الرئيسية » مقالات » العراق: كنوز المعرفة والتراث من يحميها..؟!

العراق: كنوز المعرفة والتراث من يحميها..؟!

في خضم الضجيج السياسي، ودوي المفخخات، وعواصف الموت السوداء؛ في ظروف عزّت فيها على المواطن، سبل الحفاظ على حياته وحياة عائلته؛ في ظروف الخوف والقتل الطائفي والتهجير، إكتسحت البلاد هجمة هولاكية تدميرية لا تبقي ولا تذر، من تدمير وتخريب لكنوز تراثه المعرفي والثقافي، وعرّضت معالم تلك الكنوز الغنية ومكامنها الآثارية الى الإنتهاك وسرقة محتوياتها وبيعها في الأسواق السوداء خارج البلاد؛ في مثل هذه الظروف التي يمر بها العراق منذ أربع سنوات ونيف، لم تعبه السلطات الحكومية ولم تهتم لما تتعرض له هذه المواقع من إنتهاكات وتجاوزات عرضتها الى الإهمال والتلف ومخاطر الفقدان والضياع..!

في خضم هذه الظروف، يأتي نداء الأخ الأستاذ الفاضل الدكتور سيار الجميل، الباحث في تأريخ وحضارة الشرق الأوسط الحديث، ومن موقع الشعور الوطني والمسؤولية المهنية العالية، مذكراّ بما تتعرض له كنوز الثقافة العراقية من مخاطر التدمير، في مقالته الموسومة ( نداء من أجل حماية ذاكرة العراق)، والتي تركز على ما أصاب (المكتبة الوطنية العراقية) في بغداد من إنتهاك وتعد على حرمتها من قبل أفراد من الجنود العراقيين ، المنشورة في صحيفة المنار الأماراتية في 15/8/2007.

يأتي هذا التذكير بمثابة تحذير للجهات الحكومية ولكل العراقيين وبالذات لجمهرة الوسط الثقافي، من مغبة ما سيترتب على الإهمال التي تتعرض له كنوز الثقافة العراقية من خراب لا يمكن تعويضه، وما ستتعرض له ذاكرة العراق من إنقطاع وتلف غير مبررين، مما يشكل خسارة لا يمكن تعويضها للأجيال الحالية والمستقبلية..!؟

إن تذكير الأخ الدكتور سيارالجميل يضع الجميع من مؤسسات الثقافة والمثقفين بوجه خاص، ناهيك عن السلطات الحكومية أمام مسؤولياتهم التأريخية في حماية كنوز الثقافة العراقية وفي إبعادها عن ساحة الصراع السياسي، وتعتبر مسؤولية الحكومة من أولويات مهامها في تأمين هذه الحماية والصيانة..!

وللتذكير بأهمية المسؤولية الحكومية في هذا الشأن، يحضرني الحدث التالي:

المكان : بغداد – باب المعظم – المكتبة العامة (المكتبة الوطنية العراقية حاليا)
الزمان : 1955 – 1956
إعتدنا نحن بعض الشباب المتواجدين في بغداد يومذاك لأغراض الدراسة، التردد على المكتبات العامة للبحث عن الكتب المعنية بشؤون الثقافة التأريخية والإجتماعية والسياسية، وكنت وأحد الأصدقاء من ذوي الميول السياسية اليسارسة، من المولعين في البحث عن الكتب التأريخية والكتب ذات نفس الإتجاه وأرشيف الصحافة العراقية وصحافة الأحزاب، فكنا نتردد غالباّ على مكتبة الخلاني في جامع الخلاني، ومكتبة مكنزي في شارع الرشيد، والمكتبة العامة الحكومية في باب المعظم آنذاك، التي عرفت فيما بعد بالمكتبة الوطنية العراقية، وسوق الكتب في شارع المتنبي وغيرها. وقد أسرّ لنا أحد المهتمين بالشأن الثقافي عن وجود كتاب قيم لكاتب لبناني يدعى (بندلي جوزي) يبحث في (تأريخ الحركات الفكرية في الإسلام)، وكان الكتاب في حينه، محظور نشره في الأسواق لتضمنه أفكاراّ ذات نزعة يسارية، وتوجد منه نسخة واحدة فقط موجودة في المكتبة العامة الحكومية، ظهر فيما بعد أنها مهداة من قبل الشخصية العراقية المعروفة النائب في البرلمان توفيق الفكيكي الى المكتبة العامة.

سارعنا تدفعنا اللهفة والحماس الشبابي الى المكتبة العامة، وبعد أن فشلنا في العثور على الكتاب في الأرشيف، سألنا الشخص المشرف على المكتبة ، عن حقيقة وجود الكتاب في المكتبة، فما كان منه إلا أن ضحك مداعباّ ومستفسراّ عن كيفية معرفتنا بوجود الكتاب في المكتبة؛ قلنا له الحقيقة، فكان جوابه:

أن الكتاب موجود فعلاّ في المكتبة، ولكن يتعذر عليه أن يسمح بإعارته للجمهور بأوامر من الجهات المختصة..!؟

أصابتنا خيبة أمل مصحوبة ببعض الأمل؛ فالشخص مسؤول المكتبة كانت تربطنا به علاقة ودية نحن الأثنان، نمت وترعرعت من خلال مواضبتنا التردد الى المكتبة، وبما كان يبديه لنا من مساعدة ومحاباة ولطف في المعاملة، وكان يدعى (خلدون) إن لم تخني الذاكرة وكان إنساناّ شهما.

سألناه إن كان بمقدوره مساعدتنا في الإطلاع على الكتاب؛
لم يتردد كثيراّ، وتحدث همساّ؛ بأنه يمكننا الإطلاع على الكتاب ولكن بحذر ولوقت لا يتجاوز الساعة ودون علم الآخرين من الزوار..

