الرئيسية » مقالات » من الأفضل للمثقف العربي أن يموت الآن

من الأفضل للمثقف العربي أن يموت الآن

سألني زميل بدا غير عابئ المرة بطقس التأبين ، وظهر غير مكترث بترديد الأذكار والصلوات التي تتلى بروحانية مميزة والجماعة ترافق الميت إلى قبره ،”الله اكبر الله اكبر.. الحمد لله ولا… الاه إلا الله. الله اكبر.. ولا حول ولا قوة إلا بالله .. وانصرف جديا إلى الانشغال بسيجارة…ونحن نشيع جثمان الراحل الصحافي محمد المستيوي أحد أبناء مدينة صفرو اللامعين مساء الخميس الأول من يونيو الماضي في حشد طويل طويل . كان موكبنا غفيرا ومليئا بالحزن والأسى، كانت كآبته تمتد وتتمطى كي تشمل كافة الأرجاء والأعمار والتشكيلات والأطياف ، وهو يرسم خطواته بتراخ قوي صوب مقبرة “المنزل” الكئيبة .
ماهي نظرتك للراهن الثقافي لمغرب اليوم؟

ولأنني من المؤمنين بان “الثقافة مواقف ومسؤولية تجاه الفكر الذي يحمله صاحبه ،وان الثقافة ليست سلوكا استعراضيا ،حتى يكون المثقف مجرد عارض أزياء . فقد رجوته أن نؤجل الحديث في موضوع المثقف والحياة إلى ما بعد التأبين . لحظتها ، انتابني شعور غريب ، إحساس جعل نجاحي مرتبطا بإغلاق فمي قبل أن يغلق زميلي آذنيه أكيدا وناجعا. على أن افتح أذني قبل أن يفتح فمه لاحقا . ولان الفقيد محمد المستيوي ليس كائنا عاديا ،إذ يعتبر من رجالات النضال الحقيقي ، لقد خلف وراءه مسيرة طويلة، ورصيد حداثي ومجتمعي لن تسعفنا العجالة في بسطها. كان وجها بارزا في العمل السياسي والإعلامي ، لقد نذر حياته للدفاع بقلمه، وأفكاره الوقادة عن قضايا بيئته واكراهاتها البشرية ، مواقف تفيض طموحا ونبلا وحرصا على الوطنية وحلم تقدم المغرب، نشرتها له جريدة ليبيراسيون برحابة..و الاتحاد الاشتراكي..بنضال أو جريدة الأحداث المغربية التي ظل مراسلا لها حتى اختطفه الموت اثر الحادثة المفجعة..
كانت ذاكرتي تنغل بما ارتشفته من كلام صحافة حول مثقف من درجة” كوميدي انفصل ” انبطح في زمن الحملة الانتخابية ، وغدا يعبد الطريق بقفشاته البذيئة أمام زعماء من الأحزاب الرخيصة لمجرد المال ، وليس غيره..وفكرت بمرارة وصوت مسموع : من المؤكد اليوم ، أن من الأفضل للمثقف سواء كان كاتبا أو فنانا مبدعا ، أن يموت ، حتى يحظى بالتفاتة مجتمعية. بدل البهدلة التي ينجرف إليها الآن…

