الرئيسية » مقالات » بدايــات الغربــــة /3

بدايــات الغربــــة /3

مع نهاية العام الدراسي 69/70 قررت أدارة المعهد ،كعادتها سنويا، السفر بطلبتها الى بحيرة (كارتوفو) الواقعة في الشمال الشرقي من بولونية، لقضاء عطلة الصيف هناك ولمدة 3 أسابيع لكل مجموعة من الطلبة، والقيام بذلك على وجبات لعدم إمكانية إستيعاب جميع طلبة المعهد بوجبة واحدة. كما قررت فتح دورات دراسية للطلبة الذين تأخروا أو ضعفاء في اللغة، والسماح لهؤلاء الطلبة البقاء هناك طول الصيف للأستفادة من دورات التقوية. وهكذا تمتعت بصيف جميل على بحيرة كارتوفو قريبا من مدينة اولشتن التي تكثر بمحيطها البحيرات الجميلة والمحاطة بالغابات، حيث أقمنا في أحد الأقسام الداخلية لكلية الزراعة، وكان القسم يبعد عن البحيرة بحدود مائة متر بحيث لايفصل بين القسم والبحيرة سوى الشارع والساحة الرملية المحاذية للبحيرة وكنا نرى منظر البحيرة الرائع من شباك الغرفة المطلة على البحيرة وهي محاطة بالغابات. ومنذ اليوم الأول من وصولنا أبلغنا ببرنامج الأقامة، والذي شمل سفرات بالبواخر بين البحيرات للأطلاع على جمال وسحر الطبيعة البولونية، وسفرات بالباصات لمدن ومناطق سياحية مجاورة، إضافة لما وفرته إدارة المعهد لنا من بطاقات لمشاهدة المسرح والسينما، وخصص لنا مطعم الطلبة القريب من القسم الداخلي لتناول وجباتنا الثلاثة مجاناً.
وتمتعنا بأكثر من سفرة بالباخرة بين بحيرات المنطقة، حيث أشتهرت المنطقة بكثرة بحيراتها. كان تنقلنا بالباخرة بين بحيرات شمالي شرقي بولونية من أجمل وأروع ماتمتعنا به، فكانت مثل هذه السفرات تستغرق أكثر من ستة ساعات، بين بحيرات المنطقة. حيث تنتقل الباخرة من بحيرة لأخرى يختلف فيهما مستوى سطح الماء، حيث مستوى سطح المياه فيها أعلى بأكثر من 4 أمتار من البحيرة الآخرى !! وشاهد الجميع كيف توقفت الباخرة في حوض (حوض الاتصال بين البحيرتين) أغلقت كل منافذه، ماعدا المنفذ المتصل بالبحيرة المرتفعة، وبدء الماء يصب في الحوض من البحيرة المرتفعة حتى أمتلأ الحوض وأصبح منسوب الماء متساوي مما أدى الى أرتفاع الباخرة مع المنسوب المرتفع ، وهكذا أستمرت الباخرة في إبحارها. وتكرر المشهد عند عودتنا ولكن بطريقة معكوسة! حيث توقفت الباخرة في الحوض وأغلق المنفذ المتصل بالبحيرة المرتفعة وسمح للماء بالتسرب من الحوض للبحيرة المنخفضة بصورة تدريجية حتى تساوى منسوب الحوض مع مستوى سطح البحيرة وهكذا أصبحت باخرتنا تعوم في البحيرة المنخفضة.
الشعب البولوني شعب منفتح على الشعوب الأخرى شديد الفضول للتعرف على عادات وتقاليد الاخرين، ويتميزون بالطيبة وحبهم وتقديرهم للضيوف. بالرغم من أن البولون نادراً مايتكلمون غير لغتهم واللغة الروسية، فأنهم دائما قادرين على التفاهم مع الأجانب حتى وأن أضطروا لأستعمال حركات اليد أو التمثيل للتعبير عن أفكارهم، كي يسهلوا على المقابل تفهمهم! حتى أن فضولهم هذا ورغبتهم بالتحدث مع الأجانب يلاقي أحيانا بعض النقد من نفس الأجانب ويعتبرون ذلك مبالغة في الفضول ويسبب المضايقات أحياناً. ونادرا ماتجد طالبا أجنبيا يقف في موقف الباص أو في محطة القطار ولا تحيط به مجموعة من البولون من الجنسين ومن مختلف الاعمار وهم يتبادلون الحديث معه. هذه الظاهرة الأنسانية ساعدتني وساعدة الكثيرين من الطلبة الأجانب الى حد ما على تجاوز مشكلة الحنين للوطن وللأهل. ولا أبالع في القول أن معظم الطلبة الأجانب أنهوا دراستهم وغادروا بولونية وهم مرتبطين بعلاقات صداقة حميمية مع عوائل وأصدقاء بولون.
