الرئيسية » مقالات » الجامعة العراقية اليوم تعطي شهادة ولا تعطي علما

الجامعة العراقية اليوم تعطي شهادة ولا تعطي علما

يقولون الامثال تضرب ولاتقاس واقول حاشا للأمثال من الضرب ولكن تساق وتقاس بحسب مقتضى الحال ويقتضي الحال هنا ان نسوق المثل الاقتصادي الشهير الذي يقول ان العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة ولست ادري ولاالمنجم يدري ماستؤول اليه الجامعات العراقية في المستقبل اذا بقيت على هذه الحالة البائسة وغير المشجعة فقد باتت تعطي شهادة ولاتعطي علما فنحن بصدد مراقبة حالها السيء واقول (مراقبة) بما تحمله هذه الكلمة من هم وغم فمن راقب الناس مات هما كما يقول بشار بن برد ولكن المراقبة هنا من باب الحرص والحب على هذه المؤسسة التعليمية التي تتجذر بعيدا في الحضارت العميقة في هذه البلد . لايزال المسنون من جلاس المقاهي يتذكرون شهادة ايام زمان التي يحلو لبعض منهم ان يطلق عليها ببراءة( شهادة من صدك) على حد قولهم ضاربين عرض الحائط شهادات اليوم التي اصبحت (من جذب) على حد قولي اذا كانت شهادة الماضي تضم اليها العلم وكانت متلازمة معه متزوجة به زواجا كاثوليكيا لاطلاق فيه اما شهادة اليوم فهي مجرد ورقة تساعد في الحصول على وظيفة ليس الا ولا استثني نفسي من ذلك ايضا لأنني من جملة الخريجين الجدد الذين يحملون هذه الشهادة والقى وزملائي باللوم على الأساتذة الجامعيين الذين تسيدوا خلال العقدين المدمرين للعراق ولاسيما العقد التسعيني اذ شهد هذا العقد هجرة العقول الكفوءة لضيق ذات اليد او للمضايقات المتنوعة المعروفة مما ادى الى صعود مفاجيء لأناس لم يكن لهم أي مجد علمي يذكر في الجامعة واعطائهم شهادات بلا حساب وكتاب لسد الفراغ او لمحسوبيات اخرى معروفة لدى المواطن العراقي الذي يتذكر تلك الفترة مما ادى الى ظهور اساتذة جامعيين غير كفوئين ولا يرتقون الى المستوى العلمي المطلوب للوصول الى مرحلة التلاحم الحميم بين الشهادة والعلم بل بقي المتخرجون في الجامعة يحملون ورقة تدعى شهادة ولا يحملون علما وللجلوس على كرسي الاعتراف اقول للأمانة ان اغلب الخريجين في العقدين الاخيرين يشكون بعدم السيطرة التامة والمتوازنة بين مايحملوه من شهادة وبين مايفترض ان يحملوه من علم ويرجع ذلك لعدم دراستهم على يد اساتذة جامعة من مستويات علمية رصينة . لقد اصبح الأستاذ الجامعي العراقي عبارة عن قاط ورباط وحقيبة . إنني لست من الذين يتحاملون على احد او يتناقصون منه بل ان كتابة هذه السطور تهدف الى التنبيه والتذكير لااكثر ولااقل ومن نافلة القول ان نشير الى جملة من الامور منها واهمها لو اطلعنا اطلاعة واحدة على الدرجات التي منحت لحملة شهادة الماجستير والدكتوراة في العقد التسعيني وصعودا نجد ان معظمهم ان لم يكن كلهم قد حصلوا على درجة ( الامتياز) في مختلف العلوم الصرفة والأنسانية, ليت شعري اذا علمت ان معظم العلماء الاعلام لم يحصلوا على هذه الدرجة ولم يحلموا بالحصول عليها البتة وعلى هذا الاساس فالذي يحصل في العراق على درجة الامتياز في الماجستير والدكتوراة هو يتفوق طبعا على الياباني الذي تمنحه جامعة طوكيو درجة متوسط عال اذا كان ذكيا وهذا من النادر في اليابان !!! اما في بلد العجائب والغرائب العراق فيبدو ان الامتياز فيه على قفا من يحمل في مختلف الأختصاصات والعلوم والفنون واذا كان السندباد وعلي بابا يسافران من العراق عبر شط العرب الى مختلف الامصار لرؤية العجائب والغرائب فقد اصبحنا نحن احفادهم نرى العجائب والغرائب في هذا البلد من دون سفر الى بلدان اخرى . من باب الوطنية ان نشير الى ان الدول لديها الحق كله بعدم الاعتراف بالشهادة العراقية واعتقد ـــ جازما ــ ان السبب ليس سياسيا كما اشار بعض خطأ وجهلا وانما لأسباب علمية محضة . ان موظة او تقليعة الأمتياز قد اتبعتها تقليعة اخرى السنا في زمن التقليعات والموظات ؟ هي تقليعة ( مو اختصاصي ) اذا تسال احد الذين يحملون (الامتياز) ويكتبون امام اسمهم حرف(د) عن شيء درسه ضمن اختصاصه فيجيب من دون خجل ( مو اختصاصي ) متحججا انه درس الماجستير او الدكتوراه في موضوع من مواضيع اختصاصه ناسيا او متناسيا مرحلة البكلوريوس التي درس فيها هذا الاختصاص بصورته العامة الشاملة ويجب ان يكون ملما به ان المناهج الجامعية البالية التي درسناها هي من جملة اسباب الخراب الذي خرج منه اساتذة الجامعة غير الكفوئين لأن هذه المناهج لاتبعث في الطالب روح المناقشة والجدل البناء للوصول الى نتيجة يرتضيها العقل والمنطق ولهذا تجد الأستاذ الجامعي العراقي الجديد يوجس خيفة شديدة ورهبة عظيمة من سؤال الطلبة له لأنه غير متعود على الأسئلة والمناقشة بل ذهب بعض منهم الى بغض الطلبة السائلين معتقدا انما يسالونه بغية احراجه واختباره لاتفقها بالمادة ثمة مثل بغدادي قديم كنت قد سمعته من صديق لافض فوه يقول (صانع الاستاذ استاذ ونص ) ولقد عقبت عليه بقولي (على استاذ الجامعة ان يكون استاذا ونص وثلاثة اربعاء لكي يخرج استاذا ) بكل معنى الكلمة ولكن هيهات ان يكون ذلك ان الزيادة المئوية التي منحت للأستاذ الجامعي من الدولة لاترفع مستواه العلمي البتة لأن العلم هو رزق الارواح والمال رزق الابدان على حد قول الصوفية . ان الحكومة الحالية تريد بشتى الطرق والوسائل النهوض بمستوى استاذ الجامعة العراقي ويحضرني هنا حكاية قديمة من التراث العربي ملخصها ان رجلا ذو شياه وابل طلق زوجته في الصيف بناء على طلبها فتزوجت المراة برجل غيره في الشتاء وكان هذا الزوج الثاني معدما فقيرا فاحتاجت واشتهت المراة اللبن الرائب في يوم ما فاخذت القعب وذهب الى زوجها الاول الغني فطلبت منه ان يعطيها شيئا من اللبن فأجابها قائلا ( في الصيف ضيعتي اللبن ) فأرسل عبارته مثلا تناقلته العرب .