الرئيسية » مقالات » المفاتيح في سلطات ما بعد التاسع من نيسان

المفاتيح في سلطات ما بعد التاسع من نيسان

المهندس الاستشاري/ 

في عراق الطائفية السياسية ، حاله حال عراق دكتاتورية البعث ، يصيب الغلاء الرشوة قبل ان يصيب الاسعار . وقد تنوعت اصناف المرتشين لكن ( المفاتيح ) تبقى هي المناصب السرية غير المدونة داخل المؤسسات الحكومية والوسطاء لكبار المرتشين الذين لا تسمح هيبتهم الوظيفية بالقبض مباشرة من الراشي . المرتشون الصغار – يقلصون بالرشاوي الفارق بين رواتبهم ومتطلبات المعيشة . المرتشون الكبار – من اصحاب المصالح يقلصون بالرشاوي الفارق الترفي بينهم وبين من سبقوهم على طريق الرشوة ، اي الفارق في النمط الاستهلاكي الترفي عبر الاتاوات الحرام على عباد الله .. وهم لا ينسون حبك العلاقات مع اصحاب الجاه وصناع القرار .
هم الحصول على الامتيازات الاكثر والاوسع يولد الحصول عليها عن غير جدارة واستحقاق او عن طريق الصداقات والتكتلات وعبر الرشاوي .. كل ذلك يؤدي الى سهولة الانقياد للدناءة والذل في سبيل الحفاظ على الامتيازات ولا يجر مقاومة التحقير والاهانة والاذلال التي يجري التعرض لها . وتجسد المفاتيح اساءة استخدام السلطة لحساب المصالح الشخصية للافراد والجماعات . وتقدم المفاتيح خدماتها على اطباق من الفضة والذهب لتسمح للافراد من خارج الجهاز الحكومي التهرب من تطبيق القوانين والسياسات المعمول بها ، او الاستفادة المباشرة عبر استحداث والغاء القوانين والسياسات بهدف تحقيق المكاسب والمنافع الآنية .. الفساد جريمة لا يستطيع احد ضبطها بسهولة لأنها جريمة ضمير قد لا تمس القانون ولا تتجاوزه بالأخص عندما تكون الانظمة والقوانين القائمة غير منسجمة مع روح العصر . وتبدو الالاعيب الادارية ، واختلاق المبررات ، والاختلاسات والرشاوي ، والابتزازات ، والسرقات ، والتلاعب بالدفاتر الحكومية ، وممارسة التجارة غير المشروعة ، وغسيل الاموال ، تسهيل الصفقات الحكومية غير القانونية التي تضر بالاقتصاد الوطني وتعود بالنفع على فاعلها ، اعفاء القادرين على دفع الضرائب وفرضها على غير القادرين ، قبض العمولات المحلية والاجنبية …. تبدو جميعها احيانا لا تمس الانظمة المعمول بها لأنها تخفي جوهر الجرائم . وبعضها غير منصوص عليه في قانون العقوبات العراقي … وتشمل التجارة غير المشروعة التهريب المنظم للبشر والسلع والاموال ، وتجارة المخدرات والدعارة والقطع الاثرية والاعضاء البشرية!…الخ. ان اتساع ظاهرة المفاتيح هو تعبير حق عن انحلال الدولة وتردي الاداء الحكومي واتساع حركة الاموال غير المشروعة وتهريبها وغسيلها واتجاهها لأنشطة غير مشروعة وغير مراقبة مثل المخدرات والمحروقات واعمدة وابراج وخطوط نقل الطاقة .ومن اسباب اتساع ظاهرة المفاتيح القدوة السيئة للحكام وجهلهم ، واهتزاز نظم القيم ونقص مستويات الوعي والمعرفة ، والفقر والحاجة ، والجشع والجهل والمحسوبية وعدم الكفاءة ، الى جانب فساد الانظمة والقوانين وقصورها وتخلفها وعدم وضوحها ، واتساع نطاق عمل الولاءات دون الوطنية .