كنت واحداً من الطلبة الأجانب الكثيرين المحظوظين في علاقاتهم الطيبة والناجحة مع البولون. وبالرغم من تنقلاتي في الغربة والمصاعب التي عانيتها بسبب الغربة، أضافة لمضايقات النظام الصدامي، فأني حافظت على أستمرار علاقاتي مع أصدقائي البولون. ومن أبرز هذه العلاقات والتي أشير لها بأمتنان، هي تعارفي على عائلة كواجايجاك في مدينة وودج. حدث ذلك في الاسبوع الأول من وصولي الى مدينة وودج. مساء أحد الأيام وقبل أن أبدأ بدراسة اللغة كنت جالسا في أحدى المقاهي، وأحتل مكانا في مقدمة المقهى وقريبا من باب الدخول، بحيث كنت أرى أمامي جميع الجالسين في المقهى، وكانت هذه طريقتي المفضلة في الجلوس لغاية اليوم. كانت المقهى تغص بالمرتادين، حينها توجه اليّ شاب وقدم لي نفسه (فويتك) وسألني أن كنت أسمح له بمشاركته الجلوس معي، فأجبته بالموافقة لكنه أشار لي بأصابعه بعد أن عرف انني لا أتكلم البولونية بأن في رفقته صديقين، فأكدت له الموافقة. من طبيعة البولون الأجتماعية أنهم في أحيانا كثيرة لايحبون الجلوس في المقاهي بمفردهم وأنما يحاولون مشاركة الآخرين وبناء علاقات صداقة معهم. جاء الثلاثة شابين وفتاة وجميعهم في عمري، وكعادة البولون قدما لي أنفسهم وتعارفنا. لم يكونوا يتكلمون الأنكليزية إلاكلمات مفردة لايلفضونها إلابعد ان يتجادلوا فيما بينهم عن صحة أستعمالها، ومعظم الأحيان كنا نتفاهم من خلال الأشارات أو الرسم على الورق . سهرتنا لم تدوم وغادروا المقهى بعد ان أتفقنا أن نلتقي في اليوم الثاني وفي نفس الوقت والمكان.
في مساء اليوم الثاني وفي المقهى وبعد أنتظار تقدم نحوي شاب وسألني أن كنت على موعد مع فويتك وأصدقائه، ولما أكدت له ذلك طلب مني مصاحبته لبيت فويتك فأنه يدعوني للعشاء للتعرف على عائلته. وتوجهنا لبيت فويتك ولم يكن يبعد كثيرا عن المقهى. كانت عائلة فويتك تتكون من الوالدين وثلاثة بنات وفويتك وهو أصغر الأبناء (22 عاما). كانت العائلة لطيفة وحنونة معي وأبدى الجميع أهتماما بي، وقد تجمعوا حول مائدة طويلة في غرفة الجلوس يحيطون بي ويستفسرون عن عائلتي ووالدي وأشقائي، وكنت أجيبهم بصعوبة مستعينا بالاشارات وأحيانا بهزة الرأس. وفي ذلك المساء وقبل توديعي لهم أكدت وطلبت مني العائلة أن لا أتردد في زيارتهم متى شأت. وفي اليوم الثاني زارني فويتك للقسم الداخلي وطلب مني الذهاب لزيارة محل عمل العائلة.
