي لضيق المجال بهذا القدر من التعريف والإشارة الى هذه الفئة الإجتماعية.
إن تاريخنا لا يخلو، شأنه شأن كل تاريخ البشرية، من أسلاف هذه القوى الهامشية. ولو رجعنا الى تاريخنا القديم لوجدنا هؤلاء الأسلاف قد تمثلوا في صنف الصعاليك والحرافيش والحشاشة وعصابات الإبتزاز وأخّاذي الخاوات، وتاريخنا حافل بقصصهم ومغامراتهم. وشهد التاريخ الحديث للعراق بعض الممارسات السلبية لهذه الفئة الإجتماعية. ففي أوج الأزمة الإقتصادية التي عمّت العراق في النصف الأول من أربعينيات القرن الماضي، وبفعل الأزمة العامة التي طغت على العالم أثناء الحرب العالمية الثانية، رفعت هذه الفئة رأسها لتروّج للسرقة والإبتزاز والنهب. ففي عز تلك الأزمة، بادرت هذه الفئة وبتشجيع من التيار القومي المتطرف الموالي للفاشية– النازية في فترة حركة رشيد عالي الى تنظيم ما سمي آنذاك بـ”الفرهود”. وفي الظاهر كان الفرهود يستهدف حصراً العراقيين اليهود وتحت شعارات قومية مزيفة مرتبطة زوراً بمأساة الشعب الفلسطيني، رغم أن للعراقيين اليهود موقف مشرّف في الوقوف الى جانب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. إلا إن “الفرهود” طال حتى غير العراقيين اليهود وإن بدرجة أقل بالطبع. ومن أجل تزيين هذه الأفعال، فقد نظمت “الپستات” وتلعلعت الهوسات. ومازالت حية في ذاكرة جيلنا الهوسة المعروفة “شمحلا هل الفرهود يعود يوميه”. بالطبع لقد أدينت هذ الأفعال من قبل القوى الديمقراطية والوطنية الخيرة العراقية وبضمنها مرجعيات دينية.
وشهد العراقيون إنتعاشاً آخراً للبروليتاريا الرثة في بلادنا. فبعد سنة من قيام ثورة 14 تموز، وبعد التصدع الذي أصاب القوى الموالية للجمهورية الفتية، وما تبعه من أزمة سياسية إثر إندلاع الإحتراب في كردستان العراق، تشبثت القوى المعادية للجمهورية الفتية، وبضمن أدوات أخرى ومن ضمنها التنسيق مع أطراف مخابراتية دولية، بالقوى الهامشية في المجتمع من أجل إسقاط النظام الوطني وبأي ثمن. فإستأجرت القوى القومية المتطرفة الشقاوات والعناصر الهامشية التي أضرها التحول العميق في البلاد إثر إنتصار الثورة، ووصل الأمر حتى بالتوسل بـ”الريزسچية”، الذين خسروا رهاناتهم بعد الثورة، في ملاحقة القوى الوطنية والديمقراطية وصولاً الى الإطاحة بالحكم الوطني. ولم يتراجع التيار القومي المتطرف عن نهجه في إستئجار البروليتاريا الرثة حتى بعد الإطاحة به من قبل عبد السلام عارف بعد شهور من شباط 1963. فبادر أحد أبرز رموز التطرف القومي، صدام حسين، إلى تشكيل منظمة خاصة من رموز الصعاليك والشقاوات في العراق وبضمنهم جبار الكردي وآخرين من أجل إستخدامهم كأدوات في تحقيق مشاريع سياسية لاحقة بعد فشل إنقلابهم الدموي في 8 شباط عام 1963. وهكذا تم تشكيل منظمة “حنين”، والتي أصبحت أداة بيد صدام حسين في تصفية الخصوم أو المخالفين في الرأي ليس فقط من الحركات السياسية العراقية، بل وحتى في داخل حزب البعث والحركات القومية.
