الرئيسية » مقالات » حوار مع أفكار الأستاذ الدكتور سيّار الجميل في مقاله :

حوار مع أفكار الأستاذ الدكتور سيّار الجميل في مقاله :

يثير الزميل الفاضل الأستاذ الدكتور سيّار الجميل موضوعات مهمة وجادة للنقاش تجمع بين الجانبين النظري والتطبيقي وتمر عبر مراجعة لتاريخ الدول العربية بسبب كونه أستاذاً ومؤرخاً وعاملاً نشطاً في الدعوة إلى إقامة مجتمعات مدنية في منطقة الشرق الأوسط , ومنها العراق. وغالباً ما تثير المقالات الجادة والمهمة التي ينشرها لدي الرغبة في الحوار وبلورة الأفكار بأمل التحقق من قدرتنا على إنجاح مسعى الوصول إلى مجتمعات مدنية ديمقراطية حديثة في منطقة الشرق الأوسط الخالية عملياً من أي مجتمع مدني ديمقراطي حتى الآن , كما أن المجتمع المدني الديمقراطي الحديث سيبقى غائباً عن بلداننا مع المنشود لسنوات طويلة لاحقة لأسباب موضوعية وذاتية , رغم النضال السلمي الذي يفترض أن تخوضه شعوب هذه البلدان لتحقيق هذا الهدف , ورغم الرغبة العارمة لدى جمهرة كبيرة من مثقفي هذه البلدان في الوصول إلى مثل هذا المجتمع.
(1)
يبدو لي إن الرغبة الصادقة لدى جمهرة كبيرة جداُ من مثقفاتنا ومثقفينا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في إقامة المجتمع المدني الديمقراطي الحديث تفوق دراساتنا العلمية لطبيعة وبنية هذه المجتمعات وفي مدى قدرتها على بناء هذا المجتمع المدني الديمقراطي المنشود لا من حيث الإرادة الذاتية للنخب الحاكمة التي تتعارض مع طبيعة هذا المجتمع ومهماته حسب , بل ومن الناحية الموضوعية , أي مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي القائم. لا شك في أننا بحاجة إلى منهج علمي , أو مادي جدلي وتاريخي , يساعدنا على وضع اليد على العصب الحساس في عملية التغيير الاجتماعي والسياسي في أي بلد من البلدان , وبتعبير أدق العامل الفاعل والمساهم في تغيير الوعي الاجتماعي والسياسي للإنسان , وبالتالي للمجتمع بحيث يمكن أن يقبل بالجديد المغاير لما عاش فيه طوال قرون وقرون وما يزال يزحف على شواطئ الماضي ولكنه الحاضر في حياته اليومية.
(2)
مجتمعات الشرق الأوسط عموماً تعيش في مرحلة , ولكنها موجودة فعلياً في مرحلة تاريخية أخرى , فهي تعيش من حيث البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والوعي الاجتماعي في مرحلة تمت إلى القرن الثامن عشر والتاسع عشر أو حتى قبل ذاك , ولكنها موجودة في مرحلة القرن الحادي والعشرين بما وصل إليه من تطور اقتصادي واجتماعي وثقافي ومجتمع مدني علماني ديمقراطي وعولمة شاملة للحياة بمختلف جوانبها. وهذه المجتمعات التي تعيش وتوجد في مرحلتين مختلفتين تعاني من تناقض حاد ومن تصادم المعايير والقيم وأسس المجتمعين المختلفين , وبالتالي لا تجد الدفعة الضرورية حتى الآن للقفز صوب العيش والوجود في إطار مرحلة واحدة هي المرحلة الجارية على الصعيد العالمي وليس على مستوى كل بلد من البلدان. الكثير منا يعرف بأن عالمنَا الراهن عالمان , عالم متقدم ومتحضر وآخر متأخر ومخلف , عالم منتج وآخر مستهلك , عالم يفكر والآخر يستهلك الفكر , عالم يعيش الحاضر بكل أبعاده , وعالم يعيش الماضي بكل أبعاده بالحاضر ويعجز عن إدراك مكوناته وسبل الوصول إليه.
