الرئيسية » مقالات » ديناميكية الاستفزاز السني – الشيعي في العراق لماذا وكيف يجر لجم سعيره ؟!

ديناميكية الاستفزاز السني – الشيعي في العراق لماذا وكيف يجر لجم سعيره ؟!

المهندس الاستشاري/ 

حلت رابطة الايمان الديني محل روابط الدم في المدينة المنورة بين المهاجرين والانصار .. عبر عقد (الصحيفة) الذي منحه النبي باسم الله . والعقد ميثاق ازلي لنوع من الاسلام الفطري يعلو على العشائرية كان اساس عقود الخلافة بين الامة وقادتها . والعصر الذهبي في الاسلام هو مرحلة دولة المدينة حتى سنة 37 هجرية وخصوصا عصر النبي من الهجرة الى وفاته ! ..
بعد مقتل علي وقيام الدولة الاموية تركزت المعارضة للامويين في العراق ، وتوزعت ساحات المعارضة على حركات الشيعة ، الخوارج ، القدرية ، الجهمية ، الجعدية … الخ. نعم ، ينقسم الاسلام الى مدارس وطوائف روحية ، وتعتبر معركة صفين 37 هجرية 657 ميلادية تاريخ ظهور الفرق في الاسلام . فظهر الخوارج الذين التزموا بجملة من المواقف والعقائد .. وكذلك الشيعة .. وبقي السنة سلفية الاسلام وعقيدة متنكرة للمذاهب والفرق الاخرى . قضى الايمان الشيعي بجعل الاخلاص للخمسة ” محمد و علي و فاطمة والحسن والحسين(اهل البيت)”بندا اساسيا في الايمان .. اما الايمان السني فجمع بين “عائشة و فاطمة وزينب”. وكما معروف فقد نقل علي بن ابي طالب عاصمته من المدينة الى الكوفة لأنها الاكثر ولاء لعلي . الشيعة هم اول تنظيم سري في الاسلام لأن الخوارج لم يأخذوا بالنشاط السري ! .. وقد استعصوا في الكوفة واعتمدوا على الخلايا السرية التي لعبت فيها النساء الدور الملحوظ .. لكن الكوفة لم تكن شيعية خالصة بل مسرح معظم الفرق والحركات الفكرية والسياسية في غضون العصرين الاموي والعباسي الاول ! وفيهما ظهر المذهب الحنفي كأنضج واوسع مذاهب الفقه السني ! وبقيت الكوفة من مراكز المعارضة للامويين والعباسيين الاوائل ومن ثوراتها المعروفة: حركة محمد بن طباطبا (شيعي) زمن المأمون الا انها لم تكن ثورة شيعية،حركة زيد بن علي زين العابدين (شيعي) والتي ايدها الامام ابو حنيفة النعمان .. وكانت هذه الحركة انشقاق على الزعامة التقليدية للشيعة والتي ابتعدت عن السياسة بعد مذبحة كربلاء . واسهم الشيعة مباشرة في قيادة العديد من الثورات الاجتماعية والانتفاضات الجماهيرية والتي شاركت فيها الفئات الواسعة من الكادحين والمستضعفين وبالاخص الفلاحين ..كثورة الزنج في جنوب العراق والثورة القرمطية في البحرين ..
المذهبية الطائفية في الاسلام هي آيديولوجية التمايز الديني والقومي كانقسام الاسلام الى سنة وشيعة وخوارج … والسنة الى حنفية ، شافعية ، مالكية ، حنبلية ( الوهابية – تجديد للحنبلية ) ..الخ..والشيعة الى جعفرية ، اثني عشرية ، زيدية ، اسماعيلية ، كيسانية … الخ . وتحددت الاصول الاولى المشتركة للنظرية الشيعية بعد انقسامها الى عدة فرق وطوائف في : كون السلطة في الاسلام حقا آلهيا اي.. السلطة لله.. ولا سلطة للامة ، ومادامت السلطة بيد الله فليس للامة الحق والاذن ان تختار صاحب هذه السلطة ، وان الله اختار عليا بن ابي طالب وصيا واماما وخليفة بعد محمد على المسلمين ثم اولاده من بعده(اما ترتيب تسلسل الاولاد فيختلف باختلاف الفرق الشيعية)، والامامة …هي ركن اساسي في العقيدة الشيعية.ومؤسسو التشيع الذين سماهم الشيعة الاركان الاربعة هم : عمار بن ياسر ، ابو ذر الغفاري ، سلمان الفارسي ، حذيفة بن اليمان او المقداد .