وإستمر صدام حسين على نهجه حتى بعد عام 1968، عندما تسلق حزب البعث هرم السلطة بعد إنقلاب أزاح بعبد الرحمن عارف، ولم يكن ذلك بمعزل عن صفقة مشبوهة مع أطراف أجنبية. فذاكرة العراقيين ما زالت شاهدة على مظاهر غريبة بعدئذ تمثلت في لملمة الفئات الهامشية وإستئجارها لخدمة السلطة أو أطراف فيها في سابقة لم تعهدها الدولة العراقية الحديثة. فقد أشبعت الأجهزة الأمنية التي كانت خاضعة لشخص صدام حسين، ولاحقاً أجهزة الجيش والقوات المسلحة، بحشد من العناصر الهامشية، التي لا تتمتع بأية كفاءة سوى مهنة القتل والبطش والنهب. ولم يجر الإكتفاء بذلك، بل طال إستخدام البلطچية والشقاة كهراوة دائمة تثير الفزع والرعب لدى العراقيين كي لا يٌبدوا بوجهة نظرهم فيما يجري في البلاد. وتعددت فنون صدام حسين في ذلك بما فيها إبتداع صرعة “أبو طبر” الشهيرة في عام 1973 ، التي أثارت الرعب لدى العوائل البغدادية بعد المجازر البشعة التي قام بها هذا الشقي وطالت عوائل كثيرة أزهقت أرواح كل أفرادها في مختلف أحياء بغداد. وهنا تكررت في العراق صورة مماثلة حدثت في بلدان أخرى عندما جرى التوسل بالفئات الهامشية وإستئجارها لإحداث تحول سياسي أما لتوفير الفرصة للتسلق الى السلطة لتيارات نازية، كما حدث في ألمانيا، او لتيارات فاشية كما حدث في إيطاليا، أو حتى إسقاط حكومات شرعية كما جرى في إيران عندما جرى إستخدام عصابات يرأسها الشقي “شعبان بيمخ” ورهطه من أجل الإطاحة بحكومة الدكتور مصدق الوطنية ولصالح إعادة الشاه الى كرسي الحكم وبدعم من المخابرات المركزية الأمريكية في عام 1952. وتكرر ذلك بعد الثورة الإيرانية عندما لجأت القوى الدينية المتطرفة الحاكمة الآن الى نفس الفئات الهامشية، وبشعارات دينية وبأسم حزب لا وجود له في ملفات وزارة الداخلية الإيرانية وهو حزب الله المسلح بالأسلحة النارية والسيوف والهراوات أو تنظيم ما يعرف بالمظاهرات المليونية، لسحق القوى الديمقراطية والوطنية والقومية في إيران، وإخراجها من ميدان الفعل السياسي القانوني. ويأخذ الآن بهذه التجربة أقران لهم في العراق أيضاً وبعد زوال كابوس الديكتاتورية، تارة بالإغارة على الحركات السياسية أو تنظيم ما يسمى بالمظاهرات “المليونية”.
لقد جرى تغيير خطير في بنية الدولة العراقية بعد مرور سنوات قليلة على حكم البعث. فقد توطدت هذه الفئات الهامشية لتتحول تدريجياً الى فئات طفيلية تلتهم موارد الدولة دون أن تساهم في العملية الإنتاجية أو تهتم بإنشاء مرافق إنتاجية. وأدى سلوك الحكام في الفترة الثانية من حكم البعث الى ضياع فرصة ذهبية تاريخية لإخراج العراق من نفق التخلف وتصفية الفئات الهامشية إقتصادياً وإجتماعياً وإزالة آثارها الضارة في المجتمع، علاوة على تطويق إنتشار الفئات الطفيلية التي إنتعشت في ظل حكم البعث. إن ضياع هذه الفرصة بعد المدخولات الكبيرة من عوائد النفط يعود الى كامل نهج البعث القائم على عسكرة البلاد وإهدار أموال طائلة على التسليح وعلى المرافق الأمنية، وتبديد