الرئيسية » مقالات » مرة أخرى وأخرى… مع جيش المهدي ,مرة أخرى مع الجهل والكراهية والعنف والموت !

مرة أخرى وأخرى… مع جيش المهدي ,مرة أخرى مع الجهل والكراهية والعنف والموت !

لم أفكر يوماً أن أكتب مقالاً , وقد تجاوزت العقد السابع ونيف , مثل هذا المقال , لأبعث عبره إلى عائلات ضحايا مجزرة الصراع السياسي التي سقطت في مدينتي الحبيبة كربلاء , التعازي بوفاة ضيوفهم الزوار القادمين من المدن والدول الأخرى , والتمنيات بالشفاء العاجل للجرحى والمعوقين. وهي مدينة محافظة عموماً وهادئة وتستقبل الزوار من كل أنحاء العالم بصدر رحب منذ أن كان الإله بعل إلهها , وكانت , كما هي اليوم , مقبرة كبيرة لموتاها وموتى المناطق المجاورة. كربلاء مدينة مفتوحة على كل القادمين وساد أهلها ذهنية ذات طابع أممي تقريباً , فهم لا يميزون بين العربي والكردي والفارسي والهندي والأفريقي بل يحترمونهم جميعاً. وكان المواطنات والمواطنون من أتباع المذهب السني في المدينة لا يجدون تمييزاً عن بقية أتباع المذهب الشيعي من السكان , كما كان المسيحيون والصابئة من المدرسين يجدون من يستقبلهم في بيته ليسكن فيها ويعيش كبقية أبناء البلاد بروح تعترف بالآخر وتحترمه بغض النظر عن دينه ومذهبه أو قوميته.
وكانت المدينة فقيرة عموماً تخلوا من أي صناعة حديثة , عدا صناعة المهافيف والحصران والسلال وبعض الصناعات الحرفية اليدوية , وخاصة الصفافير والقندرجية , إضافة إلى معامل للطحين والثلج التي كان بعضها من ملكية والدي. ولكنها كانت غنية بنهرها الخالد (نهر الحسينية) وبساتينها الغناء وبأهلها الطيبين القانعين عموماً رغم فقرهم وبؤس عيشهم!
وحين انتفضت المدينة ضد النظام الملكي أكثر من مرة استجابة لبغداد, كانت مسالمة تطالب بما سلب منها ومن بقية المدن العراقية من حقوق سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وجوبه بالعنف والسجن والتعذيب من ناضل من أجل الديمقراطية. وكان أهلها محقون في نضالهم وانتفاضاتهم. وبسبب غباء الحكام الملكيين , وكذلك من جاء من بعدهم من حكام قوميين وبعثيين إذ كان أغبى وأقبح , انتشر الفكر الديمقراطي التقدمي في أوساط الطلبة والحرفيين والفلاحين وبين العمال القلة , وخاصة عمال الطابوق والجص والبناء , بل حتى بين “السادة” العاملين في الحضرتين الحسينية والعباسية الذين انتموا إلى الحزبين الوطني الديمقراطي والشيوعي. وكان للحزب الشيوعي الموقع الأول , يحتل بعده الحزب الوطني الديمقراطي من ثم حزب الاستقلال بين المهتمين بالسياسة والناشطين في الحياة العامة. ولم تقتصر الحركة السياسية الكربلائية على الرجال وحدهم بل شملت النساء أيضاً.
ورغم الخلافات السياسية لم تعرف المدينة صراعاً واحتراباً عنيفاً أو استخداماً للعنف أو الإساءة للأطراف الأخرى , بل كان الاحترام عموماً قائماً في ما عدا بعض القوميين الذين كانوا يحاولون استفزاز الشيوعيين , كما حصل في محاولة اعتداء القوميين على عبد الرزاق الصافي في العام 1948 أو الاعتداء بسكين ضد كاتب المقال في العام 1953 مثلاً. ثم بدأت اللوحة تشتد سوءاً بسبب سياسة القوميين في أعقاب ثورة تموز 1959 حيث عرفت المدينة صراعاً وممارسات خاطئة وكثيرة ولكنها لم تكن بعنف أو شدة ما يحصل اليوم.
كيف تجري الأمور حالياً في كربلاء؟ الناس يعيشون العجب العجاب وأغرب الغرائب بالنسبة إلى هذه المدينة الهرمة. فبعد أن استطاعت أجهزة الجيش والشرطة والأمن السيطرة على القوى التكفيرية من أتباع القاعدة والمجرمين من أيتام صدام حسين ومنعها من أن تقتل المزيد من البشر , أصبحت تواجه مزيداً من الصراع بين ميليشيا جيش المهدي وميليشيا فيلق بدر والتي تجر إلى معاركها الدموية بالضرورة قوات الشرطة والجيش والقوات الأجنبية. وآخر المعارك شهدتها كربلاء في اليومين الفائتين , وسبقتها معارك في الديوانية والسماوة والبصرة وبغداد …الخ.
العراق يعيش اليوم صراعاً حاداً على المصالح والأموال , صراعاً على السلطة والنفوذ , صراعاً غير نظيف وغير إنساني , بل يعيش نزاعاً عدوانياً قاتلاً ومحبطاً.