يبدأ التأسيس الشيعي الاثناعشري من محمد الباقر اخو زيد .. و محمد الباقر ينتظم في سلك القيادة التقليدية التي ابتعدت عن السياسة . وسار ابنه جعفر الصادق على نهج ابيه مؤسسا المذهب الجعفري في الفقه ! لم يظهر التشيع في الحجاز حيث عاش الباقر واحفاده بل في العراق .في القرن الثالث الهجري ظهر التسنن وفي العراق ايضا بدعم من الخليفة العباسي المتوكل .. وكان الشاعر علي بن الجهم اول من استعمل مصطلح سني في شعره ! واخذ التناحر بين الشيعة والسنة يطفو على السطح مع بداية العصر البويهي في بغداد . وصعد السنة من نشاطهم لا ضد الشيعة فحسب بل ضد جميع الفرق الاسلامية والمدارس الفكرية من الخوارج والباطنية والقرامطة والمعتزلة والفلاسفة والمتصوفة ، وليتوجه اللاهوت السني ضد المخالفة والمعارضة أجمع ! وليسوء وضع الشيعة اثر زوال الدولة البويهية ..
مع نشوء وشيوع المذاهب الفقهية رسميا وابتداءا بالمذهب الحنفي العراقي النشأة ظهرت جليا جهود خلفاء الدولة العباسية والسلاطين البويهيين في قبول وتعايش اكثر من مذهب في اطار المدرسة او المسجد . مقابل محاولات السلاجقة والعثمانيين فرض المذهب الواحد وسيادة الرأي الواحدة رغم وجود الاتباع الكثر لباقي المذاهب . تغلبت السلفية الدينية بعد ظهور السلاجقة الذين تبنوا العقيدة السنية في مساقاتها الاكثر جمودا وفق مبدأ ” من طلب الدين بالكلام الحد “. السلاجقة فرضوا الشافعية ، والعثمانيون فرضوا الحنفية .. وبذلك اسسوا لتجسيد الفكر الواحد اي تحريم غيره بالوسائل المتاحة ! في تلك الآونة شاع التغيير المذهبي الموسمي بين الفقهاء والقضاة.
من المعروف ان ابو يوسف الانصاري يعتبر اول من خوطب بقاضي قضاة وهو صاحب ابي حنيفة ! ومن مريديه الاوائل . لقد تبنى العباسيون الاوائل المذهب الحنفي .. ومن اشهر المدارس التي استوعبت المذاهب السنية الاربعة : الشافعية ، الحنفية ، الحنبلية ، المالكية .. المدرسة المستنصرية في بغداد ، المدرسة البشيرية ، المدرسة العصمتية وكلها في بغداد … ولم تراع الدولة العباسية المذهب الشيعي الجعفري . هدمت الدولة الصفوية مشهد الامام ابي حنيفة في مقبرة الخيزران في الاعظمية شمال بغداد واعادت بناءه الدولة العثمانية .. اعلن الشاه اسماعيل الاول مؤسس الدولة الصفوية سنة 1501 في تبريز المذهب الشيعي الامامي هو المذهب الرسمي للدولة ! .. وكلف موظفا اسماه ( الصدر ) للسهر على نقاوة العقيدة .. وظلت الامامية الدين الرسمي لايران .. واضرحة الائمة في قم و مشهد مزارة كثيرا .. وبقي التمجيد لفارس الملوك العظام ! … يذكر ان الحركة الصفوية ( من صوفي ) قد ترسخت في القبائل التركمانية وادت الى تأسيس السلالة الصفوية ( 1501 – 1732 ) .ومنذ سنة 941 هجرية ساء وضع الشيعة الأثني عشرية تحت الحكم العثماني للعراق ، وجعل الصفويون من هذا الوضع ذريعة للتصادم مع العثمانيين والنزاع على العراق ! ثم تكرست رموز الاستفزاز السني – الشيعي المتبادل ! في هذه الخلافات المذهبية تبرز المواجهات والتعصب والطائفية .لكن التشيع في منطلقاته الاولية وحوافز الوعي الاخلاقي – السلوكي تشبث بقيم اسلام الدعوة والرسالة ومبادئ الامام علي بن ابي طالب “ع” والامام الحسين “ع” ..اي بالرصيد الذي لم تشوهه بعد مهارة الجدل ومكر السياسة ومصالح السلطة ومظاهر الارتزاق والارهاب والقمع الفكري … بالرصيد الذي جله تجديد الحقيقة والتسامي الاخلاقي وشهداء الفكر !.