كانت العائلة تملك محلا بسيطا وصغيراً لخياطة القمصان والأربطة وبعض الملابس النسائية البسيطة ، لاتتجاوز مساحته 30 متراً وفيه ماكنتين للخياطة وطاولة مستطيلة تستعمل للكوي وأنجاز التصاميم. وكانوا يعرضون أنتاجهم في نفس المحل وأحيانا يتم تسويقه بعد أتفاقات مع محلات في مدن أخرى. كان الوالدان العاملان الرئيسيان والدائمان في المحل والأبناء للمساعدة فقط لأنهم يعملون في مؤسسات الدولة. ذلك اليوم تناولت الغداء مع هذه العائلة (عائلة كواجايجاك) وأظهرت عائلة كوجايجاك طيبة كبيرة نحوي، فكانوا يسألونني عن رغباتي في نوعية الطعام لتلبيتها أو أن كنت بحاجة لمساعدة مالية. وزاد حبهم وأحترامهم لي عندما لاحظوا الفرق الكبير بين جديتي وتصميمي على اكمال دراستي بالرغم من المشاكل التي عانيتها في السجن وبين أبالية وفشل ولدهم الوحيد فويتك. وهكذا تعززت ثقة العائلة بي وكانوا يحسبونني بمثابة أحد ابناؤهم، فكنت أول المدعوين في كل مناسبة بل كانوا يقترحون علي في المساهمة في تقديم المقترحات لهم لبعض الأكلات العراقية لتقديمها في مناسباتهم، وكانت أفضل الأكلات التي أستذوقوها هي سمك الكارب المشوي (سمك نهري يشبه سمك البني). هكذا استمرت علاقتي مع عائلة كواجايجاك لغاية اليوم بالرغم من رحيل رب الأسرة السيد يان كوجايجاك وزوجته، طيب الله ثراهما، منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي.
كنت في سنواتي الدراسية الأولى بأمس الحاجة لعلاقة عائلية حميمة كعلاقتي بعائلة كواجايجاك. فمنذ أعتقالي و دخولي السجن لأول مرة في عهد الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، ومن ثم الحكم علي مجددا أيام عبد السلام عارف بالسجن خمسة سنوات قضيتها بين سجني الحلة المركزي وسجن نقرة السلمان، وكل ذلك حدث قبل أن أبلغ السابعة عشر، كنت أفتقد وأحس بالحاجة الى الحنان والعطف العائلي، كنت بحاجة لأكون قرب والدتي وشقيقاتي وأنعم بحب ودلال والدتي الطيبة لآ أن أقضي أهم فترة في حياتي، أي فترة المراهقة والشباب، في السجون أعاني فيها من قسوة الحياة السجنية. وهذا يذكرني بحوار بيني وبين أحد زملائي في سجن نقرة السلمان، وكان قبل سجنه تلميذا في ثانوية الصناعة ببغداد وهو مقيم في نفس القاعة رقم 3 التي كنت أقيم فيها في سجن النقرة، حيث كنا نتمشى في الساحة بعد العشاء ورأيته مهموما، فسألته عن السبب الذي يكدر مزاجه، فأجابني: تعرف يامحمد أنا بحاجة لأكون بقرب أمي، نحن بحاجة لحنان الأم لا السجن، كم أتمنى وأتشوق لدفء جسد أمي خاصة عندما أعود من المدرسة وأضع رأسي في حضنها وأترك أصابعها تداعب رأسي بحنان، أو أن تسألني عما يعجبني من طعام لتقوم وتحضره لي، وأذا مامرضت فأن حنانها وأهتمامها المبالغ كان أفضل علاج لي! ثم صمت وعندما التفت اليه وجدت أن دموعه تسيل ولم يعد قادرا على تكملة حديثه. حينها هدأته وهونت عليه وقلت له: أننا لسنا أطفال بل رجال يهابنا الحكم ولهذا السبب زجوا بنا في السجون وعلينا الصمود لنبرر ثقة الشعب بنا. مازلت أرى وجه زميلي وكيف كانت دموعه تسيل بخجل وكبرياء، وبحديثي معه كفكف دموعه خجلا وتوقف عن الإسترسال والأفصاح عن حقيقة مشاعره الأنسانية والطبيعية، بينما كنت قاسياً، وهذا ما أراه ألآن، مع الآخرين وحتى مع نفسي ولم أدع لتلك المشاعر الأنسانية أي مكان في قلبي بل مارست القمع مع ذاتي خوفا من أن تكون سببا في ضعفي لمواجهة الضغوط السياسية. في بولونية وبعد سنوات من تحرري من السجن وتنفسي هواء الحرية وأنا أعيش في بولونية بهدف الدراسة بعيدا عن مضايقات الأجهزة الأمنية، أحسست بما كان يعانيه زميلي السجين وشعرت بما كان يشعر به من حاجة لحنان وعطف العائلة وخاصة الأم. لذلك وجدت في عائلة كوجايجاك ما أفتقدته من حب وحنان وعطف، ولم تقصر هذه العائلة النبيلة بمنحي كل الحب والمساندة والوقوف بجانبي كلما عشت أزمة في تلك الغربة.