المفاتيح هم الموظفون الفاسدون وشيمهم في العجرفة وضيق التفكير ، الحقد على ابناء الشعب ، التفسخ في حمأة الرشوة ، التزلف للمتنفذين . وتنفذ المفاتيح سياسة انقاذ اعداء الشعب وحماية مصالحهم ! والاخذ بقاعدة ( عفا الله عما سلف ) سيئة الصيت لدفع التاريخ اعادة انتاج نفسه بقميص جديد ! واللهاث وراء الدوغمائية … دوغمائية الاحزاب السياسية لأن مصالحهم تنسجم مع تغيير سلوكيات الكادر الحزبي عند استلام السلطة باتجاه الفساد والافساد …. المتنفذون السياسيون هم أكثر فسادا من المفاتيح ، وموظفو الدواوين الأعلى مركز وظيفي أكثر فسادا من الآخرين. المفاتيح هم كبار الموظفين البارعين في الاختلاس والغش ، والتهرب الوظيفي ، وبيع املاك الدولة لتحقيق المصالح الشخصية عبر الخصخصة وبأثمان بخسة .
تستفيد المفاتيح من خلل السياسة الضريبية المتبعة التي تخلق الهوة بين النفع العام والمنفعة الخاصة لصالح حفنة من الاغنياء والطفيليين وليستفيد قطاع التهريب من فوضى الاسعار وفقدان السيولة النقدية ، وليتحول الفساد الى اخطبوط يلتف حول المجتمع ، وليتحول الابتزاز الى طقس حياتي يومي يمارسه اصحاب الضمائر المتعفنة في ظل العماء العارم ليرتع المفسدون على هواهم وسط لامبالاة واتكالية المجتمع واستمرائه للفساد وكأنه اصبح حقيقة من حقائق الحياة لا يمكن العيش بدونها ! . ويصبح الفساد اسلوبا ونمط حياة في المجتمع ويحاصر من يقف بوجهه .. ويتجلى الطابع الاجرامي للمفاتيح بالابتزاز اليومي في المساومة على امن وكرامة واعراض وارواح المواطنين بالارهاب على طريقتها الخاصة ، فالفساد سمة ملازمة للبيرقراطية المترهلة ومفاتيحها الى جانب الكسب غير المشروع والغش الصناعي والتجاري والتهريب وشيوع مفهوم السلطات – المزرعة. ان الارهاب ليس فقط عبارة عن سيارة مفخخة او شخص يطلق النار على البشر لكن الارهاب ايضا” هو كل ما يتعارض مع مصلحة المجتمع وامنه وازدهاره” والأضرار بالمصلحة العامة . قطع الاتصالات الهاتفية والكهرباء وخدمات المياه عمدا عن الدور السكنية ارهاب وفحوله المفاتيح والخماطون والجهلة .
نظام الواسطة هو جسر العلاقة الفاسدة التي تربط المفاتيح بالشعب . وتحتاج الواسطة الصغيرة في العادة الى واسطة اكبر منها في سلم النظام الهرمي في مؤسسات الدولة والمجتمع ….. ويسود نظام الواسطة ( فيتامين واو ) وعموم الفساد في فترات التراجع السياسي والثوري والانفصام الديني والوطني ، ونهوض الولاءات العصبوية ما دون الوطنية …. بديلا عن القانون والآلهة معا لتتقاطع مصالح الشرائح الطبقية الفاسدة في المنعطفات التاريخية مع هذه الولاءات الرجعية .
الرشوة والتهريب والغش وبيع الوظائف والاختلاس والبيروقراطية والروتين والابتزاز والعمولات والواسطة .. من مظاهر جرائم الفساد في العراق . تعددت أشكال الفساد فمن الروتين القاتل الذي لا يتحرك إلا بالرشوة، إلى الغش وتزوير العلامات التجارية مرورا باستخدام الأساليب العصرية في عمليات الاحتيال والنصب الإلكتروني المنظم التي لا تترك أثرا أو دليل إدانة للجاني. الرشوة لها 4 أركان في معادلة ثابتة على الدوام وهي المفتاح والمواطن الذي يتلقى الخدمة ثم إجراءات العمل وقواعده ثم المجتمع .
المجتمع هو التربة التي تساعد على نمو وانتشار الرشوة أو الحد منها ، وهو ما ينقص العراق في ظل اهتزاز القيم العليا حتى أصبحت الرشوة ومظاهر الفساد وكأنها أقرب الى العادة مما جعلها قيدا أمام التطور الاقتصادي. هكذا أصبح الفساد الاقتصادي يعرف بمسميات جديدة منها الشطارة والفهلوة . ويعتبر المفتاح العمولة غير الشرعية أو الرشوة مجرد تحسين للدخل ، بل اكتسب الفساد موجة من المشروعية في الجهاز الإداري بحصول بعض القيادات على ما لا يستحقون فأصبح الموظفون الصغار يقتدون بالكبار في السلوك غير السليم وخلق نوع من الفساد الشامل . انتشار الرشوة التي هي نوع من الفساد الإداري يتمثل في سوء استغلال الموظف للسلطة الممنوحة له لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة هي في الحقيقة ممارسات غير أخلاقية في الإدارة العامة وتؤدي إلى تعطيل المشروعات وهروب الاستثمار وإهدار المال العام والخاص .الفساد يزداد في ظل ظرفين هما احتكار السلطات والمشروعات والخدمات وانعدام الرقابة الصارمة التي تحاسب كل منحرف حتى لو كان من الكبار!.