اقامت الحركة الشيعية دولا لم تخرج من اسر العلاقات العبودية – الاقطاعية حيث توافقت المؤسسة الدينية قرونا مع هذه العلاقات …. كطبرستان الزيدية ، البويهية ، الفاطمية الاسماعيلية ، الحمدانية الاثني عشرية ، النزارية ، الجلائرية ، الصفوية ، الافشارية ، الزندية ، الخمينية ..الخ..في المقابل ومن الحركة الشيعية ظهر العيارون والشطار لمعارضة ومقاومة قمع السلطات الاسلامية والذين انخرطوا فيما بعد بمنظمة الفتوة التي أدارتها الدولة في عهد الناصر لدين الله ، محاولة لأحتوائهم واسترداد السلطة على الاقاليم ! . وارجع الفتيان تنظيمهم الى علي بن ابي طالب مستندين الى حديث ( لا فتى الا علي ) ! واشاعت عقائدهم الاخاء والتودد والتسامح واسداء الخير عملا بالآية الكريمة ( انما المؤمنون اخوة ). وكان سلمان الفارسي الشيخ الاكبر للنقابات الاسلامية – جماعة اصحاب الحرف المسلمين في الشرق – ورابع مشدود ، شد من 17 الى 57 من الاسطوات (مؤسسي النقابات ) وهم من مساندي الطرق الدينية المختلفة ونظرات الغنوصية الشيعية !.
من اهم الدول الشيعية في التاريخ :

الدولة
التاريخ الهجري طابع الدولة
طبرستان 220 – 316 علوية زيدية
البويهية 320 – 447
الفاطمية 297 – 567 اسماعيلية
الحمدانية 317 – 394 اثني عشرية
النزارية في ايران – 654 اسماعيلية
اليزيدية في الحلة 403 – 545 امامية
الجلائرية
الصفوية 905 –
الافشارية 1148 – 1160
الزندية 1172 – 1193
الخمينية 1979- اثني عشرية

لم يحكم تاريخ الاسلام الاستفزازات الطائفية المتبادلة او الصراع الطائفي بين السنة والشيعة بل كان الصراع الاكبر بين السلطات والمعارضة اي الصراع الطبقي الاجتماعي … وكذلك الصراع بين الدين والثقافة اي بين السلفية الخالصة والفكر الاسلامي النير في مدارسه واجتهاداته المتنوعة .وبقت الطائفية مرادفة للدولة التسلطية ..
كانت الفرق الخارجية هي اول من احدث في الاسلام التكفير عن الفرد والبراءة منه ! وفرض الهجرة عليه ، واباحة السبي والاغتصاب ، وقتل اطفال المخالفين بغير ذنب …. اما الانتقال من مجتمع قبلي مجزأ الى دولة مركزية اقطاعية ثيوقراطية فقد وجد تعبيره الساطع في فكرة التوحيد الوهابية – ممارسات طقوسية اعتقادية هيمنت على الوعي الديني للبدو والقبائل المنعزلة في الجزيرة العربية، وتنتمي الوهابية الى الحنبلية الا انها تعتبر مذهبا مستقلا متزمتا ومتشددا يعتبر كل من هو خارجه ليس مسلما !ودعم الانكليز الوهابية التي يعتنقها حكام السعودية ، وتضيق الوهابية معنى الاسلام وتتوسع في مفهوم الشرك بحيث لا يصدق التوحيد عليها ، ويعود المذهب الى محمد بن عبد الوهاب من نجد .
