الرئيسية » مقالات » القضاة وحرية اصدار الاحكام في العراق

القضاة وحرية اصدار الاحكام في العراق

المهندس الاستشاري/

القضاء دعامة المجتمع القانوني الذي يحقق الطمأنينة والاستقرار ويصون الحقوق وتحترم به حقوق الانسان . وقد نبهت الشرائع السماوية والقوانين الوضعية الى ذلك … لأن مهمة القضاء فصل الخصومات التي لا يخلو منها مجتمع ، وهو تجسيد لصورة القانون في اتم وجه … ولا يكفي اقرار القواعد القوانينية سلامة الحياة الاجتماعية وكفالة نظامها . وفي ” مبادئ الامم المتحدة الاساسية بشأن استقلالية السلطة القضائية ” لسنة 1985 ورد 20 بند ومبدأ حول استقلالية القضاء وحرية التعبير وتكوين الجمعيات والمؤهلات وشروط الخدمة والحصانة والسرية المهنية والعزل…
استندت قوانين وتشريعات العراق القديم ومنها قوانين اورنمو و اوروكاجينا و اشنونة و لبت عشتار و حمورابي و اللوائح القانونية للآشوريين على قاعدة المزج بين الدين والسلطة وصرامة ايمان الناس بالآلهة والدين وتكريس سيطرة الملك الكلية على الدولة والمجتمع،والتمايز القائم بين الفئات الاجتماعية.وبقيت الفردية والاستبداد من اهم خصائل حكام العراق قبل وبعد الفتح الاسلامي واستبدلت الآلهة الكثيرة العدد بالآله الواحد والكهنة برجال الدين والمعابد بالجوامع.وعمد الخلفاء وبالضد من مبدأ الشورى الى فرض انفسهم على الناس بالقوة والنار والحديد وكرسوا عمليا مبدأ توارث الخلافة.لقد تميزت السياسات التي انتهجها الخلفاء والولاة والوزراء والامراء والسلاطين بالفردية والاستبدادية والبذخية المترفة.وجاء الانكليز ليكرسوا الاوضاع غير الديمقراطية في العراق ويساهموا في تشجيع الاستبداد بالضد من ارادة الشعب العراقي ويكرسوا النموذج الطالح لسلوكيات الدولة ازاء الشعب والمعارضة السياسية بهدف تمرير المشاريع الاستعمارية وتعميق الخلافات المذهبية والطائفية والقومية .
كان تشجيع بريطانيا للولاءات دون الوطنية وتحفيزها حراك المجتمع الاهلي هو سياسة ثابتة متعمدة لبناء المؤسسات السياسية التي أقامتها وفق مظلة الأفكار الأبوية والطائفية،والإبقاء على البنية التقليدية بكل هياكلها الأساسية، واسناد الثقافات الخرافية السحرية الغيبية والظلامية،والعشائرية والطائفية والأمية والذكورية سائدة بين الشعوب.وحتى حين نشأت الحركات التحررية الوطنية والقومية و الدينية المختلفة،فإن هذه الحركات واصلت إعادة إنتاج الثقافات دون الوطنية و العابرة للوطنية والتخلف والجهل ، حين أضفت على العرب والكرد والاسلام طابعا سحريا كأمم غير مقسمة طبقيا، ومتحدة في جوهر غيبي خارج تحليل التاريخ.
لقد أقام الإنكليز توازنهم للقوى السياسية الداخلية في سبيل أحكام السيطرة على العراق وتمرير المشاريع والخطط وقد ادخلوا المؤسسة العشائرية في اللعبة. وثبت اعتراف حكومات الاحتلال البريطاني والحكومات العراقية المتعاقبة بالنظام القبلي .. ثبت العلاقات الاقطاعية العشائرية عبر سلسلة من القوانين الوضعية في مقدمتها نظام دعاوي العشائر لسنة 1918 وتعديلاته. واستخدمت سلطات الاحتلال والانتداب البريطاني قانون العشائر وسيلة للتأثير على ابناء العشائر وللتلاعب واختلاق الفتن والمشاغبات بين العشائر والافخاذ والبطون والبيوتات والافراد . أجاز نظام دعاوي العشائر تشكيل المجالس(المحاكم القبلية)واحالة المتخاصمين من أبناء العشائر بأمر الحاكم السياسي اليها، والعرف العشائري قواعد تبنى عليها الأحكام وتسمى(سواني)والمتخصص بعادات العشيرة يدعى العارفة ، وكان هذا القانون خطر على وحدة المجتمع لأنه يقسمه الى قسمين يخضع كل منهما لأحكام قانون خاص يختلف عن الآخر.