(3)
رغم عيش غالبية شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مرحلة العصر الحديث والعولمة وسعيها لأن تأخذ من هذا العصر ما يُمكّنها من ولوجها ذات العصر , فأنها عاجزة عن تحقيق القفزة المرجوة , لأن هذه المجتمعات لا تمتلك مقومات القفزة المنشودة صوب المجتمع المدني الديمقراطي الحديث. وبالتالي فأنها وحين تتخذ بعض إجراءات دمقرطة الحياة السياسية في حياة المجتمع اليومية , فإنها لا تنعكس بأي حال على الحياة الديمقراطية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والعسكرية وفي العلاقات القومية الداخلية وفي العلاقات الدولية. ولهذا فهي تبدو وكأنها عطايا من الملوك والرؤساء والأمراء والحكام وتفضلاً منهم على “شعوبهم” يحق لهم سحبها من التداول في كل لحظة حين يشعر هؤلاء الملوك أو الرؤساء أو الأمراء أو الحكام بأنها لم تعد مفيدة له ولا بد من تقليصها أو حتى إلغائها تدريجاً وما ينشأ عن ذلك من تعقيدات جديدة في الحياة العامة لهذا البلد أو ذاك. فالعطايا والأفضال يمكن أن تسحب في كل لحظة , وهي ليست من طبيعة ذات النظم السياسية والاجتماعية القائمة , بل دخيلة عليها في محاولة من هؤلاء التشبه بما هو مجاور لهم وقادم إليهم من عالم آخر يعيشون فيه ولا ينتمون إليه , كما أنها محاولة للتخفيف من عبء الضغط الخارجي عليهم. وتقدم دول شمال أفريقيا نماذج حية في كل لحظة على مثل هذه العطايا التي يمكن أن تسحب , كما تسحب اليوم في المغرب , أو سياسة الدولة الليبية المترجرجة ولكنها تبقى سياسة مستبدة حتى في تقاربها مع الغرب ومحاولة التصالح معه , ولكن ليس مع شعبها , لأنها ليست من اصل تلك النظم. ويبدي الناس استغرابهم لذلك أحياناً كثيرة ولا يسعون إلى التحري عن أصل المشكلة الكامنة في طبيعة المرحلة والنظم الاقتصادية الاجتماعية والسياسية السائدة التي لا تعبر عن طبيعة العصر والمرحلة التي يجد هؤلاء أنفسهم فيها وهم يعيشون الماضي بكل مكوناته في الحاضر. وهذا الأمر يمكن أن يحصل في دول الخليج في كل لحظة أيضاً , لأنها لا تستند إلى أسس قابلة للثبات والتطور من خلال الشعب ذاته.
(4)
لا شك في أن منجزات العصر الحديث بكل جوانبها وأبعادها , وخاصة ثورة الاتصالات والمعلومات , توفر فرصة أو إمكانية طيبة للتعجيل بعملة الانتقال من الحالة القديمة والبالية إلى الحالة الجديدة والحديثة. إلا أن هذه الفرصة أو الإمكانية لا ترتبط بالإرادة الذاتية للراغبين في ذلك وحدها , بل تستوجب توفير المستلزمات المادية للتحول صوب الجديد , أي قطع مسافة تبلغ عدة قرون في فترة لا تزيد عن عدة عقود. والمشكلة لا ترتبط بجانب واحد , بل هي مجموعة متكاملة ومترابطة من العوامل التي تجعل المجتمعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجرورةً إلى الخلف بدلاً من أن تكون مدفوعةً نحو الأمام , فقوى وعوامل السحب إلى الوراء ما تزال أقوى من قوى وعوامل الجذب إلى الأمام , رغم طبيعة العصر الذي نعيش فيه ورغم رغبة جمهرة كبيرة من المثقفين وحملة الفكر النير. وهي حالة مرهقة حقاً تعيش فيها شعوب المنطقة في المرحلة الراهنة , وهي ليست ردة حضارية على ما تحقق في الفترة القصيرة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية حسب , بل هي تعبير أيضاً عن عجزها العبور من مرحلة إلى أخرى. وسبب ذلك يكمن في غياب مستلزمات ذلك العبور التي لا بد من توفيرها لضمان المسيرة صوب المدنية والحداثة والديمقراطية.
