الرئيسية » مقالات » وفي كوردستان شفاء للعراق، وشقاء للكورد!

وفي كوردستان شفاء للعراق، وشقاء للكورد!

غمرني الانشراح لدى قراءة كلمة د.سعدالدين ابراهيم في جريدة (التآخي) ليوم 23/ 8/ 2007، بعنوان (وفي كوردستان شفاء للعراق(…
لابد من هذا التعبير عن الانشراح لدى الاطلاع على موقف حكيم من كاتب مصري كبير، وباحث قدير شغل الرأي العام المصري والدولي لعدة سنوات، لمواقفه الشجاعة دفاعاً عن الحرية وحقوق الانسان وحقوق القوميات والشعوب المظلومة في (الوطن العربي)، حيث ذكر الكاتب اسم الشعب الكوردي بالتحديد، في اوائل التسعينيات، باعتباره شعباً غير عربي مضطهداً في (العالم العربي).
وكنت قبل هذا، ايضاً، أقرأ للاستاذ سعدالدين ابراهيم في الصحافة اليسارية المصرية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، حيث كانت تلك الصحافة تصل اسواق المدن العراقية ومنها مدينة كركوك.
طيب جداً ان يلتقينا الاستاذ، الآن، على صفحات صحيفتنا الكوردية اليومية، الناطقة باللغة العربية. ومبعث انشراحي هو ما توصل اليه الكاتب من حقائق بديهية عن اصل الكورد وكوردستان، وعن مقاومة هذا الشعب وعدالة قضيته، حتى انتهى الى القول: “ان اقليم كوردستان هو قصة النجاح الوحيدة في العراق… ونرجو أن تتلوها قصص نجاح اخرى…”.
ويضيف: “والى ان يحدث ذلك، او لكي يحدث ذلك، فان على اقليم كوردستان ان يبادر الى القيام بدور المنقذ للعراق من الضلال والدمار”. واخيراً يتساءل الكاتب: “هل يكون شفاء العراق على يد كوردستان مستقبلاً؟ ان تاريخ الكورد العريق، وانجازاتهم المعاصرة توحي بهذا الرجاء.. ولكن الله وحده اعلم!”.
بالطبع… الله وحده اعلم.
فالواجب الثقيل الذي يفترض د.سعدالدين ان يؤديه اقليم كوردستان لبقية مناطق العراق، ليس ميسوراً.
اذ عبر التاريخ كان اقليم كوردستان معبراً الى تحرير شعوب هذه البلدان. ففي سوريا كان الكورد في منطقة الحسكة والقامشلي (شرق سوريا) وكذلك في العاصمة دمشق، هم اول من رفع لواء مقاومة الفرنسيين بعد الحرب العالمية الاولى (1918)، وبادر الكورد قبل غيرهم من سكان سوريا آنذاك، الى تنظيم المقاومة المسلحة ايضاً “لتحرير سوريا من الاستعمار الفرنسي…” واسطورة ابراهم هنانو واسطورة والدته الكوردية في قلب دمشق معروفة حتى اليوم، لكن ماذا كانت النتيجة بعد استقلال سوريا وتحررها من الفرنسيين؟ كيف كافأوا الشعب الكوردي هناك؟ كان جزاؤهم جزاء سنمار، وهو المعماري الذي قتله الحاكم الجائر بعد اكماله للقصر!! وهكذا حال الكورد في ايران وتركيا.
وفي العراق، ايضاً، قام الكورد، قبل العرب، بمواجهة البريطانيين اعوام 1919-1921، وهرع فرسان اشداء للملك الكوردي الشيخ محمود الحفيد من مناطق السليمانية الكوردستانية لمساندة الثوار العرب وسط وجنوب العراق. وشارك الكورد في جميع انتفاضات وثورات العراق ضد العهد الملكي-البريطاني، بما فيها حركة 14 تموز 1958 التي اسقطت نظام ذلك العهد. ثم تحول حكم عبدالكريم قاسم، وليد 14 تموز، الى وحش يفتك بالشعب الكوردي منذ عام 1960-1961 حتى سقوطه… وكان اقليم كوردستان قد تحول اثناء المقاومة منذ ايلول 1961 الى معقل لجميع الوطنيين العراقيين الاحرار وجميع المظلومين الهاربين من بطش الحكومات العراقية. وبذلك شارك اقليم كوردستان، مباشرة وغير مباشرة، في انهاء او اسقاط معظم الحكومات العراقية الدكتاتورية، من