عند الاشعري انقسمت الامة الى 94 فرقة دون المعتزلة واهل السنة والجماعة ، وهي 33 فرقة خارجية و45 فرقة شيعية و12 فرقة مرجئية ..اما الغالية فهي فرقة شيعية تقسم بالغلو في علي . من ضحايا القمع السياسي والفكري في الحضارة الاسلامية المتكلمون – انصار علم الكلام والفلاسفة والزنادقة والمتصوفة والعلماء بالمضايقات واخذ البراءات منهم والمقاطعة والتشهير والحبس والنفي والقتل و حملات الابادة واتلاف الكتب .
التطرف الشيعي اعتبر علي اماما معصوما من الخطأ كالرسول من حيث العصمة ، واعتباره افضل أهل زمانه واعلمهم .. وهذا ينطبق على الائمة بعده من اولاده ، فالجميع معصوم وافضل اهل زمانه واعلمهم .. ودخل التطرف الطائفي الى النظرية الشيعية عن طريق الحركة الكلامية والفلسفية لصياغة التفكير المذهبي وادارة الصراعات السياسية الحزبية .. وتعتبر الكيسانية من الفرق الشيعية المتطرفة والتي ارتبطت اساسا بجماعة من الموالي وتآلفت مع المرجئة ( من مناصري الحياد والانتهازية ومن اتباع السلاطين والسلف البعيد لأهل السنة )! .. كما كان محمد بن عبد الكريم الشهرستاني من مؤرخي فلسفة التطرف الشيعي … كما أسهم الطابع العنصري الفارسي في تأجيج التطرف الشيعي وتشويه الروحانية الشرقية للشيعة ، المتناغمة مع الهرمسية السحرية الاغريقية واستفهام الافلاطونية المحدثة ، والتي أغنت الاسلام الفكري واشبعت النوازع الروحية للناس وغذت ظاهرة الزهد والتصوف لمعارضة الاوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة في ظل عهود الاستبداد ، وفي ظروف ازدياد التمايز الاجتماعي الفاحش بين اثراء الحكام المفرط وافقار وتهميش الفئات الاجتماعية العريضة ، وخلق الصيغ الجامدة الضيقة للتشيع وفرض الخط الواحد من التأويل بالقوة والقسر والعنف والارهاب ، واشاعة الطائفية السياسية التي ولدت الارثوذكسيات المتصلبة المتنافسة اي الصيغ الجامدة الضيقة للدين وسموه ! والتي اكتسبت الاهتمام المتزايد مع الثورة الايرانية 1979.
تكمن الجذور التاريخية للطائفية السياسية في نظام الملة العثماني الذي قضى بان ينضم جميع الرعايا العثمانيين من غير المسلمين في طوائف مستقلة يرعى شؤونها رجال الدين وتخضع لسلطاتهم القضايا المتعلقة بالاحوال الشخصية ! وعمد الانكليز على تأسيس النظام الطائفي في العراق بالضد من الشيعة وخلت حكومة النقيب من اي وزير شيعي ، وحرم الدستور العراقي في حينه قسم كبير من الشيعة من تقلد منصب رئيس الدولة بحصر ان يكون اصله ومنشأه من اسرة عراقية تحمل الجنسية العثمانية عام 1900 . وقدست الجنسية العثمانية لأسباب طائفية محضة !. واندفعت القيادات الحاكمة للاحتماء بالمؤسسة العسكرية العربية السنية تكريسا للطائفية بسبب تحديات تنامي نفوذ العشائر الشيعية المسلحة والمعارضة السياسية …. واسهم تشيع العشائر بسبب الاحتكاك مع التجار الشيعة في تنامي تراتبية الهرمية الحاكمة ضمن العشائر ، وظهرت الشخصيات الاجتمااقتصادية والدينية بين العشائر ، وهي سمات انفرد بها الجنوب العراقي والفرات الاوسط والقبائل التركمانية المتوطنة والكرد الفيلية … عموما بقت العشائر يحكمها القانون العشائري اكثر مما تحكمها الشريعة كما طورها وفسرها الشيعة ومراجعهم … وعلى النقيض من التفاعل الوثيق بين تجار البازار والعلماء الشيعة في ايران فان التجار الشيعة في العراق لم يكونوا على استعداد لضخ الموارد المالية لدعم المرجعيات الدينية .