• الاستقلالية القضائية
الاستقلالية القضائية من المقومات الأساسية التي تساهم في تثبيت دعائم العدالة والقانون، وفي رفع مستوى الأمن وتجسيد مفهوم الاستقلالية . ولايمكن الاطمئنان الى قضية الحقوق الا بوجود قضاء مستقل. كان توكيد الاستقلالية القضائية وخضوعها لضمير القاضي وحده في مباشرة وظيفته دون ان يكون لغير القانون سلطان عليه في فصل الدعاوى والحكم احد اهم معالم المجتمع المدني ومن اكثر المكونات الأساسية للديمقراطية السياسية حساسية .. ان أهم معلم في المجتمع المدني هو الشرعية الدستورية ومقاومة فرض نماذج عن طريق شرعية القوة ومنطقها الفج في العمل السياسي نتاج عصر الانقلابات العسكرية .. المجتمع المدني خال من الرعب المحلي والرعب المصدر الى الآخرين ، ويتيح للجميع الشروع بتكوين نماذجهم في التعاون والتنافس اللائق غير المسلح ، وهو مجتمع المؤسسات الذي يقاوم الأنظمة الشمولية والفردية والعسكرية ، ويتيح استعادة السلم الاجتماعي بتدرجاته المختلفة ليقترب من المستوى الممكن من العدل والتوزيع المنصف للأدوار في الحياة ، وليحل الولاء للمجتمع الذي يضم الجميع بدل الولاء للأحزاب والمذاهب والأفراد والقبائل ، وهو مجتمع يحد من سلطة الدولة ويمنع تلقائيا من ان تقفز شرائح غريبة عن النمو الطبيعي للمجتمعات الى سدة الحكم لتحرر عقل المغامرة وتبقي باب الاحتراب مفتوحا . من أهم مقومات انبعاث المجتمع المدني هو الفصل بين الدولة والمجتمع والفصل بين السلطات الثلاث : التشريعية والتنفيذية والقضائية. ان أهم أساس في بنيان المجتمع المدني هو القانون او السلطات القضائية او دولة وإدارات وسلطة القانون . فالمعايير القانونية صمام أمان الحريات والتعددية السياسية والفكرية والحزبية والتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع وآليات النظام السياسي الشرعية وبضمان الدستور . . كتب ماركس عام 1842:”حرية التجارة ، حرية التملك ، حرية الضمير ، حرية الصحافة ، حرية القضاء … هذه كلها أنواع لاصل واحد متشابه هو الحرية بدون أي اسم محدد”.ويؤكد ( محمد عابد الجابري ) ماهية المجتمع المدني بأنه الإطار الذي تنتظم فيه العلاقات بين أفراده على أساس الديمقراطية ويمارس فيه الحكم على أساس أغلبية سياسية حزبية وتحترم فيه حقوق المواطن وتقوم فيه دولة المؤسسات بالمعنى الحديث للمؤسسات : البرلمان والقضاء المستقل والأحزاب والنقابات والجمعيات … الخ .