إن الناس تقتنع يوماً بعد آخر بأن القوى الإسلامية السياسية الطائفية لا تصلح للسلطة لأنها ذات فكر وممارسة شموليتين لا تقبل بالآخر ولا تعترف بالديمقراطية والتعددية ولا تعترف بحقوق الإنسان , بل تعترف بحقوقها فقط وسيادتها فقط وسيطرتها فقط , إنها الاستبداد الشرقي الذي قرأنا عنه قديماً وعرفناه حديثاً في أكثر من دولة ولن يختلف عن دكتاتورية صدام حسيين بقيد أنملة , بل هو ذاته ولكنه بلبوس أخرى غير التي ارتداها صدام حسين , رغم أنها في الجوهر واحدة , معادية للإنسان الآخر وللفكر الآخر وللدين الآخر وللمذهب الآخر وللرأي الآخر في المذهب الواحد.
نحن أمام تيار يتنمر على المجتمع يمارس الإرهاب الفكري والسياسي لأنه حصل على قاعدة جماهيرية واسعة نسبياً في أوساط الشيعة , بسبب الغياب النسبي الكبير للقوى الديمقراطية بل أطيافها التي كان المفروض فيها أن تنظم هؤلاء وتنور البشر وتضعهم على خط الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان , ويصح هنا ترديد قول الناس “غاب القط ’ العب يا فار”. إنه ميليشيا جيش المهدي المتسلح من أخمص قدميه إلى قمة رأسه بالسلاح العراقي والإيراني أو الروسي القادم من إيران , إنه المزود بأحدث الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والممول جيداً.
تبرهن الحياة يوماً بعد آخر عن العلاقة العضوية بين التيار الصدري وبين ميليشيا جيش المهدي بأنه تيار واحد وليس بفريقي عمل , إلا أن الأدوار موزعة بطريقة خاصة بهم. وأن هؤلاء يحملون شكلياً معهم همَّ الناس الفقراء , ولكنهم يسعون إلى غايات أخرى لا تختلف عن غايات جماعة طالبان في أفغانستان ولكن على النمط الشيعي المتخلف. سمعت ورأيت من رفع يديه إلى السماء وهو يقول: “أللهم اجعل بأسهم بينهم!” ولكن غاب عن هذا الرجل أن القتلى هم الناس الأبرياء هم الناس البسطاء الذي يُقتلون على أيدي المتنازعين. وهو ما لا يجوز السماح به بأي حال.
ولكن المليشيات الأخرى التي تغلغلت في أجهزة الدولة العسكرية وفي جهاز الأمن , ومنها ميليشيا فيلق بدر , ليست بعيدة عن نشاطها الطائفي العنفي المسلح حيثما أمكنها واحتاجت إلى العنف مارسته , وحيثما أمكنها إسكات الآخرين دون عنف مارست الهدوء لأنها استطاعت السيطرة دون الحاجة إلى استخدام القوة. وتمتلك من الأسلحة ما يقارب ما تمتلكه ميليشيا جيش المهدي , ولكنها أقل اتساعاً في القاعدة الشعبية من الجماعة الأخرى.
الادعاء بأن القوى الإسلامية السياسية الطائفية , أياً كانت , تعترف وتمارس الديمقراطية خاطئ جملة وتفصيلاً. إذ إن هذه القوى تمارس الديمقراطية على طريقة علي الأديب , وهو أحد قادة حزب الدعوة الإسلامية العراقية , الذي قال مرة في قناة الحرة بأنها أداة وليست فلسفة. وكان صادقاً في جزء من الحقيقة , ولكنه كان مراوغاً في الجزء الأساسي من القضية , أي لم يذكر ما يلي: ما دامت الديمقراطية تسمح بتكريس سلطة الإسلام السياسي الإلهية الشمولية التي يمثلها فهي مناسبة , وإلا فهي غير مناسبة. وإيران تقدم النموذج الحي لذلك.
لا يمكن للعراق أن يهدأ حقاً ما دامت هناك ثلاث مسائل لا بد من تأكيدها , وهي:
1. وجود أحزاب سياسية تقوم على أساس ديني , ومما يزيد في الطين بلة , أن تكون تلك الأحزاب قائمة على أسس طائفية سياسية , وهي لا يمكن أن تكون إلا كذلك.
2. وأن تقوم السلطة السياسية على أساس المحاصصة الطائفية وتمارس سياسات طائفية في الدولة والمجتمع عمودياً وأفقياً.
3. وأن تكون هناك ميليشيات إسلامية سياسية طائفية مسلحة تمارس الصراع والنزاع والعنف وتنشر الإرهاب الفكري والسياسي في البلاد , وهي الذراع العسكري لتلك الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية الطائفية. وهذا الأمر لا يقتصر على الأحزاب الشيعة حسب , بل والأحزاب السنية أيضاً.
وعلينا أن ندرك بأن وضعاً من هذا القبيل يسمح لا بالصراع والنزاع الداخلي حسب , بل ويسمح بالتدخل الإقليمي العربي والفارسي والتركي بشكل مباشر وغير مباشر , إضافة لما ينشأ عن ذلك من تدخل دولي أيضاً بحكم طبيعة المنطقة والصراعات الدولية على مناطق النفوذ والمصالح.
إن ما يجري في العراق حتى الآن يدور في حلقة مفرغة , فهل يمكن كسر هذه الحلقة والانطلاق منها نحو آفاق أكثر رحابة وهدوءاً وسلامة للناس ؟
لا يشير اتجاه تطور الأوضاع حتى الآن عن أفق قريب جداً في معالجة الأزمة المحتدمة لصالح المجتمع والحياة الدستورية , بل ما يزال مثل هذا الحل بعيد المنال نسبياً ويحتاج إلى جهود كبيرة وحثيثة واستثنائية , إضافة إلى ضرورة حصول وحدة وتضافر جهود القوى الديمقراطية في سائر أرجاء البلاد.
29/8/2007 كاظم حبيب