الرئيسية » مقالات » نحت على نزيف الوطن

نحت على نزيف الوطن

مقدمة..
بالفعل امرأة غريبة في انتمائها لنفسها، فهي تارة تغطس في العمق من شعورها الوجداني، وتارة أجدها رافضة كل ما يحيط أحلامها المتفجرة بقوة نحو المستقبل، الشاعرة سحر مهدي الياسري.. تريد إشعال الضياء من حولها وتريد أن تمد الشمس بنورها على كل الأجواء حتى تصل أبعد نقطة في أي زاوية، ولكنها تجد أن الأمور ليس كلها في محط يدها، فالشاعرة سحر في قصائدها، تحاول الانفلات، وتوصيل صورة متكاملة، وليس أشلاء لحياة مسها الغدر من كل جانب، ظنت سحر مهدي، أن الحرب وصلت حتى صميم القلب، ولم تترك أي فجوة من حياة الإنسان المعذب في هذا العالم.
لذا الشاعرة سحر، تتحرر وترجع للتماسك، تتوعد، وتعود إلى الاستفهامات الكثيرة المغروسة في قاع المجتمع، تتخيل وتصعد قمة التهديد، وتقف لمشاهدة، الواقع، واكتشاف الأسرار، فكتبت بمشاعرها الواضحة على لوح القمر كلمات، هي حصيلة مباهج الحياة ولحظات القهر، شدت على بعضها بوهج، وعلقت بعضها بتعنت جرئ، نجدها امرأة أحبت بشكل مجهول عالمها المفترس، لكائناته الطبيعية.
ديوان ((امرأة غريبة)) للشاعرة.. سحر مهدي الياسري، جعلت صمت شعرها يخلق عالم أليف تدخله كل ألوان الكون، بغاباته، ونجومه، ومدنه النائية، حين نجدها تقول:
(نحو الحلم المستحيل أجر خلفي أشعاري وكل المجرات)
يتمثل عندها الآخر بصورة التحام بارع بينها وبين الإنشطار القابل للفعل عنده، متجهة بجمالية عالية نحوه قائلة:
( أسرج خيولي
أحمل أحتمالي
نحوك)
هي يشتد بها الحنين للحياة، كغيمة تحاول الانعطاف إلى الداخل من نفسها، وبتلقائية تُسقط عواطفها، عندها الشاعرة سحر تتحول إلى التنوع في بنية قصيدتها، في المقطع الثاني:
( تزمر أشواقي
في دمي
نداء غيمة للريح
أغنية النوارس للمجهول)
فقمة الجمال المرسوم على وجه انفعالها مع آخر سطر الذي تقول فيه:
( آلاف القبل منك
لن تكفيني
ولن تسكت الذئاب التي تعوي في دمي)
ويضم ديوانها موضوعات تتعاقب فيها الحرارة الزمنية، وفي عصيان قوي، وتتحد هذه المرأة مع التطور، لا تريد البقاء في ثبات حيث نجدها تصرخ:
( النفير!!
النفير!!
كل جسدي
كل روحي
كل قلبي
يجهز لعرسينا
للحظة النقية
للنشوة الهادرة)
في موقفها من ذاتها تنجح في بزوغ البساطة والرقة لتحقيق الإبداع الهادر من عمق موهبتها، وإمكانيتها في التنازل بالقصيدة، نجد هذا في قصيدة ” إني خائفة ” كأن شيئاً ما يصدها عن السير إلى الأمام، بنفس القوة، متشابك مع الواقع، بدايةً من عنوان القصيدة، حتى آخر مقطع منها حيث يحس القارئ بالتراجع، ولكنه ليس تراجعاً، إنها كالذي يمسك زجاج من الجهة الحادة، تبدأ قولها:
( وقلبي يرتجف واجفاً من الهلع
لا أدري لِمَ ؟
شيء ما ينفخ ببوقهِ في صدري)
إلى آخر القصيدة.. ( خلف الباب)
أما في قصيدة أخرى تحاول زعزعة الخوف، وإخراجه إلى التعاقب، وتريد رفع صوتها، بشيء من التمرد، وسحبه إلى زاوية العصيان، فتقول:
( كبركان نشوة بلا انتهاء
يضعضع جدران همومي
ويترجرج محراب الخوف