الثروات الهائلة من عوائد النفط على أمور لا تصب في تحديث المجتمع، بل لتعزيز موقع الفئات الطفيلية. هذا النهج مهد لاحقاً الى توسع جديد في الفئات الهامشية في المجتمع بسبب تقلص مجالات الميادين الإنتاجية. وجاءت حروب النظام الداخلية والخارجية وعواقبها الداخلية والخارجية والعقوبات الإقتصادية المدمرة على العراق لتضع العراق في موقع الدول الأكثر خصوبة لإنتشار الفئات الهامشية في البلاد. وترافق ذلك مع إنهيار كبير في الطبقة الوسطى العراقية، هذه الطبقة الضامنة للإعتدال والتنمية في البلاد، وتشويه خطير في تركيبة الطبقة العاملة التي أصابها الفساد جراء السياسية الإقتصادية والإجتماعية التي إعتمدها النظام. لقد أصبح النهب والفساد سمة واضحة من سمات النظام البعثي، والذي مازالت آثاره المدمرة تشيع الفساد وتداعي القيم والفوضى والإرهاب في البلاد. لقد كان النظام هو الذي ينظم حملات النهب والسطو سواء عند قيامه بغزواته في داخل البلاد، في كردستان، أو في مغامراته في إيران والكويت، والتي مازالت صورة النهب والسرقة حية في ذاكرة العراقيين قبل الكويتيين والإيرانيين. لقد حاول النظام إشراك من يمكن إشراكه في الفساد الإداري والنهب والرشوة، بأمل الحفاظ على كرسي الدكتاتور وإطالة عمر تسلطه. ورغم وجود طبقات وفئات إجتماعية كانت تقف بالضد من هذا النهج، الا أنها ضعفت بإمكانياتها وقدرتها سواء من الناحية الإجتماعية أو السياسية جراء العسف الإستثنائي المسلط عليها. ففي فترة نهب الكويت في عام 1990، إرتفعت بعض الأصوات المدنية والدينية في الداخل والتي حرمت هذا النهب وبصوت خافت خشية الإنتقام. ولكن كان هناك من بين رجال الدين من صمت أو حتى بارك هذا النهب. فالمرحوم محمد صادق الصدر كان من بين من شرّع لهذا النهب والسرقة على أساس فهمه الخاص للضوابط شرعية في حوزته الناطقة، وعندما كان على وئام مع الحاكم صدام حسين، وقبل أن يقع هو الآخر ضحية لعسف نظام لا يرحم أحد ويغد بأي حليف له. ويشكل هذا السلوك الذي طال حتى بعض رجال الدين مؤشراً على درجة الفساد الذي زرعه النظام في المجتمع العراقي.
لقد جاء الغزو الدولي للعراق في عام 2003، ليرفع الغطاء عن عيوب وإنهيار في القيم لم يتوقعه أكثر الباحثين قرباً من الواقع العراقي. في الرابع عشر من تموز عام 1958، وبعد لحظات من إندلاع الثورة وكنت من شهودها، إنهار الحكم بكل مؤسساته وقبع أفراد الشرطة والأمن في بيوتهم، وشرد من شرد ليتفادى غضب الشعب الثائر. وإنشغلت القطعات المسلحة التي أشعلت الثورة في دك مواقع النظام السابق. ولكن العراقيون لم يشهدوا فترة من الأمن والإنضباط المدني والتعامل الحضاري بينهم وإختفاء الحرامية والسراق والشراميط، اللاتي توفرت لهن عيشة كريمة في مدينة الرشاد لاحقاً بأمر من الزعيم عبد الكريم قاسم، وكل من يعبث بالأمن كتلك التي سادت في تلك الأيام. هذا إذا إستثنينا بضع حالات محدودة لعمليات السحل المشينة التي إرتكبتها فئات من العناصر الهامشية لرجالات العهد السابق.