حكم قاسم (1961-1963) وحكم الاخوين عارف (1964-1968)، ثم كان اقليم كوردستان الخندق الامامي لكل الاحزاب والقوى العراقية والكوردستانية لمواجهة شراسة وقسوة نظام البعث العراقي البائد (1968-2003)، وقدم الاقليم وشعبه تضحيات جسيمة للغاية في هذه المقاومة والكفاح، كما تتجلى في تعرض حلبجة وغيرها من مدن وارياف كوردستان الى القصف الكيمياوي وغيره من الاسلحة المحرمة دولياً، والى عمليات (انفال) واسعة ترقى الى حد الجريمة بحق البشرية، وهي التي ادانها القضاء العراقي المستقل قبل اشهر…
فاقليم كوردستان، كان دوماً يحمل الشفاء والحرية والامل للعراق. لكن ماذا قدم هذا العراق (بعد التحرر) لاقليم كوردستان؟
بل يبدو ان (الشفاء) المؤمل من كوردستان للعراق هو (شقاء) لابناء كوردستان. اذ ان الحكومات (الفدرالية/ المركزية) في بغداد، حتى لما بعد سقوط البعث العراقي في نيسان 2003، مازالت حريصة على “صيانة” التراث الاسود الثقيل للنظام البائد، ومازالت هذه الحكومات تحتفظ بجوهر السياسة العنصرية الشوفينية التي مارسها النظام البائد بحق شعب كوردستان بترحيله من مناطق سكناه الاصلية واحلال سكان (من القومية العربية) محلهم… واورد (… من القومية العربية) استناداً الى وثائق رسمية موقعة من قبل (مجلس قيادة الثورة/اعلى سلطة في النظام البائد)، يقرر فيها انتزاع قرى واراض وممتلكات من سكان (من القومية الكوردية) ومنحها لآخرين (من القومية العربية) (… هكذا بالنص!!)، وذلك في مناطق معروفة: كركوك، وخانقين، وسنجار (المنكوبة منذ عام 1971 حتى اليوم)، ومخمور والشيخان ومندلي وغيرها.
تلك هي مكافأة اقليم كوردستان بعد تحرير العراق من الدكتاتورية. ولا اخفي ما يخالج اذهان وقلوب الناس في الاقليم من مخاوف وهواجس قلقة ازاء المستقبل الغامض لاقليمهم في ظل تلك السياسات العنصرية.
فاقليم كوردستان كان ومازال مستعداً “كي يبادر الى القيام بدور المنقذ للعراق من الضلال والدمار…”، على ان يكون العراق نفسه مستعداً للخلاص من ذلك. فما العمل اذا كان (هذا العراق) مصراً على المضي في طريق الانتحار الذاتي؟!
… وكما اشار د.سعدالدين في مقاله فان مستقبل الاقليم “لايمكن ضمانه إلا في عراق آمن مستقر”… إلا ان العراق يرفض مثل الاستقرار والامان… فماذا بامكان الاقليم ان يفعل اذا كانت الاقاليم الاخرى مصرة على ان تعيش “في دمار وضلال”؟
فان جل خشيتنا هي من احتمال انتقال داء العنف والارهاب الى محافظات اقليم كوردستان، وما اكثر ما بذلته جماعات العنف المسلحة لممارسة التفجيرات المميتة في اقضية ومحافظات الاقليم، واقرب مثال لها هو ما حصل في سهل سنجار (شنغال) بمحافظة نينوى، وجميع الضحايا (الاكثر من 800 انسان) هم قرويون عزل ابرياء اطفال ونساء ورجال؟!
اما اذا كان ما نرجوه من (شفاء) للعراق قد يتحول، لا سمح الله، الى (شقاء) للشعب الكوردستاني نفسه، فهذا ما لم نعد نرتضي به. وقد كفانا عذاباً اكثر من 10-15 قرناً من الاذلال والاستغلال والغبن.
نعرف ان ما قاله وكتبه الاستاذ د.سعدالدين ابراهيم جاء عن حسن نية وصدق وصداقة ومحبة ورغبة في التعايش السلمي بين الشعوب.
إلا ان مآسينا ومحننا لهي اعمق واشد عذاباً مما يتحمل، ولم يعد مجرد تطييب الخاطر يداوى شيئاً من جروحنا… رغم ان الكلمة الطيبة، طيبة.. وتبقى طيبة الاثر، مهما كانت الظروف. وشكراً للاستاذ.

التآخي