(5)
إن البحث في عدد كبير من المسائل المهمة التي تعيق دخول مجتمعاتنا للمدنية والحداثة والديمقراطية أو قبول هذه المجتمعات لها ضروري ومهم في آن واحد ولا يجوز إغفاله بأي حال, وهو بعض ما قدمه لنا الأستاذ الدكتور سيّار الجميل , إضافة إلى أخوات وأخوة آخرين. ولكن ذلك , كما أرى , يبقى يبحث في , ويعبر عن , مظاهر أو نتائج الوضع القائم , أي أنها عملية إنتاج وإعادة إنتاج تلك المظاهر السلبية بسبب وجود سبب أو أسباب معينة, في حين لا يجري البحث عن السبب المركزي الذي تتقرر في ضوئه عملية التحول من مرحلة إلى أخرى , إلا من جانب قلة من الباحثين. ولا شك في أن بلداننا تحتاج إلى مثل هذه البحوث التي تغوص في عمق المجتمع وتسحب المشكلة وتضعها في مركز البحث وتسلط عليها الأضواء من مختلف الجوانب. كما لا شك في أن مثل هذا البحث في ظروف بلداننا الراهنة عصية حقاً , ولكن لا مندوحة منها وستأخذ وقتاً طويلاً. فالمجتمعات العربية ذات طبيعة أو بنية ريعية , سواء أكان الريع متأتٍ من قطاع النفط الخام أم من القطاع الزراعي , رغم التباين بين القطاعين. وبمعنى آخر أن غالبية دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تزال لم تقطع صلتها العضوية بالعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية ولم تتحول صوب إقامة المجتمع الصناعي أو الزراعي المصنع الذي يقود بالضرورة إلى تحقيق عملية تحول في البنية الاجتماعية لمجتمعات هذه الدول. أي أن أغلب هذه الدول يعيش في ظل علاقات الزراعة المتخلفة والريف المتأخر وما تنتجه من فئات وطبقات اجتماعية وتأثير على المدن وحياتها وعلاقاتها وعلى السلطة السياسية والعلاقة بين السلطات الثلاث… الخ.
(6)
إن المجتمع الصناعي أو الزراعي المصنع والحديث أو الصناعي الأكثر حداثة والمقترن بثورة الاتصالات والمعلومات يعني بالضرورة بروز طبقتين اجتماعيتين كبيرتين , إضافة إلى فئات اجتماعية مرتبطة مباشرة أو بصورة غير مباشرة بعملية التصنيع وتحديث الزراعة , وهما : الطبقة البرجوازية والطبقة العاملة ببنيتها الحديثة وليست الصيغة البروليتارية السابقة , بل بفئاتها وشرائحها الجديدة أيضاً , إضافة إلى فئة المثقفين المتسعة والعاملين في أجهزة الدولة البيروقراطية. إن هذه الطبقات والفئات تعتبر الحامل الفعلي للمجتمع المدني الديمقراطي الحديث في ظل علاقات الإنتاج الرأسمالية, إنها القوى الحاملة والقادرة , ولكنها ليست بالضرورة الفاعلة , لبناء مثل هذا المجتمع الديمقراطي المطلوب. وتجارب الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية أو ما بعدها , تشير إلى أن الرأسمالية تفتح آفاقاً للمجتمع المدني الديمقراطي , ولكن يمكن أن يتخذ سبيلاً آخر أو أن ينتكس المجتمع المدني فيها ويرتد على أعقابه كما حصل في ألمانيا منذ العام 1933 , أو ما حصل في الدولة السوفييتية , وخاصة في ظل حكم ستالين للحزب والدولة. وهذا يعني أن بناء المجتمع المدني الديمقراطي الحديث لا يعني نشوء علاقات إنتاجية رأسمالية فقط , بل يستوجب توفر مستلزمات أخرى , ولكن العلاقات الرأسمالية الحديثة هي الحاضنة لهذا المجتمع المدني وتطوره اللاحق.
