الرئيسية » مقالات » العراق: الوطن الباقي..!

العراق: الوطن الباقي..!

 هذه التوطئة التأريخية الرائعة والصادقة لمكنون تسمية (العراق) التي أوردها الأستاذ الفاضل، الدكتور سيار الجميل والمنشورة على صفحات موقع (إيلاف) ومواقع أليكترونية أخرى، في 26/1/ 2006 تحت عنوان (العراق: المعنى والأصل والصورة)، إنما تعكس حقيقة لا غبار عليها، هي وحدة تراب هذه البلاد، منذ أقدم العصور، وتضع أمام النشيء الحديث، حقائق تأريخية متأصلة عن وحدة العراق؛ في خضم الهجوم والتشوش الثقافي والخلط المتعمد للمفاهيم، ومحاولات إنكار حقيقة وجوده ومنذ أعماق التأريخ، كوحدة جغرافية متماسكة..!

لقد وجدت تسمية (العراق) في معناها وأصلها وصورتها، في هذه المقالة المكثفة والرائعة للأستاذ د. سيار الجميل، من ينصفها بحق، ويمنحها مدلولها التأريخي – العلمي، المعبر عن وحدة الكيان الجغرافي للعراق، ويزيل حجب الضباب الي تغلفها، ويمنح للدارسين والباحثين وللناشئين، آفاقاّ واسعة للزيادة في المعرفة ونهل الحقيقة من مصادرها الموثوقة..!!

تلك الوحدة التي بتماسكها، أجبرت حتى أولئك الغزاة الذين جثموا على صدر العراق قروناّ من الدهر- من منغوليين أو ساسانيين، ، أو عثمانيين ومحتلين جدد -، على الإقرار بهذه الوحدة، ولم يجرؤا على ضم أو إستقطاع جزءّ منها..!

وحتى في العصور الموغلة في القدم، أيام السومريين، والبابليين، والاشورين أو الكلدانيين، ورغم الحروب الطاحنة بين هذه الشعوب، كانت (وحدة ) التراب العراقي في (الجغرافية) هي الجامعة المانعة، لسكانه – بإثنياتهم المختلفة – من التشضي أوالتمزق في كونتونات منعزلة ، أومتباعدة ، كما كانت عليه أوروبا على سبيل المثال فى القرون الوسطى.. وحتى الأقوام التي إستوطنته بعد الإسلام، فقد إندمجت مع السكان المحليين، وأبتنت حواضرها في البصرة والكوفة وبغداد وواسط ولم تجتزيء من كله شيئاّ، ولم تزرع على تخومه مملكة، فمملكة (الحيرة) ، مثلها مثل مملكة (تدمر)؛ هذه في العراق وتلك في الشام..! أنقرضتا وظل العراق باق مع الاجيال..! وزال (كسرى) وها هي (مدائن) العراق شامخة كالطود..!!

كل شيء في هذه البقعة من الارض – بحدودها الجغرافية، القديمة أو الحالية- كان متشابكاّ متماسكاّ ولا زال، في كل واحد..! حتى في الطموحات القومية لسكانه؛ من عرب أو كورد أو قوميات أخرى، جميعها كانت تدور ضمن فلك (العراق)، ولا أي منها، لا في المنظور القديم أو الحالي، من فكر مجرد التفكير، بأن يستقطع جزءّ من أرض العراق لينشأ عليها “وطناّ” خاصاّ به..!

حتى تلك الإثنيات الكبيرة، كالعرب والكورد، فإنها دوماّ شعرت بوجودها القومي من خلال وحدة العراق الجغرافية؛ فما يمس هذه الوحدة من سوء أو تعد في الجنوب – ذي الأغلبية العربية- يجد صداه في الشمال – ذي الأغلبية الكردية- وبالعكس ، والأمثلة على كثرتها تغني عن البيان..!

