الرئيسية » مقالات » النازيون الجدد والاسلام المتطرف في المانيا..ودقت الاجراس!

النازيون الجدد والاسلام المتطرف في المانيا..ودقت الاجراس!

تتناقل وسائل الاعلام الالمانية و بقلق بالغ أنباء تصاعد نفوذ النازيين الجدد و لاسيما بين الشبان، والذي يبرر هذا القلق و يجعله مدافا بشئ من الخوف، هو تلك الاحداث التي باتت تتکرر بين الآونة و الاخرى ضد الاجانب المقيمين في المانيا.
النازيون الجدد الذين کانت أبواب المجالس التشريعية الالمانية في مختلف المقاطعات ومنذ عام 1968 مغلقة بوجوههم، تمکنوا أن يجلسوا داخل البرلمان الالماني من بعد أن أحرزوا 10% من أصوات مقاطعة ساکسونيا ليحوزوا بذلك على عشرة مقاعد من برلمان تلك المقاطعة.
وهذا الامر لو تمحصناه و قلبنا جوانبه المختلفة، يبين بوضوح أن هناك نوع من بروز الافکار النازية و رواجها بين ابناء الجيل الجديد من الالمان الذين بينت تقارير صحفية ألمانية لأعوام مضت أن البون بينهم و بين التعاليم الدينية آخذ بإتساع غير عادي و ان الاستخفاف بالقيم الدينية و رجالات الکنيسة بات أمرا مألوفا، کما أن علماء الاجتماع أشاروا بدورهم لظاهرة التفکك الاسري و إضمحلال القيم الاسرية و الاجتماعية بشکل عام، ومن هنا فأن توجه هذا الجيل نحو الافکار النازية رويدا رويدا خصوصا و أن النازية و من خلال أفکارها و مبادءها”العرقية” المتطرفة تنفث في أعماق الذات الالمانية مختلف أحاسيس الشعور بالعظمة و البطولة و الزهو والکبرياء.
ويقوم النازيون الجدد بشحذ سيوفهم لإستنهاض الهمم”الالمانية”لمواجهة الثقافات الدخيلة على المجتمع الالماني، و يؤکدون من أن لا سبيل للتأقلم و الاندماج بين هؤلاء”الغرباء” و بين المجتمع الالماني و أن طردهم أو إبعادهم من المانيا هو أفضل طريقة لمعالجة هذه المشکلة. ومع انه لابد من الاخذ بالاعتبار أن مسألة الاندماج لها بعد آخر يرتبط بالمجتمع الالماني ذاته و ان هناك شرائح واسعة من هذا المجتمع مازالت تنظر بعين”الريبة”و”الاستخفاف” للجاليات الاجنبية بل وأن العديد من الاوساط تتحاشى الاتصال بأي شکل من الاشکال بافراد الجاليات الاجنبية في بلادهم.
أن تزايد أعداد الاجانب المقيمين في المانيا و کونهم قد أصبحوا جزءا و شريحة مهمة و أساسية من المجتمع الالماني، و تزامن ذلك مع ظهور تيارات دينية”معتدلة أو متطرفة”بين البعض منها، قد دعا العديد من الکتاب و المفکرين و الساسة الالمان الى الدعوة الى التمسك”بالجذور الاساسية للثقافة الالمانية” في إشارة واضحة و صريحة للجالية المسلمة التي تتجاوز الاربعة ملايين نسمة. ومع تلك الانباء التي تواترت في السنين الماضية بخصوص ظهور نشاطات إسلامية متطرفة و إلقاء القبض على إسلاميين يشتبه بعلاقتهم بتنظيم القاعدة، فإن صورة المسلم المقيم في المانيا آخذة بالتشوه في المخيلة الالمانية إن لم تکن تشوهت بالفعل وهو أمر مازالت النخب المثقفة في هذه الجالية عاجزة عن عکس الجانب الاخر للصورة و ذلك مما يؤکد بوضوح قصور في مجال مخاطبة الانسان الالماني و دفعه الى تغيير تلك الصورة.