(7)
إن التحول من العلاقات الإنتاجية الأبوية والعلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية , وهي علاقات ريفية رعوية وزراعية , صوب العلاقات الرأسمالية الصناعية يعني التحول صوب علاقة حرة بين العمل الأجير ورأس المال وانتهاء فعلي لعلاقات القنانة التي تنشأ في ظل العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية في الريف والزراعة. ومع هذا التحول تبدأ قيم ومعايير وتقاليد وعادات المجتمع القديم بالتفكك والسقوط لتنهض بجوارها في البداية ثم تبنى على أنقاضها قيماً ومعايير وتقاليد وعادات جديدة وينشأ معها وعي اجتماعي جديد يمكن أن يقترن بوعي ديني جديد أكثر تنوراً ووعياً بدور الدين ودور الدولة والفاصل بينهما , وبين المؤسسات الدينية ودولة المؤسسات. وتنشأ في مرحلة التحول وتتسارع مع نمو وتطور المجتمع الرأسمالي الجديد المؤسسات الديمقراطية من تشريعية وتنفيذية وقضائية وتتبلور وتطبق فكرة الفصل بين السلطات الثلاث التي تساهم بدورها في تعميق الوعي الاجتماعي ودور الإنسان في عملية البناء والتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وتلعب في هذا المجتمع فئات المثقفين , ومنهم فئة الإعلاميين , دورها الأكثر بروزاً رغم ما ينشأ من صراع حول هذا الدور ومن انقسام في مواقع ومواقف المثقفين.
(8)
إن دراسة تاريخ المجتمعات الغربية , وخاصة فترة تحولها من المجتمع الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي , بكل تلوينات وتنويعات ذلك التحول وفي مراحله المختلفة , تكشف لنا عن حقيقة العلاقة الجدلية بين عدد من المسائل الجوهرية في عملية التحول صوب المجتمع المدني الحديث والديمقراطي والتي يمكن أن تتلخص في عدد من النقاط:
• إن عملية التحول هذه تُجري وتُحققُ تغييراً في بنية ودور الطبقات الاجتماعية في تلك المجتمعات لحساب البرجوازية وعلى حساب الإقطاعيين وكبار ملاكي الأراضي الزراعية.
• ثم تجد تعبيرها في التغير التدريجي أو الثوري في بنية السلطة السياسية ودور الطبقات الجديدة في الحكم وفي اتخاذ القرارات ورسم سياسة الدولة والتي تكون مناهضة بصيغ مختلفة للقوى الإقطاعية ومصالحها ومواقعها ونفوذها في الدولة والمجتمع. وتقدم الدول الأوروبية نماذج مختلفة لهذه العملة وفي فترات مختلفة.
• وتعني هذه الحقيقة حصول تحول فعلي في بنية ومفردات الوعي الاجتماعي للفرد والمجتمع.
• وكل تلك التجارب تشير إلى ارتباط ذلك بعملة تراكم متواصلة ومكثفة لرأس المال وتحرير أو عتق المزيد من الفلاحين من ربقة الإقطاعيين وتحولهم إلى عمال إجراء بوعي جديد أيضاً وبصيغ استغلال أخرى.
• كما اقترن كل ذلك بتحول حقيقي متواصل وتدريجي في عملية التنوير الديني والاجتماعي وجد تعبيره في التحول من العلاقة العضوية بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية إلى الفصل الفعلي بينهما , مما عجل من عملية تحرير الناس من تأثير المؤسسة والقوى الدينية المتخلفة , ولكنه لم يعن بالضرورة تغيير قناعات الناس بالدين ذاته أو بقيمه الأخلاقية والسلوكية العامة. كما أنه حرر المرأة من قيود الماضي تدريجياً ودفع بها إلى ساحة العمل الأجير وتمتعها التدريجي وعبر عملية معقدة وليست سهلة بحريتها ومساواتها بالرجل , رغم المقاومة التي أبداها المحافظون من المجتمع الذكوري.