المفاتيح وجرائم الفساد وجهان لعملة واحدة . وتتوزع جرائم الفساد اليوم في ميادين اساسية منها شراء الذمم ، وانتشار الرشاوي بنطاق واسع لتمشية معاملات المواطنين في دوائر الدولة ، أعتماد المحسوبية والقرابة والعضوية السياسية الطائفية مقياسا للتوظيف ولتولي المناصب في اجهزة الدولة ، توظيف وتأجير العملاء لملاحقة المعارضة السياسية ، غسيل الاموال القذرة والانتعاش الاقتصادي المزيف ، تقاضي العمولات لقاء الأستثمارات الداخلية والخارجية من الشركات المنفذة للمشاريع الحكومية او الخاصة في العراق ، تهريب موارد وثروات البلاد من دون حسيب او رقيب ، انتعاش تجارة السوق السوداء المهيمنة على التجارة الداخلية والخارجية ، عمليات بيع وشراء العملات الأجنبية بعيدا عن كل الاجراءات القانونية والرقابة المالية، ارصدة الشركات والافراد بالأسماء والعناوين والارقام الوهمية التي تصول وتجول في الاسواق العراقية ونظيرتها العراقية التي تصول وتجول في الاسواق العالمية ، تهريب السلع والمحاصيل الزراعية والعملة من والى العراق ، أحالة المشاريع الأستثمارية الحكومية والخاصة الى تجار السوق السوداء ونفر مدعوم من سلطات الاحتلال والنخب الحاكمة مقابل تقاضى الرشاوي منهم ، محاولات اغراء المواطنين بالمسائل المادية والمالية كاحالة المقاولات اليهم مباشرة من دون الدخول في العطاءات والمنافسة لكسب تاييدهم وولاءهم ، سرقة ونهب ممتلكات الدولة ، تدفق مبيعات النفط العراقي دون رقيب او حسيب او حتى دون وجود اي عداد لأحتساب كمياتها ، انقطاع الكهرباء اليومي ولساعات طويلة وبشكل مستمر ، تردي خدمات الاتصالات وتدني الخدمات الصحية والتعليمية ، تلوث المياه ، شحة المواد الغدائية والأدوية، الغش الصناعي وتزايد عدد الورش والمصانع غير المجازة وبالاخص داخل البيوت السكنية دون توفر الحد الادنى من الشروط الصحية …. كل جريمة فساد يقف وراءها عدد غير قليل من المفاتيح .
تشغل المفاتيح مكانها المناسب ضمن الرأسمالية الجديدة التي تتعامل مع الانشطة الطفيلية وخاصة التجارة وتهريب المحروقات ، وتمارس قطاعات عريضة منها الفساد والافساد، وتنظر الى العراق باعتباره حقلا لاعمال المضاربة، تنشر فيه اقتصاد الصفقات والعمولات، وتقيم مجتمع الرشاوي والارتزاق، وتدمر منظومة القيم الاجتماعية. لثقافة الفساد ابعد الاثر على عملية الاعمار ، عبر الاستيلاء غير المشروع على اموال كان الواجب تخصيصها لاعمار البلاد ، وبالتالي تكون الموارد البشرية في بلادنا هي الخاسر الاكبر في هذه العملية. والفساد في الادارات الرسمية والمؤسسات الخاصة يلغي المنافسة المشروعة، ويزيد من اسعار كلف المـــشاريع والتجهيزات، ويبعد الكفاءات المــــهنية من سوق العمل والتنافس.. ويعرقل خلق المجتمع المتكامل، الذي لمواطنيه حقوق في العمل وفرص متكافئة للابداع في مناخ ديموقراطي وحر، وعليهم واجبات يمليها عليهم شرف الانتماء والمواطنة.