وجه قيام العراق الحديث كدولة هيمن عليها السنة الضربة الموجعة الى مواقع الاسلام الشيعي في البلاد، كما نجح الحكام السنة في سحب البساط من تحت السلطات التي مارستها تقليديا المؤسسة الدينية الشيعية والتي اتخذت من العتبات المقدسة مراكزا لها . وبلغت المشاعر الطائفية اوجها عام 1965 واقوى مما كانت عليه عام 1955 .. وتزايدت هذه المشاعر اليوم بسبب الفراغ السياسي وقمع الانظمة الشمولية والاحتلال الاميركي . لكن فصول التكامل السياسي الاجتماعي على طريق الوحدة الوطنية العراقية سارت قدما منذ ثورة العشرين ، ولعب التاجر الشيعي جعفر ابو التمن دوره البارز في هذا المضمار ! .
بعد 1941 حصل الانحياز الكامل للنظام الملكي الى صف الانكليز وفقد سمة كونه رمز للامة والشعب الواحد !. وصعد التجار الشيعة الى المرتبة الاولى في التجارة ببغداد بعد تسفير اليهود عام 1941 – 1949 غير ان دورهم لم يحسم في المناصب الحكومية ( حكومة سنة ، واقتصاد شيعة ) .. وتصاعد جرس الانذار الطبقي في المجتمع ولم يعد بمقدور السلطات الاحتفاظ بالموازنة الطائفية والطبقية في أن واحد . ومع ثورة 14 تموز 1958 بات الشيعة يشكلون الغالبية في بغداد بسبب هجرة الفلاحين من الريف .. جاهر عبد السلام عارف بعدائه للتشيع بحجة انتساب بعض قيادات الحزب الشيوعي العراقي الى المذهب الشيعي ، وبهدف كسر شوكة المرجعيات الدينية الشيعية وتهميش دور الشيعة في الاحداث السياسية بالعراق واشغالهم المناصب الحكومية العليا في الدولة .. وسار صدام حسين على هدى الطائفية العارفية ، وهي سياسة انتفض الشعب العراقي عليها مرات عديدة . كان غياب أية مشاركة فعلية للشيعة في العملية السياسية عاقبة من عواقب دكتاتورية صدام حسين المطلقة !… والامر الذي فتح الباب على مصراعيه لأنتعاش الحركات السياسية الشيعية اي الطائفية السياسية وتمأسسها على غرار الاحزاب المسيحية الديمقراطية في اوربا ، ولكن بتزمت هذه المرة !.ان انتشار الافكار والقيم العلمانية وسط المثقفين وشرائح من شيعة المدن اضعف بالطبع سطوة المعتقدات الشيعية القديمة لكن طائفية السلطات الصدامية ساعد على التأثر السريع بافكار الطائفية السياسية الشيعية وبالاخص اصوليات حزب الدعوة الذي تجذر راديكاليا في فترة ازمة نهر الفرات بين العراق وسوريا ومع اندلاع الثورة الايرانية 1978- 1979 .