أما الصورة بُعيد الغزو فتعكس صورة معاكسة تماماً وحتى مخجلة عن واقع ما آل إليه مجتمعنا، ورأها الجميع على شاشات التلفزة. ففي الوقت الذي أنبرى شعب مظلوم الى التعبير عن فرحته بإنهيار الكابوس، راحت الفئات الهامشية التي إزداد عددها في ظل النظام السابق، الى نهب البلاد ونهب كل ترسانة الأسلحة الضخمة التي أسسها النظام السابق. وقامت فلول من بقايا النظام من الفئات الهامشية والطفيلية كفدائيي صدام وفيلق القدس ومخبري أجهزة الأمن والبروليتاريا الرثة التي إزداد عددها في العاصمة بغداد والمدن الكبيرة على وجه الخصوص، بتكديس هذه الأسلحة والمتاجرة بها ولتتحول لاحقاً الى “بزنيس” يوجه رصاص الموت الى صدور العراقيين ويدمر البلاد. ورغم سعي البعض الى ردع هذه الموجة المدمرة، وصدرت عن رجال دين دعوات لإرجاع ممتلكات الدولة، الا أن ما أرجع هو اليسير. فعلى قاعدة هذا النهب تشكلت فصائل مسلحة من جيش محمد الى كتائب عمر وجيش المهدي وثار الله وحزب الله والكثير من التسميات الأخرى، وغصّت دور العبادة بالاسلحة وتفخيخ السيارات. وعرضت هذه الفئات الهامشية، التي قوي عودها، خدماتها على أطراف سياسية عراقية أو أطراف إقليمية دولية لتنفذ برامجها وفرض إرادتها على العراقيين بقوة السلاح وقدرة المال. وأضيف الى كل هذا “البزنس” رهط المجرمين والجريمة المنظمة كي تقوم بالقتل والنهب والخطف حسب القطعة، وقطع الطرق الخارجية وسلب وقتل المسافرين على الهوية. كل ذلك يجري بأسم مواجهة الغزو في الظاهر، ولكنها في الواقع أفعالاً لفئات هامشية تعرض خدماتها على ألارهاب الدولي أو أقطاب النظام السابق، أو على أطراف إقليمية تريد تحويل العراق الى ساحة لتصفية حساباتها مع أطراف دولية.
إن أفعال هذه الزمر هي خير شاهد على مقاصدها وأهدافها. فهي تسعى الى إثارة فتنة داخلية تنفيذاً لجدول عمل فلول النظام السابق أو الإرهاب الدولي، إضافة الى جهات إقليمية إيرانية أو سورية أو تركية أو خليجية. فنراهم تارة يصدّرون الفتاوى بقتل الشيعة أو المسيحيين والصابئة واليزيديين والكرد والعرب المرتدين وتهجيرهم بدون سبب، ويقابلهم في ذلك ويتنافس معهم وبشعارات طائفية مذهبية مشينة فريق آخر من نفس صنف البروليتاريا الرثة يقوم بتشريد السنة وقتلهم، أو سرقة سيارات الإسعاف التابعة لوزارة الصحة والدخول الى حي الأعظمية مثلاً ويجمعون الناس بذريعة التبرع بالدم ثم الغدر بهم في الشاكرية وبالعشرات كما يفعل جيش المهدي المزعوم. فالهدف هو إشاعة عدم الإستقرار الذي يريده جيش عمر وجيش المهدي على حد سواء تنفيذاً لإرادات إقليمية أو محلية. ويبدو أن اليد المخططة واحدة مهما إختلفت العمائم والفتاوى المزيفة.
إن لدى الحكومة وعلى لسان السيد نوري المالكي أكوام من الحقائق والأدلة على مسببي هذه الأفعال الشريرة، ومنهم في الظاهر وزراء وأعضاء في مجلس النواب ومشاركين في العملية السياسية بهدف تدميرها. ولا ندري السر في عدم الكشف عنها كي يطلع الرأي العام العراقي صاحب المصلحة في إزالة هذا الكابوس المريع، وما هو السر وراء عدم الإعلان عنها. وتتسرب أخبار مؤكدة خاصة بعد العمليات الناجحة للقوات المسلحة العراقية وأجهزة الأمن في محافظات الأنبار وديالى وصلاح الدين عن حقائق رهيبة. هذه الحقائق الرهيبة هي التي دفعت الخيرين في هذه المناطق وحتى المغررين منهم الى اليقظة ومواجهة فلول الجريمة وعصابات البروليتاريا الرثة والمرتزقة الأجانب. فرغد