مسؤولو ومفاتيح الدولة العراقية ووجهاء المجتمع ونخبه السياسية يسرقون الأموال ويسلبون بطرق شتى: الرشوة وسرقة الموارد مثل النفط وتهريبه وعقد الصفقات الغريبة العجيبة المريبة بمبالغ خيالية لمواد مستهلكة، فضلا عن الأعلان عن أنجاز مشاريع كبيرة لأبناء العراق لنكتشف بعدها أنها كانت وهمية ذهبت أموالها أدراج الرياح!!… المزيد من تعميم الفساد ! … المزيد من الارهاب .. فالفساد الإداري والفساد عموما يشكل الوجه الآخر للإرهاب من تفجير وقتل وخطف ، لأنه ينهش إقتصاد البلد ويدمر البنية التحتية ويفسد الحياة الإجتماعية ويستغل الإنسان ويخرب حياته ، و تعمل المافيات والعصابات الشللية على عرقلة وتعطيل العملية السياسية أو أي مشروع وطني يخدم الوطن والناس . تتجلى في الفساد السياسي المفاتيح الذهبية للحصول على الغنيمة بأقل جهد واكبر فائدة ، وبالتالي تكريس عشعشة البيروقراطية والطفيلية في قيادات الاحزاب السياسية والسلطات الحاكمة لتعيش في بحبوحة بحكم الامتيازات غير المشروعة واستغلال المراكز الحزبية والحكومية … وحين يعقد الفساد السياسي قرانه الكاثوليكي على الفساد الاداري تدق اجراس العزلة على الشعب ، وتتفكك الولاءات الوطنية والمدنية. يشوه الفساد البنى الاجتماطبقية والنسيج الاجتماعي لتصعد النخب الاقلية ويجري دفع الاكثرية الى القاع الاجتماعي . .. وتحاول المفاتيح الهيمنة على الحركة الانتخابية داخل المؤسسات الحكومية والاهلية وعموم المؤسسات المدنية والاحزاب السياسية والعمل البرلماني . ان الانفاق الباذخ على الحملات الانتخابية يخل بمبدأ تكافؤ الفرص .. كما تسعى المفاتيح عبر الولاءات دون الوطنية الى شراء الذمم والمقاعد لتأمين النفوذ ، مما يوسع من وهن الاحزاب والمجتمع المدني والطبقة الوسطى… الولاءات اللاوطنية وبالاخص الطائفية والعشائرية اي الوشائج الاصطفائية العصبوية .. هي الوسيلة والاداة والاسلوب الاكثر شيوعا وامنا اليوم لنشر الاموال القذرة وغسيلها ، وبالاخص المال السياسي القذر ! .. انها تنشط كأخطبوط وسرطان قاتل تحت حماية الاحزاب – الميليشيات ومفاتبح السلطات الطائفية ولخدمة الانظمة الاقليمية في المنطقة وفي سبيل الكوسموسوقية السلعية (السوق الكونية) لأبتلاع الدولة والمجتمع المدني معا ! .
وجب فتح العمليات التداولية للحكومة أمام نور شمس التدقيق العام. وعلى الإجراءات التشريعية، والإدارية، والقضائية أن تكون مفتوحة أمام الشعب بشكل تلقائي. ان خطر الفساد يكاد يساوي خطر الاحتلال او خطر الارهاب ، و مواجهة الفساد والمفسدين تعتبر من المهام النضالية ذات الأولوية التي يجب أن يتصدى لها كل المجتمع. اما العمل على استئصال الفاسدين والمفسدين لصالح عموم الشعب وإرساء قيم المؤسسة وحكم القانون واستقلالية القضاء ، وتقويض مملكة الفساد حتى لا يطفو على السطح الفاسد غير الكفء وفاقد المصداقية واما القراءة على عراق الخير السلام ! …وعليه ، وقبل فوات الأوان ،وجب فسح المجال للشرفاء ونظيفي الكف والأكفاء لأنهم مهما كان انتماؤهم السياسي أو الفكري أو المناطقي، فهم ممن يعتز ويفخر بهم الشعب .
لا يحاصر الفساد الا بتوسيع رقعة الديمقراطية واطلاق حرية وسائل الاعلام كسلطة رابعة في كشف الفساد الذي لا يعرف الجيل الجديد من ابناء الشعب العراقي الكثير عنه بعد ان رسخته الصدامية في بنيانها المسخ والطائفية الدينية والسياسية في جسدها الوسخ … واتخاذ الاجراءات الادارية والمالية والخلاص من مفهوم السلطات – الدولة – المزرعة ، واصلاح هيكل الرواتب والاجور .