• وفي عملية التحول هذه نشأت وتبلورت التناقضات والصراعات الطبقية وال اجتماعية في ما بين الطبقات والفئات الجديدة في المجتمع الجديد التي أمكن في الماضي ويمكن حلها في الوقت الحاضر بأساليب مختلفة تميز بها القرن التاسع عشر والقرن العشرين. وفي الربع الأخير من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين برزت وتبلورت شروط جديدة تشير إلى إمكانية حلها عبر التحول السلمي والديمقراطي , سواء بالتخلص من العلاقات شبه الإقطاعية , أم بإرساء دعائم الديمقراطية وحقوق الإنسان … الخ في المجتمعات المدنية الحديثة القائمة على علاقات الإنتاج الرأسمالية , التي هي بالضرورة استغلالية , ولكن يمكن العمل على تخفيف ذلك الاستغلال وضمان تحقيق أشكال مناسبة من العدالة الاجتماعية التي تعتمد على موازين القوى السياسية والطبقية وعلى مستوى تطور المؤسسات الدستورية ودولة القانون الديمقراطية والتعامل الفعلي مع مبادئ الحرية والديمقراطية في هذا المجتمع أو ذاك. وهذه الإمكانية مفتوحة اليوم أمام الدول النامية , ومنها دول منطقة الشرق الأوسط.
(9)
إن تجارب الدول الغربية من جهة وتجارب دول جنوب شرق أسيا وأمريكا اللاتينية من جهة ثانية , إضافة إلى حالات الفشل والإحباط والارتداد التي تحيط بتجارب دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا , ومنها الدول العربية , تفرض على الباحثين والسياسيين والمؤرخين إعادة النظر بمسيرة دول المنطقة منذ بداية القرن العشرين , وبشكل خاص في أعقاب الحرب العالمية الثانية , حتى الوقت الحاضر لاستخلاص الدروس المناسبة منها لصالح عمليات التحول الديمقراطي للمجتمعات. وهذا يعني بأن علينا أن لا نولول بسبب غياب الديمقراطية , أو نلهث وراء موضوعات لا تجلب لمجتمعاتنا غير المزيد من الآلام والأحلام والأوهام , ولا أن نغرق في الادعاء بأن مجتمعاتنا عاجزة عن الدخول في العملية الديمقراطية لأسباب تاريخية ودينية واجتماعية … الخ , بل يفترض فينا بلورة استراتيجية النضال الوطني لكل بلد من هذه البلدان في المرحلة الراهنة بصورتها الشاملة والعلاقة بين أهداف المرحلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على نحو خاص , والعلاقة العضوية أو الجدلية بين هذه الأهداف وبين التحول صوب المجتمع المدني. فالمطالبة بالديمقراطية والحياة الدستورية مسألة مهمة , ولكنها لن تتحقق للمجتمع كما يفترض أن تكون عليه دون النضال من أجل تغيير بنية المجتمع الاقتصادية , وما يترتب عليها من تغيير في البنية الاجتماعية والوعي الاجتماعي والتنوير الديني , وما يرتبط بها من تغيير في التربية والتعليم والثقافة. إنها عملية واحدة متشابكة لا يمكن فصل إحدى مساراتها عن بقية المسارات , إذ أنها تعني بالضرورة إعاقة حركة وتطور بقية المسارات بسبب علاقتها الجدلية التي لا يريد البعض أن يراها , أو أنه لا يراها فعلاً بفعل التقليل الشديد من أهمية العامل الاقتصادي بالمقارنة مع العامل السياسي. إن لكل عامل من تلك العوامل وزنه النوعي في هذه العملية , إلا أن السياسة تشكل البناء الفوقي في حين يشكل الاقتصاد البناء التحتي الذي تبنى على أساسه وتتطور السياسة وبقية مكونات البناء الفوقي بما فيه الدين والفنون والثقافة بوجه عام. فالسياسة تسعى لتغيير الاقتصاد , والتغيير الاقتصادي يوفر مستلزمات التطور والتنوير السياسي والاجتماعي والديني. وفي الوقت الذي تتحدد استراتيجية التغيير , يفترض أن تتحدد بمرونة وحركية عالية آليات تنفيذ تلك الاستراتيجية والخطاب السياسي المصاحب لها , والذي يفترض كلها أن تتبادل الفعل والتأثير والدفع بالاتجاه السليم..