وكنت قرأت ذات مساء كئيب ، أن المثقف العربي الميت ، أفضل لأهله وشهرته من المثقف العربي قيد حياته ، تحفظت قليلا حيال المطلق ، وأعلنت ارتباكي ، لحظتها ، انغمست ، وامتطاني خواء جواني رهيب.
ولما جاء المساء ، أخذت مقعدا أمام حاسوبي، وأمضيت ليلتي في مشاهدة أشرطة يوتوب الشهيرة ، والتفرج على قناص تارجيست ،هذا المغربي الرائع الذي خلخل بنية الدرك الملكي ،على غرار قناص بغداد الذي أرعب البانتاغون .
الشريط على شاكلة الكاميرا الخفية ، تقف السيارات المحملة بالأشخاص والحشيش والسلاح ، تمتد يد الدر كي في تسكع ، لتكدس الإتاوات من شروق الشمس إلى غروبها على مدار اليوم والأسبوع والسنة…ومع أن القناص ظل حريصا على تتبع المشهد من مكان مرتفع..فان الشريط استطاع أن يختصر طريقا طويلا إلى الحقيقة، كما هي لا كما تروى عبر الوكالات الرسمية للبلد.
امتاز الفيديو بالصورة الجيدة ، رغم ظروف التقاطها الصعبة ، وتمكن بنجاح أن ينشر أدران الرشوة المتفشية في جهاز الدرك الملكي بالمغرب ، هذا المجال المسيح بأشواك الخوف والمسالك الغامضة و السرية ،أمام العالم ، ليحطم الرقم القياسي للمشاهدة اليومية مدخلا المغرب إلى الرقمية العالمية من أوسع نوافذها ، بأسى نزلت الشريط الثاني ، ورفعت من نسبة مشاهدة فيديو رقصة الدر كي المغربي الآخر الذي ظل لدقائق يترنح معربدا بلباسه النظامي بما في ذلك الأصفاد والمسدس ، شريط الذي أدرج أخيرا ،إمكانية رؤيته متاحة للجميع ،وقد تم تصويره في حفل ماجن ، والدركي ثمل حتى النخاع .

شخصيا أبدو الآن أكثر إعجابا بهذا القناص…وأتمنى لو سخر كاميراته إلى ما يحدث أيضا في دهاليز الإدارات في علاقة بالصفقات العمومية ..والاستحقاقت التي نعيش اليوم الأول من حملتها الدعائية …تمنيت…
آه ، أين أنت أيها القناص…..

استحضرت أقوالا وحكما ، واستقويت بأحاديث وآيات بينات في شان عدمية الحياة ونسبيتها ، و جاء الصباح ،وكرر زميلي السؤال نفسه : ماهي نظرتك للراهن الثقافي لمغرب اليوم؟ وكنت وتمنيت لو عكس الرفيق الآية . اقترحت الفكرة ، ورحب زميلي على الفور ، ثم قال في عنفوان : ماهي نظرة الراهن الثقافي لمغرب اليوم إلى فاعله الأساسي “المثقف” ككائن يساهم في تشكيلها وبنائه ؟
اجل ، بهذا المعنى، يتحول السؤال إلى صرخة قوية ومدوية، فعندما نمدح شخصا ما ، قليلون يصدقون ذلك ، وعندما نذمه ، الجميع يصدق ذلك دونما تمحيص . صدقني ..هذا هو وضعنا كعرب الآن..
كان السؤال بمثابة لغم قابلا للتفجير وإلحاق خسائره النفسية المدمرة ، لكن الفكرة في جوهرها ،وبالنسبة لنا هنا والآن ، لم تكن سوى للتنديد بهول ما يعانيه الكائن المثقف، كان فنانا،أو مبدعا ممثلا أو كاتبا صحفيا ، مغربيا أو عربيا من المحيط إلى الخليج ، بنسبية مطلقة ، والأمثلة لا تعد ولا تحصى..

في الحالة العكس ، من المؤكد، أن الأمر ، يتعلق بصحراء لا امداء لها من القسوة والمعاناة والحقرة عنوانها علاقة الفرد بمؤسسته التي يرتبط بها وجوده وحياته ، كانت إعلامية أو خدماتية ، مقاولة ،أو مجرد شركة رقم عمولاتها يتخطى الملايين ، علاقة يحترق بلهيبها مثقف بعينه ،تارة باسم التدريب والتجريب واختبار حسن النية ، و تارة أخرى، تحت يافطة الانتماء والتسخير والوصولية . والانكى من ذلك والأمر ، إن “المثقف” الصحفي أو الفنان لا يجرؤ على البوح ، وان كان يلمح ، في مناسبة دون غيرها. النتيجة ، يتكدس رصيد المقاولة ، بينما الوطن الذي يحترق المثقف من اجله ، لا يملك من ترابه أمتارا يدفن بها الثعبان واقفا ، هو الوطن نفسه الذي تتزاحم فيه التفويتات ، والهبات ، والمقالع والعطاءات ،بالهكتارات . وتتبادل الأدوار والمصالح السيئة تحت الأنظار، و بشهادة المحاكم واللوبيات .