تعني نظرية فصل السلطات الدستورية الاستقلالية والحرية للسلطة القضائية بما يتيح لها ممارسة دورها المهم في بناء دولة القانون وترسيخ مبادئ العدالة، وقدرة السلطة القضائية على الحركة وحرية الأداء والتطور ضمن دائرتها، وعدم تأثرها بالمواقف السياسية للسلطة التنفيذية ، ودون إن تتقيد بمراقبة السلطتين التنفيذية والتشريعية أو تدخل أي منها في عملها أو في قراراتها..وتضمن الاستقلالية القضائية ضمان حقوق الناس وحرياتهم ومنع السلطات الاخرى من التدخل في اعمال القضاء او اغتصاب سلطته عبر سطوة كبار موظفي الحكومة وممثلي البورجوازية البيروقراطية والكومبرادورية والطفيلية وكبار المقاولين اي ضمان دفع اي اختلال يساور الاجهزة القضائية في مواجهة التدخلات غير المشروعة والتي قد تدعمها بعض القوى المؤثرة في المجتمع وفي مواقع اتخاذ القرار بغرض ارباك العدالة الاجتماعية وتجاوز موازين الحق وتأويل نصوصه الى غير مراميها….بمعنى اخرى تضمن الاستقلالية القضائية التزام المؤسسة القضائية بالحيادية وعدم الانحياز لأية جهة كانت، وعدم إخضاع المؤسسة القضائية او قراراتها ليس فقط للسلطة التنفيذية وإنما حتى للمصالح الخاصة والسياسية منها ، وبالتالي عدم تمكين تلك المصالح من النفاذ داخل جسد القضاء، وتمكنها من أحداث شروخ تحرف القضاء عن مسار الاستقلالية والحياد التي يتطلبها الواقع العراقي الجديد ومتطلبات العدالة والقانون .
وتضمن الاستقلالية القضائية ليس فقط قدرة القضاء في التطبيقات القانونية السليمة للقوانين، وحسم القضايا وتطبيق معايير العدالة والقانون بحيادية وعدالة، وإنما قدرة المواطن من مقاضاة أي مركز من مراكز السلطتين التشريعية أو التنفيذية أمام القضاء في حال شعوره بخرق الدستور أو العمل بما يخالف النصوص القانونية…كل ذلك يستلزم جملة من الضمانات الاساسية للقاضي تمكنه من مقاومة الضغوط التي قد تسلط على خياراته و اختياراته بمناسبة تعيينه او ترسيمه او استكمال مقومات هيبته واحترامه وحياديته و نزاهته الامر الذي يساعده على تركيز السلامة والعدالة الاجتماعية وتنشيط عوامل النهضة في المجتمع. وعليه القضاء كمصدر للقانون هو استقرار المحاكم وتقدمها المستمر في السير على قواعد معينة ، وتشمل السلطة القضائية مجموع المحاكم الموجودة في الدولة لتطبيق مجموع الاحكام التي تصدرها في سبيل فض النزاعات بين الناس .
• مصداقية الدساتير العراقية
من المضحك – المبكي ان تنص جميع الدساتير التي حلت في العراق منذ بواكير تأسيس الدولة العراقية مرورا بالدساتير المؤقتة وحتى الدستور الدائم الأخير الذي صوت عليه في 15 تشرين الأول 2005 ، على استقلالية القضاء العراقي…. لكن لم يكن هناك أي تجسيد حقيقي لهذه النصوص وللاستقلالية بمعناها الدقيق بل ولم تتوفر المصداقية والارادة الحرة ، مما أثر على دور القضاء العراقي وساهم في تراجعه والإساءة إليه . وساهم في هذا التراجع الخطير استبدادية الحكام وشمولية الانظمة السياسية وسياسات الترهيب سيئة الصيت الامر الذي جعل المحاكم العراقية في عهد صدام حسين مثلا يجر التندر بها عند القاصي والداني.