فالحملات العدوانية والغزو الأجنبي، التي تعرض لهما (العراق) وعلى مدى العصور، جوبهت جميعا بالرد والمقاومة من قبل كافة أبناء هذا البلد على السواء، وكان (العراق) في جميعها (جسماّ واحداّ) من ثغر البحر حتى ذرى الجبال؛ كان القوم كتلةّ واحدةّ وكياناّ واحداّ وإرادةّ واحدةّ في الدفاع عن حياضه؛ وهذه (ثورة العشرين- 1920) أقرب شاهد على ما نقول..! إرثه هو إرث الجميع، وثرواته هي ثروة الجميع، وهمه هو هم الجميع..!

لا يعرف حدوداّ بين ضياعه ولا أسورةّ بين مدنه أو ضواحيه؛ أرضه واسعة لجميع قاطنيه؛ لا تعرف تعريفة للدخول ولا سمة للخروج؛ “الكوردي” القاطن في جنوبه هو كمثل “العربي” العائش بين أحضان وديانه في الشمال؛ يشعران بالأمان والإطمئنان..!

إن جفت الاهوار، سار إبن الهور بقطعان جاموسه بحثاّ عن المرعى في الوسط و بين سهول شهرزور في الشمال، وأن أجدبت مع بدو الجنوب، قصدوا بجمالهم بادية الشمال..! وأن أعسرت مع الفلاح، يمم وجهه شطر المدن طلباّ للعيش؛ العاملون في المعامل والمؤسسات من شماله حتى جنوبه، نسيج من كل الإثنيات والطوائف..!

ما عرفت أقوام العراق وعلى مدى العصور، التطاحن والتحارب فيما بينها من أجل تمزيق الوطن الى دويلات أو مستوطنات، وأغلب الصراعات التي عرفت في البلاد كانت في مجملها صراعات بين الحكام وتلك الأقوام؛ فالمذابح التي تعرض لها الكورد وعل مدى أكثر من قرن من الزمن، والحملات الهمجية وقصف الطائرات التي دمرت قرى وأرياف مدينة الناصرية وسوق الشيوخ في ثلاثينيات القرن الماضي، وحملات الإبادة التي طالت جماهير الأرمن، والإضطهاد الذي عاش في ظله الكلدو-آشوريين، والتركمان وغيرهم من القوميات الأخرى والطوائف الدينية ؛ جميعها كانت تدور بين الدولة بآلتها العسكرية المدمرة، وبين أبناء الوطن الواحد، ولم يكن محركها إحتراب من أجل التنازع على أرض أو حدود، كذلك هي النزاعات التي كانت تجري ما بين المكونات الإثنية أو الطائفية أحياناّ، فهي الأخرى بعيدة كل البعد عن ما يمس وحدة أراضي الوطن وسلامة حدوده..! وأغلبها كان يجري بتحريض أو دسيسة من سلطة الدولة أو من لهم مآرب في تمزيق نسيجه الأجتماعي ..!؟

وحدة التراب العراقي قد حرسها العراقيون أنفسهم، وأمتزجت دماؤهم في حومة الدفاع عنها، سيان كان الغازي شرقياّ أم غربيا..! تأريخهم مفعم بقصص البطولة والفداء، من أجل وحدة هذا الوطن، الذي إستعصى تمزيقه ولا يزال، على كل من حاول إستهدافه من غادين أو قادمين..!

ومن سمات وحدته ككيان قائم ، هو وحدته الاقتصادية، التي دعّمتها وحدته الجغرافية، رغم أن هذه الوحدة لم تتجلى أو تبنى على قاعدة صناعية قوية، وإنما ظلت مقومات نموها وتطورها رهن إشكالية العدوان والمطامع الأجنبية منذ القدم وحتى غزو (هولاكو) ومن بعده غزو(الساسانيين والعثمانيين) وأخيراّ (الانكليز والعم سام) بإستثناء العصر العباسي الزاهر في أوائل عهده..!

فالنسيج الاجتماعي، الذي إتخذ من ضفاف النهرين العظيمين ( دجلة والفرات) وفروعهما، ومنذ أقدم العصور التي عرفت تواجداّ سكانياّ، مستقراّ لوجوده وموطناّ لإستقراره، قد أكسبه؛ ما شد لحمته وقوى وشائج القربى بين مكوناته، فإرتبطت المصالح الاقتصادية لكل قاطنيه بوجود هذين النهرين العظيمين، وأقيمت المراكز الاجتماإقتصادية على طول ضفافهما من زاخو في الشمال حتى الفاو في الجنوب، وكانا واسطة الربط الرئيسة بين مختلف مدنه وأريافه؛ تمخر عبابهما السفن الشراعية المحملة بالبضائع من البصرة حتى شمال بغداد، وتنقل عكساّ ثروات الشمال الزراعية ؛ من فستق وجوز ولوز وبقل وتين مجفف وبرغل والقائمة تطول..!!