لتنطلق الآلهة التي
تسكن جسدي
معربدة
متفجرة
صاخبة بالحياة)
للوجود عند سحر رؤية هاربة، وأخرى للحب السجين، والواضح في هذه القصيدة ” استبصار ” تريد تعريف الموقع الجاف من الحياة الصعبة التي تمر بها كأنثى، بما يعادل قوانين التوازن في طبيعة العلاقة، وهي تتمعن بالوجه المشلول للمستقبل حيث تقول:
(لا تقل فكري معي للمستقبل
آمالي نتهشها ذئاب مجهولة
وعصف وحشي يحجب طالعي
لا تسألني
فلا جواب يدفء قشعريرة قلبي الضاج
ولا جواب
يسكب الطمأنينة في قلبي النازف)
في قصيدة ” وحيدة ” تتشابك الرؤية وتعيد نفسها لقفص الأنين، ونجدها كمن لا يحب أن يكون تحت أيّ سيطرة، فتتنبه، وتعاود الابتعاد عن التخاذل للقلب، وتتهيأ للمواجهة في قصيدة ” لا أعدك بشيء ” معتمدة على رغبتها في السيطرة مستمدة من التماسك في طرحها، فتقول:
( لأني لا أملك روحي
فأيامي
منفلتة في دوامة متسارعة
وقدر صامت
يحارب أحلامي
ويغرز خنجره في روحي)
وقمة الإبداع نجده في قصيدة ” أحبك ” تتعالى بالخوض في شاعرية بالغة وجمالية تلبسها حلل الوقار، في استنطاق المفردة حيث تقول:
( لا الآخرين.. لا الزمان.. لا المكان
ولا أي شيء آخر
يقف أمام فيضان روحينا
إنما يعترض درب الحق)
قد تسحرك الشاعرة سحر مهدي الياسري، بقولها الجرئ في قصيدة ” قبلني أكثر من مرة ” وهي تحتفل بعيد الثلوج، ثلوج شوقها، وتسجل شغف سَلِمَتْ من كل عواملهِ في التحرك بجوف شرنقة المعرفة، فتقول:
( فإني في كل منحنى أرى الفراق يلوح بعصاه
شدني بقوة إليك
فإن الآف النبوءات
تجرني للخوف
ضمني في قلبك
فإني خائفة لئلا يسرق الزمان
أحلى أيامي
ويبدد أحلامي)
عن التوجع الذي يصاحب حب أقوة من حب الحياة، يدفعها إلى الكشف والتطلع بما يغني المعاني، المكتوبة على جدار سميك قامت ببنائه من وجود الوطن، ففي قصيدة
” قرار ” تتخذ قرارها بقول:
( قررنا
أن نلغي كل محطاتنا
ونكون لبعض
أحدنا للآخر
جبل .. لنهر
غيمة لشجرة
لا سند لكلينا
سوى قلبينا
وروحينا المكبلين في هذا “الوطن” )
كل الشعراء يتباهون بحب الوطن تحت ظل الأنثى، أجد الشاعرة سحر تسترجع ذكرياتها مع الوطن بصفة المذكر الذ تستيقظ على وساوس حبهِ، وأرغفة جسده، وفجر عشقه، فتنسق عباراتها المشبعة بالتزاوج مع الغسق عندما تبحث عن وجه مباشر للوطن، ففي قصيدة ” يا ألف رجل ” تلتصق بكل معانيها المتدفقة ومفرداتها المفعمة بالحب للوطن غامسة قولها:
( إني أبيح لك سهولي.. جبالي.. أهواري
” لتستنفر ” كريات دمي
لتخرج كل النساء فيَّ إلى الوجود
لتخرج كل الأطفال فيَّ إلى الشطآن
000
لست امرأة ضعيفة
لكنك سندي
لست امرأة عرجاء
لكنك يقيني
لست امرأة قاسية
لكنك بحر حنيني
لست امرأة هاربة
لكنك وطني
لست امرأة منسية
لكنك كل قصائدي
وهكذا هي الشاعرة سحر مهدي الياسري، في كل ديوانها تمتد شطآن وجبال وأنهار وغيوم ونساء وأطفال وضفاف وزوايا في عمق الوطن وحدوده، تفوح ورود، وحقل الغام، وتحدي، وحقائق، وأمنيات، تصب كلها في حب الوطن، وفراغها الموجع حد التفتت، هو الوطن الذي يحتويها مهما ابتعدت عنه.