واكدت على استقلالية القضاء العراقي كل من القانون الأساس العراقي الصادر في عام 1925،الدستور المؤقت للجمهورية العراقية الصادر في 27 تموز 1958،الدستور المؤقت لعام 64،الدستور المؤقت لعام 68،قانون أدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية… ونصت المادة 233 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على معاقبة كل من يحاول التدخل في عمل القضاء أو التأثير على قناعات القضاة القانونية بأية طريقة بالحبس مدة لاتقل عن ستة أشهر ، واعتبار ذلك فعل جنحة ! .. ويبدو من ذلك مقدار الشرخ الكبير الذي عانت منه السلطة القضائية العراقية عندما لم تجنح المحاكم ولو لمرة واحدة لمساءلة أي مسؤول قام بالتدخل أو عمل على تغيير قناعة القاضي طيلة قرن كامل … رغم اعمال القمع والارهاب الجماعي والاعدامات والاغتيالات بالجملة والتهجير القسري والقادسيات الكارثية والانفاليات…
في 28 تشرين الثاني من عام 1917 تم تأسيس المحاكم العراقية في ظل وجود سلطات الاحتلال البريطاني، واشترك قضاة انكليز مع العراقيين في تأسيس تلك المحاكم ومباشرة أعمالها.. وفي 23/4/1923 جرى الشروع بتعيين القضاة في عهد الملك فيصل الاول.ونص قانون المرافعات المدنية والتجارية الذي تم تعديله الى قانون المرافعات المدنية على عمل القضاة وأنواع القضاء وطرق الطعن … ومن ثم صدر قانون التنظيم القضائي الذي اختص بعمل القضاة…. لقد اسهمت بريطانيا مع تاسيس الدولة العراقية قي امتهان القضاء وتكريس دور دائرة التحقيقات الجنائية لمواجهة الازمات السياسية قبل وبعد وقوعها وتاكيد ان “المتهم مذنب الى ان تثبت براءته” اي عكس القاعدة القانونية “المتهم برئ حتى تثبت ادانته” وعدم التورع عن ممارسة الكذب والتزوير والخداع لأدانة المتهمين ..
عالج القانون رقم (31) لسنة 1929 (قانون الحكام والقضاة) تعيين القضاة وترفيعهم ونقلهم ، بينما جاءت القوانين رقم (39) لسنة 1929 ورقم (68) لسنة 1943 و رقم (27) لسنة 1945 لتنظيم شؤون القضاة ،وعزز القانون رقم (58) لسنة 1956 من استقلال القضاء.. بعد قيام ثورة 14 تموز 1958 المجيدة تم تشكيل محكمة الشعب بقرار من مجلس السيادة في عهد عبد الكريم قاسم بهدف فضح خبايا العهد الملكي امام الشعب.وفي عام 1963 صدر القانون رقم (26) لسنة 1963 قانون السلطة القضائية يعترف بموجبه كون القضاء سلطة تقوم إلى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية ، وتدار بواسطة مجلس قضاء يرأسه رئيس محكمة التمييز – أعلى هيئة قضائية في العراق… وبقي هذا القانون حبرا على ورق في عام شهد اروع المجازر بحق ابناء الشعب العراقي اثر انقلاب رمضان الاسود.
كان تشكيل مجلس العدل برئاسة وزير العدل وفق القانون رقم (101) لسنة 1977 أيذانا بإنهاء استقلالية القضاء ودوره كسلطة مستقلة عن السلطة التنفيذية . في عهد البعث شكلت السلطات المحاكم الاستثنائية لتحقيق اهدافها السياسية،وسلب ضباط امن المحاكم القضاة حرية اصدار الاحكام وتدهور القضاء وانتهكت استقلاليته،وتتذرع السلطات بالظروف الاستثنائية في سلب حقوق الناس.في عهد البعث تقوم دوائر المخابرات بالتحقيق والتعذيب والادانة والتجريم وتحديد مدة الحكم في حديها الاعلى والادنى…. ثم ترسل الملفات الي محكمة الثورة لتقوم الاخيرة باصدار الحكم شكليا حيث ان القرار كان قد اتخذ اصلا من قبل الجهة المخابراتية الموظفة لتنفيذ اغراض السلطة في الارهاب. وشكلت الدكتاتورية البائدة كيانات معينة سميت محاكم تجاوزا وهي: محكمة خاصة في وزارة الداخلية، تتم احالة القضايا التي يوافق النظام علي اجراء المحاكمة في قاعتها اليها….محكمة خاصة لقوى الامن الداخلي شكلت بموجب قانون خاص…. محاكم خاصة بافراد القوات المسلحة حسب قانون المحاكمات العسكرية….محاكم خاصة بالجمارك…كان مجلس قيادة الثورة الجهة ذات الصلاحية المطلقة للتدخل في اية قضية واصدار القرار بشأنها بحيث يتساوي فيها امر تعيين حارس في مؤسسة مع تعيين وزير او حتي رئيس وزراء.كل ذلك زرع القسوة والعنف والتطرف بين ابناء الشعب العراقي الواحد قبل ما يجهز الاحتلال الاميركي على العراق سنة 2003.