صدام حسين وبالأموال المنهوبة من العراق، ومن قصرها في المجمع الملكي الأردني، وأقطاب النظام السابق اللاجئون في قطر والإمارات وسوريا واليمن ومع كل ما نهبوه من العراقيين، وبدلائل صوتية، هم الذين يدفعون ويدعمون مالياً القتلة الأوباش، وهم الذين يدفعون لهم على القطعة مبلغ 1000 دولار مقابل كل مغدور عراقي بغض النظر عن هويته. كما أن جيش المهدي هو الآخر يقوم بالعبث في المحافظات الجنوبية وأعمال القتل للمسؤولين الإداريين فيها لقاء مبالغ زهيدة لا تتجاوز 200 دولار، وأعمال تهريب الأسلحة خدمة لأهداف إيرانية. فأجهزة الأمن الإيرانية تلعب على كل قطع الشطرنج من جيش المهدي وثأر الله وحزب الله الى القاعدة وجيوش أخرى في محاولة لإفشال العملية السياسية الديمقراطية في العراق، الى جانب تحويل العراق الى ساحة لتصفية حساباتها مع أطراف دولية بعينها. إن إعتقال رسول عبد الأمير في السماوة إثر إغتيال محافظ المثنى، وإعترافاته بالأموال التي تلقاها فريق الإغتيال يحتاج الى تعرية نشاط ما يسمى بالتيار الصدري منذ جريمته الأولى في إغتيال المرحوم السيد عبد المجيد الخوئي الى جريمة شرعنة نهب وسلب أموال الدولة والمواطنين بعد إنهيار النظام من قبل أنصاره من البروليتاريا الرثة، الى العبث في مدينة النجف وغزله مع الإرهابيين في الفلوجة وغير الفلوجة. ويتحمل مسؤولية في ذلك كل من تستر على هذه الفئة وغازلها والذي حاول بشكل إنتهازي إستغلالها خدمة لمصالح فردية أنانية ضيقة خاصة أثناء أحداث النجف الأشرف.
إن حكومة المالكي ترتكب أخطاء خطيرة في عدم تنفيذ الإلتزام ببرامجها في حل المجاميع المسلحة والميليشيات التابعة للفئات الهامشية. كما تخطأ حكومة المالكي في القبول بوزراء لهم علاقة بهذه الفئات الهامشية المنفلتة والإرهابية. كما أن الحكومة ترتكب خطأ خطيراً في عدم الحديث بصراحة الى الشعب العراقي المنكوب عن ما تقوم به العصابات المسلحة في البلاد، وتكتفي فقط بالتلويح والتهديد. على الحكومة إتخاذ قرارات حازمة والقيام بإحراءات فورية للحد من نشاط هذه الفئات، وإلا سيفلت الزمام منها ويقع بيد أفراد الشعب، كما حدث في محافظتي المثنى وذي قار عندما تولى أهاليها مطاردة جيش المهدي وإعتقال من نفذ الجرائم ضد المحافظين، وهذا يسئ الى مكانة الحكومة وهيبتها وهيبة أعضائها ومصداقيتهم في تنفيذ البرنامج الحكومي.
ويجب على الحكومة أن تنظر بعين من الجدية والحزم في معالجة ظاهرة تمركز البروليتاريا الرثة في المدن الرئيسية ومعالجة المشكلة الديموغرافية في العاصمة بغداد وبقية المدن الرئيسية. أنه لمن غير المعقول أن تحتضن بغداد العاصمة ما يزيد على ربع سكان العراق. ويتمركز خاصة في العاصمة قدر كبير من العاطلين والفئات المهمشة الذين يتحولون بسهولة الى أداة لزعزعة الأمن والإنفلات والوقوع فريسة بيد كل من يدفع. لا بد من توزيع الإدارات الرسمية على جميع المحافظات، وبناء مؤسسات صناعية وتنشيط القطاع الزراعي الذي واجه الإهمال والدمار في العهود السابقة في كل المحافظات، وتشجيع الوافدين الى العاصمة الى العمل في محافظاتهم الآمنة مع توفير سكن ملائم لهم. وهذا ما سيساعد الحد من إنتفاخ المدن الرئيسية وعلى ضبط الأمن في العاصمة بغداد والمدن الرئيسية. هناك حاجة الى سياسة ديموغرافية وإجتماعية بعيدة الأمد لتطويق وتطويق ظاهرة الفئات الهامشية المدمرة، وبدونها لا يمكن الحديث عن عراق آمن ومزدهر.