في الحالة الأولى، تتهافت الأسماء والتجارب على نعيه كمثقف عاش بئيسا من اجل أفكاره ، وتستقوي على تشييعه العشائر والقبائل الفكرية ، ومن ثمة، تعبد الطريق أمام دور النشر للاستحواذ على نشر أعماله مجانا وتحت ذريعة الوفاء ، وكان الراحل عرق ، واستعرق ، و من قفة المعيش اليومي كي ينشرها على نفقته..
وفي الحالة الثانية ، سلسلة عذابات نشر.. الكتاب الأول ….وتعاقدات …وعود و وانتظارات.. وفجائع لا تنتهي..
لكن، لنجتر الألم بحسرة ، الم يمت شعراء مغاربة، وفنانون ،وكتاب ومثقفون … من غير أن تستطيع عائلاتهم البئيسة ، دفع فواتير العلاج؟ …….وبالمقابل ،
هنا بالتحديد ، ضئالة مكانة المثقف في الراهن الثقافي لمغرب اليوم، كما في الذاكرة العربية ، هنا بؤسها أيضا.
في النظرة إلى الراهن الثقافي لمغرب اليوم الكثير من التشاؤم ، اللافت أيضا أن ” العربة الفارغة هي الأكثر جلبة وضجيج من العربة الممتلئة” . اليس هناك أشباه مثقفين يرفلون في رغد من العيش …مكافأة لهم على تفاهاتهم ورفع نسب الضغط لدى المشاهدين خاصة خلال رمضان….. مع أن الموهبة الفنية في مجال الغناء أو التمثيل، في الصحافة أو في حقل الإعلام ، بلا تكوين وبلا مراس ،أو اكتساب خبرة وممارسة ، لا تبقى صاحبها في الضوء إلا قليلا .
ومع ذلك ،على المثقف وأشباهه ، أن يتجشم عناء الوقت، والجهد ، والمال والرغبة ، كي يمنح طاقته ، الاختمار ، في أقصى جاهزيته ، والتوق نحو الأفضل في سمو مقاصده وغاياته ، حتى يحمي رصيده وزاده من التلف والصدأ من ناحية . ويمنحه الاستمرارية والموضوعية والصدق من جهة ثانية . لكن لمن تحكي زبورك ياداود؟؟؟؟