خلال الفترة الممتدة ما بين إلغاء مجلس القضاء عام 1977 وإعادة تشكيله في 18/9/2003 – بعد زوال النظام السابق – كانت معاناة القضاة في اداء مهامهم كبيرة تدور ما بين التنقلات غير المبررة والإحالة على وظائف مدنية والعزل والحرمان من ممارسة المحاماة والسجن وسد المنافذ على الطاقات القضائية الفاعلة للحيلولة دون وصول أصحابها إلى المناصب القضائية المهمة لأنها لا تحمل هوية نظام الحكم وانتماءاته ، وخلال تلك الفترة أيضا فتح الباب واسعا أمام عناصر غير مؤهلة للدخول إلى سلك القضاء لأنها تحمل هوية الحكم وأفكاره وانتماءاته …وفي فترة ما بعد التاسع من نيسان 2003 بذلت الدولة العراقية الثانية الجهد للتخلص من الامراض الاجتماعية القاتلة التي عانى منها القضاء العراقي وكامل المجتمع دون جدوى ليجر من جديد قبول القضاة وفقا للمحاصصة الطائفية والطائفية السياسية ، الامر الذي كرس من ديماغوجية تطبيقات العدالة والقانون الجارية وانحسار مصداقيتها في العراق .أعيد تأسيس مجلس القضاء بالأمر المرقم (35) في 18/9/2003 وجاء في ديباجته ( … أن السبيل إلى فرض حكم القانون هو نظام قضائي من كادر مؤهل وحر ومستقل من التأثيرات الخارجية)…ثم صدر الأمر المرقم (12) في 8/5/2004 وقضى بفصل موازنة مجلس القضاء عن وزارة العدل.
اكدت المادة (84) من الدستور العراقي الدائم الجديد على “ان السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها، وتصدر احكامها وفقاً للقانون”.وجاء في المادة (85) :” القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لاية سلطة التدخل في القضاء او في شؤون العدالة.”… لكن الدستور العراقي الدائم لم يكن معصوما من الخطأ والانتقادات لتفتح المادة (89) الباب امام رجال الدين ( خبراء في الفقه الاسلامي) لأشغال عضوية المحكمة الاتحادية العليا! المختصة اساسا بالرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة، و تفسير نصوص الدستور، والفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية..الخ بينما تشيع المادة (39) الولاء دون الوطني شئنا ام ابينا وتجرد القاضي من مهنيته في النصوص القانونية لتحوله الى اداة طائفية لأشاعة الآراء الفقهية المختلفة ” العراقيون احرارٌ في الالتزام باحوالهم الشخصية، حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وينظم ذلك بقانون ” وهذه المادة تنفي انجازات قانون الاحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959. وكان رفع شأن الدستور العراقي الدائم ليكون فوق الاتفاقيات الدولية نهج ضار جدا بمصالح الشعب العراقي والوطن الامر الذي غض النظر فيه للشرعية الدولية لحقوق الانسان مثلا . ان الغاء المادة 44 من مسودة الدستور التي نصت علي الاعتراف بالشرعية الدولية لحقوق الانسان لم يعن سوى الاستخفاف بأسس حقوق الانسان التي تدعم تعدد الثقافات والنظام السياسي الفيدرالي البرلماني . لقد اكدت المادة العاشرة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان بان “لكل إنسان، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحق في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة، نظرا منصفا وعلنيا، للفصل في حقوقه والتزاماته وفى أية تهمة جزائية توجه إليه” ..