بحمية وإصرار، قمنا بإستنساخ الكتاب وأنجزنا المهمة خلال إسبوع، وأحتفظت بنسختي المخطوطة في مكتبتي الشخصية وأخفيتها ضمن الكتب الممنوعة ، ولم أقتن الكتاب المطبوع الذي إنتشر في الأسواق بعد ثورة الرابع من تموز 1958 إعتزازاّ مني بها كثيرا ..!

بهذا الحرص الشديد، كانت الدولة تحافظ على التراث الثقافي حتى لو كان فيه ما لا يخدم مصالحها أو يتعارض مع أفكارها وتوجهاتها، وكانت تعتبره جزءّ من تراث الشعب وملكيته، وتضعه في أيد مؤتمنة للحفاظ عليه وصيانته. كما كانت للمكتبات العامة سواء في العاصمة أو في المحافظات حرمة خاصة، حتى أن الكثير من أصحاب المكتبات الشخصية كانوا يوقفون أو يوصون قبل وفاتهم بإهداء مكتباتهم الخاصة الى دور الكتب العامة حفاظاّ عليها من وقوعها في أيد لا تحرص على حمايتها، أو خوفاّ من تعرضها للإهمال والتلف بعد وفاتهم..!

فكيف والأمر الآن؛ أن تنتهك حرمة المكتبات العامة وتتعرض مخزوناتها من درر الثقافة والتراث الى التلف والتخريب والسرقة كما تعرضت نفائس المتحف الوطني العراقي للسرقة والتخريب والإنتهاك على أيدي قوات الإحتلال وزمر عصابات السرقة والتهريب، وكيف تحولت مواقع العراق الآثارية وهي من كنوز التراث العالمي الإنساني، الى قواعد عسكرية لقوات الإحتلال وأستبيحت معالمها، ونهبت مخزوناتها، وفي مقدمتها آثار بابل الشهيرة وزقورة أور في محافظة ذي قار..!؟؟؟*
ومن غريب الصدف أن تخلوا نصوص الدستور العراقي من مواد تتعلق بحماية وصيانة كنوز الثقافة والتراث المعرفي ومواقع الآثار التأريخية العراقية، فيما عدا نص المادة / 10 من الباب الأول/ المباديء الأساسية من الدستور، التي إقتصرت فقط على: (( العتبات المقدسة، والمقامات الدينية في العراق، كياناتٌ دينيةٌ وحضارية، وتلتزم الدولة بتأكيد وصيانة حرمتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها.))

ولأهمية الحفاظ على التراث الثقافي والإنساني للعراق، فإن الدولة بكافة مؤسساتها وبالخصوص الجهات المعنية بحفظ التراث والسلطات التشريعية والحكومية، مدعوة الى إصدار تشريع خاص بذلك، وتفعيل نص المادة /105 من الفصل الرابع/ الهيئات المستقلة/ من الدستور، بتأسيس مجلس أو هيئة خاصة ذات ميزانية مستقلة ومدعومة، لحماية التراث بكل مكوناته..: (( يجوز استحداث هيئاتٍ مستقلة اخرى حسب الحاجة والضرورة بقانون. )) المادة/105 من الدستور

إن مسؤولية الحفاظ على تراث الشعوب وكنوز ثقافاتها هي مسؤولية جماعية عالمية، يقع العبء الأكبر فيها على عاتق الحكومات الوطنية لبلدانها وجمهرة مثقفيها، والمنظمات الدولية وفي مقدمتها منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة، كما تتحمل قوات الإحتلال في حالة العراق، مسؤولية مضاعفة، يمليها عليها إقرارها للإتفاقيات الدولية في حفظ وصيانة التراث من جهة، كإتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكوليها، حيث جاء في ديباجتها : ” أن الأضرار التي تلحق بممتلكات ثقافية يملكها أي شعب تمس التراث الثقافي الذي تملكه الإنسانية جمعاء, فكل شعب يساهم بنصيبه فى الثقافة العالمية “. وأتفاقيات جنيف لعام 1949 لكونها قوة إحتلال من جهة ثانية ناهيك عن مسؤوليتها الأخلاقية، فكيف والأمر؛ أن هذه القوات هي أول من إنتهك هذه الإتفاقيات وعرض كنوز الثقافة وتراث البلاد التأريخي للخطر..!!؟ وأخيراّ أعلان القاهرة بشأن حماية الممتلكات الثقافية الصادر في السادس عشر من فبرابر / شباط 2004. بالتنسيق مع جامعة الدول العربية و منظمة اليونسكو..! ( للمزيد من المعرفة عن الإنتهاكات راجع الرابط) **


لا يسعني أخيراّ، إلا أن أضم صوتي الى صوت الأستاذ الدكتور سيار الجميل في ندائه لحماية ذاكرة العراق، ومناشدة السلطات الحكومية تحمل مسؤوليتها في الحفاظ على التراث الثقافي العراقي، والى جمهرة المثقفين العراقيين الدعوة الى إيلاء إهتمام أكبر في نشاطهم الثقافي، في الدعوة للحفاظ على كنوز هذا التراث، كما وأهيب بمنظمات المجتمع المدني، وخاصة منها الإتحادات الأدبية والمنظمات الثقافية، أن تولي قسطاّ أوفر في برامجها من أجل حماية وصيانة التراث الثقافي والمعرفي والأثر الحضاري للبلاد..!
______________________________________________
* – الصور في أدناه توضح الحقيقة
** – تقرير خاص عن الإنتهاكات في موقع بابل (بلاسم الضاحي) : http://15mum.net/mum19/News9-3G.htm
زقورة ذي قار وجندي الإحتلال باب عشتار تحت المراقبة أسد بابل تحت التهديد
بابل تحت الإحتلال