لقد شكل (دجلة والفرات ) رمز العراق على مر العصور.. وكان في أمنهما وسلامة وجودهما أمن العراقيين جمعاء..!

لقد جبت (العراق) طولاّ وعرضاّ وعاشرت مواطنيه في الريف والمدينة ، في السهل والجبل، وأستطعمت مأكولاته في الأهوار وفي أعالي الجبال..؛ “عاسنت”(*) أهله من كل الإثنيات والأديان، من مختلف المذاهب والنحل، وتعرفت على عاداتهم أنى حلّوا وأنى رحلوا.. عاشرت البدو في الصحراء، وألفت العيش بين ظهرانيّ الأكراد.. والتركمان.. والكلدو_ آشوريين.. والأرمن والأيزيديين، أما العرب؛ فقد ولدت من أم وأب عربيين، وعشت في مدينة، فسيفسائها من كل الأجناس والأديان..!

في الجبل مثليّ في أعماق الهور.. وفي الصحراء، مثليّ بين حاضنتي (دجلة والفرات)..؛ ربع قرن ونيف من التجوال في ربوع العراق، لم ألتق يوماّ ذلك الذي دار في خلده ، حتى ولو صدفة: أن يحلم بوجود حدود بين المدن والقصبات، أو جوازات للعبور، أو أن يحمل بطاقات تحدد مكان إقامته أو مثواه؛ لقد ولد حراّ، وأختار مكان عيشه ومدفنه حيثما شاء؛ فهو حر في تنقله وإقامته، حر في عمله.. والارض مهما وسعت.. فقلبه نابض يحيي : (( عراق يا عراق…! ))1، ولسان حاله منشدا..
(( بلادي وأن جارت عليّ عزيزة وأهلي وأن شحوا عليّ كرام))2

إن من يسعى الى تبديل خارطة العراق، وتحت أي تسمية كانت، إنما هو كالحارث في الماء.. فالعراق ملك نفسه، وجماجم العراقيين مزروعة في كل حفنة تراب من أرضه، وأشجار السرو والجوز وغابات الجلو، والأثل وغابات النخيل، وقصبه وبرديه جميعاّ، قد سقيت عبر التأريخ ، بدماء أبنائه..!

العراق: واحد موحد بأبنائه، عزيز بإسمه، فخور بأمجاده.. رمز للشراكة والأخوة بين قومياته وأديانه..!

العراق : دجلة والفرات.. العراق: وادي الرافدين، ولا أظنن، هنالك من تطاوعه نفسه مس وحدة العراق، أو شرذمته في كيانات مبعثرة؛ وإن وجد مثل هذا؛ فحاله حال من يريد أن يقسم ( النهرين- البحرين- ) اللّذين وحّدهما ( شط العرب-البحر العظيم- ) رمز وحدة العراق .. أو حال من يعتقد؛ أنه قادر أن يفلتر الماء حسب تذوق شاربيه..!!

لا يساورني الشك، بل يطمأنني اليقين.. فالعراق باق بقاء بحاره..باق بقاء الدهر…!
فإن حل به ما لايتمناه ألمرء، فصانعه كالراسم فوق الرمال…!

ولقد صدق حافظ ابراهيم حين قال:

((أنا إن قدر الإله مماتي لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي

ما رماني رام وراح سليماً من قديم عناية الله جندي

كم بغت دولة عليّ وجارت ثم زالت وتلك عقبى التعدي))


________________________________________________
-1الشاعرالعراقي: بدر شاكر السياب
-2الشاعر العراقي: معروف الرصافي
(*) عاسنت : كلمة متداولة في ريف العراق الجنوبي وعند البدو، وهي تعني المعايشة عن قرب