(10)
تتميز مجتمعات الدول العربية بكونها استهلاكية , كما أنها ريعية , سواء أكانت نفطية – زراعية أم زراعية فقط. وهذه الحقيقة تعني أن مجتمعاتنا غير إنتاجية , رغم وجود إنتاج سلعي أو حرفي صغير وبعض المؤسسات الصناعية. وهذا يعني أن الدخل القومي ينتج أساساً إما في قطاع النفط الخام والغاز والقطاع الزراعي , وإما في القطاع الزراعي. وغالباً ما تكون نسبة مشاركة النفط في تكوين الدخل القومي تتراوح بين 80-95/ من قيمة صادرات تلك البلدان , وبالتالي تشكل نسبة عالية جداً من بنية الدخل القومي. ولكن هذا الدخل النفطي لا يساهم غالباً في إغناء الثروة الوطنية من خلال عملية التثمير الإنتاجي وبالتالي لا يساهم في تحقيق التراكم الرأسمالي في القطاعات الإنتاجية , بل يذهب إلى استيراد السلع الاستهلاكية , سواء أكانت سلعاً أساسية أم كمالية. وهذا يعني بدوره إنفاق الدخل القومي في اتجاهات تبقي المجتمع على تخلفه وبنيته الاقتصادية والاجتماعية , ويبقى يعتمد الدخل القومي على ذات المصادر السابقة دون تغيير يذكر. في حين أن الحاجة ماسة على تنويعة مصادر الدخل وإلى مشاركة أوسع للإنتاج الصناعي. ومن هنا تبدو اللوحة قاتمة إذا ما استمرت على حالها , إذ أن ذلك يعني أن التغيير في البنية الاقتصادية لم يتحقق وكذا الحال بالنسبة للبنية الاجتماعية والوعي الاجتماعي وقضايا التنوير الديني وطبيعة الدولة والسلطة السياسية.
(11)
من هنا وجدت لزاماً ومناسباً المشاركة في نقاش المشكلة الجوهرية التي أثارها المقال القيم الذي نشره الزميل الأستاذ سيّار الجميل تحت عنوان “هل تنجح الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية ؟” بتاريخ 23/08/2007 في موقع الجيران ومواقع إلكترونية أخرى , وهي محاولة لاستكمال الأفكار التي طرحها من جهة , وإثارة الحوار حولها من جهة ثانية , لكي نستطيع أن نقدم بعض المساعدة الفكرية والسياسية للعملية السياسية المعقدة والصعبة الجارية في بلادنا وما نلاحظه من عدد من المؤشرات السلبية , ومنها :
1. تنامي الصراع الطائفي في ضوء محاولات جادة للقوى الطائفية السياسية في تشديد الاستقطاب والاصطفاف المذهبي في البلاد , والذي يتجلى في الخطاب السياسي والاجتماعي والثقافي لهذه القوى وفي وسائل إعلامها . فنظرة واحدة على قناة الجزيرة السنية الإخوانية من جهة , وعلى قناة الفرات الشيعية المجلسية من جهة أخرى , على سبيل المثال لا الحصر , سيجد المتتبع حقيقة وعمق وسعة المشكلة الطائفية السياسية وأجواء التشديد المطلوبة لتأمين استمرار التباعد في بلادنا.