ولعل سعي السلطات الالمانية الى تطبيق مبدأ”الاندماج” على الجاليات الاجنبية المقيمة في المانيا و تأکيدها الضمني على الجالية المسلمة، قد يکون وجها آخرا للصراع الذي يأخذ سياقات متعددة بين الجانبين، ذلك أن الاسلام مع تلك المفاهيم التي زرعها في ذهن و وجدان کل مسلم بخصوص ان الاسلام آخر الاديان و أکثرها کمالا وأن المسلمين”خير أمة انجبت للناس”، تمنح الشخصية المسلمة نوعا من الجنوح للأنفة و الإعتداد بالنفس و يرفض کل أشکال و أنماط التغيير”المحتملة”من الخارج سيما ما يتعلق بإشکالية المرأة و حقوقها و مسألة حقوق الانسان و حرياته المتاحة. والذي يثير القلق بين العديد من الاوساط الثقافية الالمانية، هو إستعداد الوسط الاسلامي لتقبل الوافدين عليها من الديانات الاخرى مع”إنغلاقها”و”تمنعها”من خروج أي فرد من أوساطها بل وأن المسلم الذي يخرج من ديانته يصبح بحکم الشرع الاسلامي”مرتدا”أي أن دمه يصبح مهدورا، والامر الآخر الذي تنظر الاوساط الاوربية عموما و الالمانية خصوصا إليها بعين الريبة، هو الاهداف التوسعية في الدين الاسلامي من حيث طموحه للسيطرة على العالم و هو أمر لا تخفيه الجماعات الاسلامية المتطرفة وإنما تجاهر به ليل نهار، ولما کانت الاوساط الثقافية الالمانية قاصرة عن وضع حلول أو بدائل لإحتواء المد الاسلامي، فإن الاجراءات الحکومية الالمانية أيضا مع صرامتها غير قادرة على”تليين”و”لجم”و”تأطير”المسلمين في قوالب أو دوائر محددة. ومن هنا، فإن الاصوات المتطرفة سواءا من بين الساسة الالمان أنفسهم أو من قبل النازيين الجدد باتت تجد لها وقعا في آذان الشارع الشعبي الالماني، وحتى إن تصريحات شديدة کتلك التي صرح بها رئيس وزراء مقاطعة بافاريا قبل مدة والتي دعا فيها للمحافظة على”المعالم الکنسية”في المانيا بإعتبارها تجسد روح الثقافة و التراث الالماني، قد لقيت قبولا و إستحسانا واسعا من قبل مختلف الاطراف.
ومع ان هنا نشاطات المانية بسياقات متباينة من اجل وضع فواصل بين المسلمين من جهة و بين الاسلام السياسي بنزعته المتطرفة من جهة اخرى، لکن الطروحات الالمانية المختلفة والتي تصدر بعضها من قبل أوساط رسمية نافذة، تؤکد ان الالمان يرون الخطر في الدين الاسلامي ذاته وانه يشکل البنية الاساسية لنشوء التيارات المتطرفة، وفي المقابل تجد أن هناك نوعا من الاغتراب”الثقافي”و”الروحي”الذي يشعر به الانسان المسلم العادي من جراء إحساسه بالمظلومية بين مطرقة الاسلام السياسي المتطرف من ناحية و سندان السلطات الالمانية الرسمية من ناحية اخرى، مع وضع إعتبار و ملاحظة خاصة للنظرة العامة للمجتمع الالماني للاسلام نفسه والذي لايتسم بالإيجابية إطلاقا. وقد تکون مثل هذه المعاناة دافعا و سببا لإنخراط الجيل الجديد من الشباب المسلم في تيارات إسلامية متطرفة، مع انه ليس بالضرورة أن يکون هذا الامر بمثابة تعميم إذ مازالت التيارات الاصولية الاسلامية عاجزة عن إستقطاب کل مسلم”متبرم”و”مغترب”الى صفوفها، خصوصا وأن السلطات الالمانية المختصة تأخذ حذرها دوما من أدنى الاشارات سيما وان ورود المانيا في بيانات التهديد الصادرة من قبل المنظمات الاسلامية المتطرفة، دفعت الحکومة الالمانية ان تأخذ المسألة على محمل الجد. غير أن مجرد حضور الاسلام الحرکي داخل الاراضي الالمانية قد يکون بحد ذاته بمثابة جرس إنذار للالمان، إذ أن الاسلام الحرکي المتطرف ما أن يثبت موطئا لقدمه في أي مکان فإنه من الصعوبة قلعه من الاساس، ونظرة متفحصة على تجارب هذا الاسلام الحرکي في العديد من الدول الاسلامية تؤکد ذلك، وإذا ما حاول البعض تبديد المخاوف الالمانية من حيث أن الواقع الالماني غير واقع الدول الاسلامية، فإن تواجد أکثر من أربعة مليون مسلم على الاراضي الالمانية کاف بحد ذاته لإيجاد الارضية المناسبة لمثل هکذا تيارات متطرفة.