رغبة الشعب البولوني في تبادل الاحاديث معنا في كل الأماكن وفي جميع الأوقات أحد أهم العوامل في تعلم اللغة البولونية وتطوير قدراتنا اللغوية بحيث كان بأمكاننا مشاركة الطلبة البولون ومنافستهم في الدراسة الجامعية. هذا لايعني أننا لم نلاقي في السنوات الأولى صعوبات لغوية في إستيعاب أو تدوين المحاضرات التي تلقى علينا باللغة البولونية. لهذا كان الأساتذة البولون يقدرون مصاعبنا في اللغة وفي تدوين محاضراتهم. ويختلف هذا التقدير من أستاذ لآخر، البعض منهم كان يساعدنا في كتابة المحاضر من خلال تكليفه الطلبة المتفوقين بتدوين المحاضرات بإستعمال الكاربون وتوزيع النسخ علينا. هذا مافعله البروفسور العجوز الطيب (للأسف لم أعد أتذكر أسمه) أستاذ الرياضيات. ففي أول محاضرة له في الصف الأول في قسم الهندسة المدنية في مدينة وودج سأل كم طالباً أجنبيا موجوداً، ولما عرف أنه يوجد أثنان فقط أنا وآخر (عزيز) من أفغانستان، طلب من أحد البولون من ذوي الخط الجيد والواضح، أن يدون المحاضرات ويسلمها لنا وحذره من الغياب كما سلمه أوراقا وورق كاربون لنقل المحاضرات لنا! ولم يكتف هذا البروفسور الطيب بذلك بل كان يسألنا ويتابع أستلامنا للمحاضرات المستنسخة ويدقق أحيانا المعلومات المدونة! تدوين المحاضرات لم يعفينا من بذل جهودنا في أن نقوم نحن بدورنا في تسجيل المحاضرات بلغتنا البولونية الضعيفة، فمحاولاتنا في تدوين المحاضرات كانت من أهم التمارين لنا على تطوير أمكانياتنا اللغوية. وتدويننا للمحاضرات لا يخلُ من أخطاء وعدم وضوح في الأفكار ومن طرائف! ففي أحدى المحاضرات في درس الكيمياء قرر الاستاذ أن يقطع محاضرته ليحكي للطلبة نكتة، فتوقفنا عن الكتابة لنستمع للنكتة، بينما زميلي الأفغاني أستمر منهمكا بجديته المعهودة على الكتابة، وبعد أن أنهى الأستاذ نكتته وضحك الجميع حتى أنا ضحكت مجاملة بالرغم من عدم فهمي للنكتة، لاحظ أن الزميل الأفغاني (عزيز) مازال منهمكا في الكتابة بجدية، فتناول الأستاذ دفتر ملاحظات عزيز وقرأ السطور الأخيرة وأنفجر ضاحكا، لقد دون عزيز حتى النكتة في دفتره! لقد كانت صعوبة اللغة عائقا كبيرا في السنة الاولى، فكنا ندون في محاضراتنا كل مانسمعه من الاستاذ المحاضر دون أن نستوعب بدقة مايقول ونترك ذلك لمراجعته بعد العودة للقسم الداخلي والأستعانة بما دونه الطلبة البولون. هذا لايعني أنه لايوجد بيننا طلبة تمكنوا من تعلم وإجادة اللغة بسرعة فائقة وأبدوا قدرات دراسية جيدة منذ السنة الأولى. كان معظم الأساتذة يقدرون الصعوبات اللغوية، لذلك كانوا دائما على إستعداد لأستقبالنا في ساعات الفراغ والأجابة على كل تساؤلاتنا بصبر، خاصة عندما يجدوا عند الطالب الرغبة في الدراسة.

يــتـبـع

السويد/كربلاء/العباسية الشرقية