2. الدور الكبير وغير العقلاني الذي مارسته وما تزال تمارسه المؤسسة الدينية ومرجعياتها في النجف والكاظمية وقم التي زجت نفسها بالسياسة بشكل أفقي وعمودي كاملين والتي ساهمت ولا تزال تساهم في تشديد الصراع الطائفي السياسي لا تخفيفه.
3. الدور الكبير والخطر للقوى العشائرية في العراق لا على مستوى الفترة الراهنة , بل وفي المستقبل بسبب منحها القوة والسلاح وما يمكن أن يترتب على ذلك من قوة سياسية وعسكرية وأدبية لهذه القوى لا على أتباعها حسب , بل على الدولة والسلطة السياسية والقرارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
4. الدور المميز لقوى الشعوذة والسحر والتحايل وما إلى ذلك في صفوف المجتمع وتفاقم إيمان الناس بها بسبب غياب البديل الديمقراطي المناسب …الخ.
5. إن مجتمعنا يغوص حتى الآن أكثر فأكثر في عمق الثقافة الدينية الفلاحية الإقطاعية المتخلفة وغير المتنورة التي ستقيد حركة المجتمع وتعرقل وجهة تطوره الديمقراطية. ولهذا يستوجب العمل للتحرر من ذلك لا من المظاهر والتجليات حسب, بل وبالأساس من القاعدة الاقتصادية الاجتماعية التي تنتج تلك المظاهر والتجليات وتعيد إنتاجها وتكرسها في المجتمع. هذا لا يعني تأجيل النضال من أجل إقامة المجتمع المدني والتمتع بالحرية والديمقراطية , بل هو من أجل فهم العلاقة الجدلية بينها أولاً , وسبل خوض الكفاح ثانياً , وافتراض تجليات هذا الفهم في صياغة شعارات المرحلة النضالية ومهماتها الأساسية وخطابها الفكري والسياسي ثالثاً.
6. دخول قوى التحالف الكردستاني , وهي قوى ليبرالية علمانية ناضلت طويلاً مع بقية القوى العلمانية العربية في سبيل الديمقراطية والحقوق القومية العادلة , في تحالف مع قوى شيعية طائفية سياسية , وغياب تحالفها مع قوى ليبرالية وديمقراطية عربية وعلمانية وقفت في فترات مختلفة إلى جانب حقوق الشعب الكردي وناضلت معه من أجل الديمقراطية , بسبب التباعد الراهن في بعض الأهداف وضعف سعيهما المشترك للوصول إلى قواسم مشتركة في ما بينهما , وبسبب ضعف القوى العلمانية العربية وتفككها وواقع ميزان القوى السياسية الراهن الذي أوجد التحالف الحاكم حالياً.
7. ويبدو مفيداً أن نشير هنا أيضاً بأن الأحزاب والقوى السياسية المنبثقة من مجتمع تسود فيه العلاقات الاجتماعية التي اشرنا إليها لا يمكن أن ينتج أحزاباً تختلف كثيراً عن واقعها الاجتماعي , رغم تبني تلك الأحزاب والقوى السياسية إلى برامج مدنية وتقدمية في مختلف المجالات , إلا أن العورة تبدو في الممارسة لتلك المبادئ والأهداف المثبتة في برامجها. فغياب الديمقراطية عن بلد معين ينتج أحزاباً سياسية قليلة الوعي والممارسة للديمقراطية.
8. علينا أن ندرك أخيراً بأن الدستور والقوانين التي أقرت هي انعكاس للواقع القائم في العراق , وهي تعبير عن ميزان القوى الطبقية أو الاجتماعية والسياسية السائدة في البلاد. ورغم ذلك يمكن أن تبرز فرصة لتغيير بعض بنود الدستور من ناحية الصياغة أو من الناحية النظرية , ولكن التطبيق يبقى يعرج تماماً , ما لم يحصل التغيير المطلوب الذي يسهم في جعل الدستور وتطبيقه أكثر ديمقراطية وأكثر وعياً , والمجتمع أكثر استجابة والقوى السياسية العلمانية في العراق أكثر قدرة على التحاور والاتفاق.
26/08/2007 د. كاظم حبيب