ثم استطرد زميلي متسائلا :
هل بقي للمثقف دور داخل المشهد السياسي لمغرب اليوم؟
قلت دونما تردد”
يجذر الحديث عن مواصفات المثقف ، أو شبه المثقف ، المستهدف أولا حتى تتضح الرؤيا ، بعد ذلك ، هل يليق به ، وهل بقي له …
من حيث المبدأ ،بإمكان أي مثقف ، أن يلعب دورا ما داخل المشهد السياسي ألفسيفسائي لمغرب اليوم سواء عبر الانتخابات أو غيرها من قنوات التوصيل . مع استحضار حكمة إن العرق ليس دائما عنوان نجاح ، يبقى السؤال ، عن حجم وطبيعة و نوعية الدور، وفيما إذا كان ذا قيمة مضافة إلى التنمية البشرية في بلده ، وفيما ادا كانت نتائجه قابلة للتحقق داخل الأجل المحدد .
نعم ، هناك ما يكفي من الأدوار ، هناك متسع من الوقت ، والأمل أيضا، يمكن للمثقف المناضل الحقيقي أن ينجزه وجوديا و سياسيا ، لندع المثبطات جانبا ، وننظر إلى نصف الكأس الممتلئ، لقد أصبح راتب المعلم في السلك الابتدائي في مغرب اليوم ، وهذا ليس شعارا ، يقارب المليون سنتيم ، وأصبح بإمكان الصانع التقليدي والبناء و الصانع التقليدي والحرفي ، في مغرب اليوم أن يحصل على قرض يتجاوز 10 ملايين من السنتيمات لاقتناء سكن، وأداء القرض بالتقسيط على مدى يتجاوز 15 سنة..هذا أيضا ليس شعارا ..
كما أصبح بإمكان سجين دو سوابق أن يصبح بمجرد كتابة طلب خطي بسيط إلى اقرب محكمة، إن يصبح مديرا لجريدة.. ويسب ويلعن من يشاء ، ويسطح عقول ويخدش حياء من يشاء .
حدث ذلك في اقل من 10 سنوات ، ويمكن التنبؤ بالمثل في غضون العشر سنوات القادمة ، لكن بالمقابل، كيف يتم تصريف المواطنة كعملة برغماتية ، أي مالذي يفترض في المواطن أن يسديه خدمة لسياق التداول بين المواطن والدولة؟
كيف ننمي حرص المواطنة على إذكائه وتخصيبه وتطويره بحسن نية وبفاعلية من دون توريط السلطة التقديرية، والزج بمساحات الحقد والضغينة وحقن الجسم السياسي بها إلى درجة الإدمان والشعبوية؟؟؟
تنبيه من السارد إلى القارئ : لك أيضا الحق كل الحق في النظر إلى الجانب الفارغ من الكأس…

وعاودت” دعنا من كل هذا …والحب..؟؟
هل للحب مكان في زمن العولمة الكاسح هدا ؟
قال طبعا ، وبنكهتها”
نعم ، للحب مكان ، وملح طعام العولمة .. الحب .في أقصى تجلياته
العولمة مساحة إضافية لاغناء الحب الإنساني في نبله وطهارته ،في كونيته وناموسيته ، شريطة أن تقتنع الذات المنتجة لهذه العملة السيكولوجية المتفردة في خصوصيتها ، أن الكرة الأرضية بقاراتها ومحيطاتها ، ليست لها وحدها ، لكي تعيش ، وتسود ، وتمرح، أو تتعرى، أوتسدل لحاها ، كما يحلو لها ومتى تشاء ، عليها أن تأخذ بان التعدد، حياة ، وحوار ثقافات ، ليس مجرد الإيمان به بلفظ وكلام ، وإنما الأخذ به كنظام تواصل ، وأسلوب حوار ،وتصريفه عملة يومية . لسبب بسيط ، هو أن هناك أناسا آخرين يعيشون معنا على نفس الكوكب ، شاءت سياقات وثقافات وحكامات ، أن يتبوءوا مراكز الأفضلية على مستويات متقدمة ، في الاقتصاد والتكنولوجيا ، في الفكر والسياسة والعلوم ، وتشاء نفس الاختيارات أن تبؤئنا مراكز غير محترمة ، وهم كذلك ، نختلف معهم في الأفكار والدين والثقافة ،وهذا حقنا ، وكما نحس بأننا ندافع عن ديننا وثقافتنا وتراث أجدادنا ،أو بالأحرى كما “نريد نحن أن نعيش أحرارا ولا نقبل تدخل احد في أفكارنا وديانتنا وطريقة حياتنا التي ورثناها عن ثقافة أجدادنا، فأولئك الآخرين أيضا يختلفون عنا ، ويريدون الشيء نفسه” وهو محقون. بهذا المعنى ، ربما يصبح الحب سيد هذه المسافات كلها ، وملح طعام العولمة وأحد أهم توابلها.
عزيز باكوش
كاتب وإعلامي.