إن استقلالية القضاء تفرضها الضرورة مثلما تلزمها النصوص الدستورية.. واستقلالية القضاء العراقي تعني بناء قضاء مستقل قوي بعيدا عن الانتماءات دون الوطنية وبالاخص الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية والعشائرية والمناطقية واللوبية الضاغطة والحزبية …. ويعتمد على رموز قضائية تتمتع بالكفاءة والخبرة والنزاهة والوطنية والحيادية ، والاستفادة من تاريخ القضاء العراقي ، والحظر الكامل للقضاء الأستثنائي ومنح الأداريين الصلاحيات القضائية، وتعميق منهج حقوق الإنسان في عمل المؤسسة القضائية المدنية منها أو الجنائية ، اعادة بناء منظومة القضاء العراقي واعادة تأهيله وترميم ماهدمته السلطة البائدة من قيم وأسس وأعراف قضائية كانت تشكل مقومات البناء القضائي في العراق ، تعزيز دور قضاة التحقيق والنظام القضائي الذي يفصل بين سلطة التحقيق والاتهام…ذلك وحده من شأنه ان يدفع بالعملية السياسية الى خطوات ثابتة وراسخة، ويكرس من عدم تواجد احد شخصا كان أو حزبا أو هيئة أو تجمعا فوق القانون…
ان القضاء الأستثنائي بأشكاله وصوره التي حلت علينا في العراق من السواني والمجالس العرفية والمحاكم الثورية والخاصة ومحاكم امن الدولة ومحاكم جيش المهدي القروسطية …جميعها مخالفة صريحة لمبدأ استقلالية القضاء ومخالفة للدساتير السائدة ومخالفة لمبادئ حقوق الانسان.
تواجه القضاء العراقي اليوم مهمة :
• التعجيل في احالة الذين يجري القاء القبض عليهم الى المحاكم ومحاكمتهم ، وعدم التهاون في الاحكام التي لا تتناسب مع حجم او نوع ما جرى اقترافه من جرائم يندى لها الجبين! الامر الذي يشجع المجرمين على اقتراف المزيد من الجرائم ناهيك عن ان بقاء الموقوفين بالسجون دون محاكمة يعد انتهاكاً لحقوق الانسان …
• فرض سلطة القانون ، لا سلطة الولاءات الضيقة .
القضاء والشرطة او ما شاكلها من قوات عسكرية وامنية لحفظ النظام يشكلان عنصرين لايستغني احدهما عن الاخر في دولة المؤسسات ، واذا ما اصاب احدهما الضعف فان ذلك ينعكس بشكل سلبي ومباشر على الاخر .وبالرغم ان من اهم القضايا التي وضعت القضاء وقوات الامن على محك الاختبار في العهد الحالي هما مكافحة الارهاب ومحاكمة صدام وزبانيته .. الا ان تدخل الحكومة العراقية والطائفية السياسية والجهلة والاميين بالتهديدات والمضايقات ارغم القضاة المخلصين على ترك وظائفهم ومغادرة البلاد … فالقضاء العراقي الحق لا يتماشى وثقافة الرعاع او الثقافة القطيعية .. وثقافة الموت والقبور!.
تتعزز مصداقية القضاء العراقي فقط بمواصلة محاكمة اعوان صدام حسين ومرتكبي الارهاب ، مرورا باصدار قرارات القاء القبض على مرتكبي الفساد والجرائم والسرقات بما في ذلك كبار رموز الحكم وكبار رجال الدين والمرجعيات الدينية بمختلف درجاتها وبغض النظر عن مواقعها وغيرهم فيما لو تحقق انهم ارتكبوا فعل الفساد والجريمة والارهاب. وعلى وزارة الداخلية وقوات الامن تنفيذ ومساعدة القضاء فيما لو اصدر امرا بالقاء القبض على مرتكبي الفساد مهما كان اصحابها ، بل وعرض قضايا الاجرام على القضاء ثم اعلام الشعب بذلك لكي يعرف الجميع بان القضاء عليه مسؤولية الاضطلاع بها وتنفيذها!…

بغداد
27/8/2007