الطائفية السياسية الشيعية انبثقت من الفئات الاجتماعية الوسيطة والتقليدية من التجار وكبار ملاك الارض والاقطاعيين بمضمون احتجاجي ليس معاديا للرأسمالية بل لشرورها فقط ! .. ودعت معظمها الى نظام الفقيه – الولي واخضاع الدستور والحياة السياسية لأحكام الشريعة حسب المذهب الاثني عشري والنموذج الخميني الايراني .. واقتصاديا يمكن التمييز بين الشيرازية التي تدافع عن العلاقات العبودية والاقطاعية والرأسمالية ، والصدرية التي تتستر على المحاصصات الاقطاعية في اطار الدعوات الاصلاحية الجزئية التي تقيد سوء استخدام الملكية الرأسمالية فقط ، والمدرسية التي تدعم العمل التعاوني في المجتمع والنزعات الاصلاحية البورجوازية الصغيرة !. وتخضع المرجعيات الشيعية كمؤسسة انتاج فكري للطبقات المهيمنة على الانتاج المادي، ومصالحها تبقى مغايرة لمصالح جماهير الشعب رغم تمشدقها بالدفاع عن الشعب على طريقة التهريج الميكافيلي الممهد للنظم الشمولية ، ومحاولة قولبة الوعي الفلاحي والبورجوازي الصغير الغيبي المحدود الافق وملء الفراغ السياسي … لنجدها اما مالكا اقطاعيا ( اوقاف وحبوس ) ، او طرفا منخرطا في العلاقات الرأسمالية … ويتحدد سلوكها السياسي والاجتماعي على سبل حصولها على اسباب العيش !. وعادة تلجأ الادارات الاستعمارية الى سلاح التأويل السلفي للدين كتحديد امامة الاخوان المسلمين ( محمد محمود الصواف ) وحض المرجعيات الشيعية على التطرف والتعصب والتحزب لمواجهة المد الديمقراطي ! .وتغفل هذه الادارات ان الشيعة انشقت عن المعسكر السلفي مبكرا .. في الوقت الذي يؤكد التراث الهرطقي للشيعة ان الزعامة الشيعية التي اطاحت بالشاه لا تستند في علاقتها بمشروع الحكم الديني الى اساس تاريخي ، اما النجاح في اسقاط الشاه فيرجع أصلا الى التراث الكربلائي الذي دخل تاريخ الثورات الاجتماعية وليس تاريخ الاديان ! .. ان احتكار العلماء الشيعة لصياغة نظرة اتباعهم للعالم والذي كانوا يتمتعون به حتى العشرينات تحطم بسبب التحضر والتعليم الحديث وتغلغل التأثير العلماني ! وتراجعت الولاءات القديمة دهرا من الزمن وهم لا يتمتعون بالسيطرة على الاوقاف الثرية كما يفعل اقرانهم السنة ! وانخفضت مساهمات الزكاة ، الخمس ، رد المظالم ، الصوم والصلاة عند الشيعة ..
يتجسد التطرف الشيعي اليوم في استغلال العلاقات العصبوية والباطنية لتكريس الهيمنة السياسية بالتجسس والمخابراتية واشاعة الشمولية وبميكافيلية التقاريع العزائية كاللطم وشج الجبين حتى تسييل الدم ! وبالتهريج والارهاب الاسود لفرق الموت والاجراءات العقابية بالتهديد والوعيد والابتزاز والاقصائية والمحاصصاتية والاعمال الانتقامية والاعدامات الجماعية باحياء الاستبداد الصدامي بقوس قزح مجدد مثلما يحصل اليوم في العراق برعاية عصابات اللوبي الشيعي ، وبحجة الرد على الارهاب الاصولي ضد الشيعة ، واستجابة لمخططات الاستراتيجيات الفائزة لتحويل الارض العراقية الى ميدان استقطاب للارهاب والتطرف العالمي . ويتجسد التطرف الطائفي المضاد في استغلال العلاقات العصبوية والباطنية لتكريس الولاءات العصبوية وبالارهاب الاسود للميليشيات المتطرفة والاجراءات العقابية بالتهديد والوعيد والابتزاز والتهجير القسري والمحاصصاتية والاعمال الانتقامية والاعدامات الجماعية ايضا!. مافي حد احسن من حد !.
ردا على التطرف الشيعي المعاصر في العراق نبز التطرف السني والخوارجي عبر فتاوي التكفير والعنف الميليشياتي والارهاب ضد المدنيين الابرياء . قبل ذلك كان التطرف الشيعي هو رد فعل على طائفية السلطات السنية .ان السلطات في بلادنا هي المصدر الرئيسي للتطرف ومرجعه الاول والابن الشرعي لها لأنها التطرف الاصلي وتتشتت منها الوان التطرف الاخرى. والتطرف المعارض هو استطالة للتطرف السلطوي الاصلي وامتدادا له ويدفع بالاصلي الى تخوفه الاكثر اتساعا وعنفا كما لو كان يعيد انتاج التطرف الاول ويضيف اليه تطرف جديد .التطرفان يدمران المجتمع ويقوضانه ..
اصوليات التطرف الطائفي تعبير عن عجز الحركات السياسية والفكرية في وضع الحلول المقنعة للمعضلات القائمة ، و المغالاة في رفع شعارات الماضي البراقة ! .. وبرامجها قصاصات من نصوص وتراثات مبهمة اي برامج منفصمة عن الواقع وقاصرة عن اصلاحه وتطويره !. والعقل الطائفي – عقل ايماني متمترس برؤياه ورؤيته وبفهمه المغرض للنص .. واذا كانت الطوائف متعددة وتدين كل منها الاخرى فكذلك عقلها متعدد ويدين كل منه الآخر.العقول المتزمتة تصنع اللاوحدة والتفرقة الطائفية . والعلمانية تضعنا امام عقل ديني واحد وعقول ايمانية متعددة بتعدد الطوائف والمذاهب وحتى الافراد. العقل الطائفي يؤرخ ويعيد كتابة التاريخ واستحضار مأزقه وفق اسس وتصورات ومقاصد أضيق مما كان في الماضي . والطائفية مرادفة دائما للسلطات التسلطية . وتتداخل في الطائفية اضافة الى الدين العصبيات الجهوية والعشائرية اي الطائفية – هي عصبية اجتماعية في لعبة الولاء والسلطة .
لم يعط الاسلام لا للخليفة ولا للقاضي ولا للمفتي ولا لشيخ الاسلام ولا لآية الله ولا للولي الفقيه ولا للسادة أية سلطات في مجال العقيدة او سن التشريعات . ومهما كانت الصلاحيات التي يمتلكونها تبقى سلطاتهم مدنية يحددها الشرع الاسلامي والشرعية الدولية لحقوق الانسان ! . ولا يحق لأحد منهم القيام بالرقابة على العقيدة او على ايمان الفرد او ان يطلب اليه ان يدافع عن شكل تفكيره !. ولم يحكم تاريخ الاسلام الصراع الطائفي بل الصراع بين السلطة والمعارضة اي الصراع الطبقي الاجتماعي ، الصراع بين الدين والثقافة اي بين السلفية الخالصة والفكر الاسلامي التنويري في مدارسه واجتهاداته المتنوعة !.. ان انتشار الفكر الديمقراطي وقيم الحداثة والحضارة والتعليم الحديث وتراجع الولاءات القديمة وخاصة العشائرية … يضعف التمسك بالمعتقدات الشيعية – السنية – الخارجية القديمة والمعايير والممارسات التقليدية ويحجم الميول الطائفية واصولياتها … ولكن تبقى الشركات الاحتكارية متعدية الجنسية التي تسعى دائما وأبدا الى تحويل الامم الى اسواق والشعوب الى زبائن ناشطة في مجال أنعاش التعصب المذهبي والطائفي والعرقي والديني … وهي شركات باقية مادام الاحتلال باق … فاللاأخلاقية الاستعمارية هي العامل الاساسي في تكريس تعقيدات الواقع العراقي الراهن وأشكالياته ، وطابع الولاءات اللاوطنية السائد والصبغة الطائفية !. وتقوم الادارة الاميركية بابتكار آليات العمل الجديدة واستحداث الممارسات التي تنحصر مهمتها في تطويق حركة المجتمع العراقي وقمع عوامل التململ والرفض فيها ! وتحويل أجزاء واسعة منها الى جبهة مراقبين والتخويف بهم ! .. فبعد ان عجز مجلس الحكم والحكومات العراقية في احتواء وتقييد حركة الشعب العراقي لجأت الادارة الاميركية الى احياء الطائفية وزقها بالمال والجاه والوقار والفتنة والسلاح .. طائفية اليوم تتولى مهمة الحجاب الامامي الذي يقوم بالاخطار عن التحركات خارج الاطر السلطوية ، والحاجلة التي تسحق الرافضين من عامة الشعب وملاحقة ناشطيهم ! .وعليه علاقة الادارة الاميركية والنظام الايراني معا بالطائفية في العراق هي لعبة سلطوية لتوسيع الاختراقات ومناطق النفوذ !…