الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933) الحلقة السادسة

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933) الحلقة السادسة

وعلى ما يبدو فان افتقار المجتمع العراقي، في السنوات الاولى من عهد الملك فيصل الاول، إلى الوحدة المتماسكة، لم يكن مجال اختلاف الساسة البريطانيين فقط، وانما موضوع شكوى العديد من كبار المسؤولين العراقيين ايضا، ومنهم العاهل العراقي نفسه، ففي مذكرة وزعها الملك فيصل قال بهذا الصدد: “ان العراق من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، وذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية”.
واستطرد قائلا:”في العراق افكار ومنازع متباينة جدا” حددها على النحو الآتي:
1.الشباب المتجددون بمن فيهم رجال الحكومة.
2.السنة.
3.الشيعة.
4.الكورد.
5.الاقليات غير المسلمة.
6.العشائر.
7.الشيوخ.
وكان يهم الملك فيصل، بصورة خاصة، علاقة هذه التكتلات بالحكومة. وفيما يخص الكورد تحديدا فانه رأى انهم يتأثرون بمن يحرضهم عليها “بدعوى انها ليست من عنصرهم”. واستند في تكوين تصوره، على ما يبدو، على موقفهم من انتخابه ملكا على العراق، فقد ترددت بعض العناصر في التصويت إلى جانبه، في وقت كان يتردد محليا، وعلى الصعيد الدولي، احتمال تأسيس دولة كوردية. واتضح ذلك بشكل جلي في لواء السليمانية الذي امتنع عن التصويت ولم يشارك فيه، كما طالب فريق من كورد كركوك بتشكيل حكومة كوردية، على ان لا تضم منطقتهم إلى لواء السليمانية، ولم يختلف الوضع عن ذلك كثيرا في رواندوز بسبب وجود قوة تركية صغيرة فيها، بينما اظهر كورد أربيل قبولهم بالاتحاد مع العراق، وصوتوا إلى جانب انتخاب فيصل ملكا، رغم ابدائهم بعض التحفظات، إذ اصروا على ضرورة اقامة نوع من اللامركزية في مناطقهم.
ومع ان هذه الامور كانت تؤلف نوعا ما عقبة امام اقامة السلطة التشريعية، إلا انه، بالمقابل، لم يكن بوسع البريطانيين، ولا الملك فيصل الأول ان يتجاهلوا رغبات الرأي العام العراقي ممثلا بالصحافة، وعدد من زعماء العشائر ورجال الدين الوطنيين، والاحزاب التي بدأت تتعإلى اصواتها مطالبة باصرار ان تخرج فكرة مجلس تأسيسي إلى حيز الوجود بصورة رسمية، بوصفه حجر الاساس لاقامة حياة برلمانية طبيعية، ولقد بدأت الصحافة تثير الموضوع، وتوجه الاستفسارات الصريحة للسلطة بخصوص انتخابات المجلس التأسيسي بعد تنصيب الملك فيصل على العرش مباشرة. فان صحيفة “الفلاح” البغدادية كتبت بهذا الصدد تقول ان الشعب العراقي “ما جمع كلمته على البيعة لسمو الأمير (فيصل) إلا لانه يتقن قضيته…، وانه سيقوم بواجبه، فيكون ملكا دستوريا عادلا، ويكون أول مشروع يباشره هو المبادرة إلى أمر الانتخاب، وتأليف المجلس التأسيسي النيابي بكل سرعة… هذه هي البغية الأولى التي لا تزال كامنة بين جوانح المفكرين من ابنائها (ابناء الامة)، فلا يطمئن لها قرار حتى ترى انها مشغولة بانتقاء ذوي الكفاءة من ابنائها لمؤتمرها الذي سينوب عنها، ويدافع عن حقوقها”.
وفي الوقت نفسه رفع عدد من زعماء العشائر في منطقة الفرات الاوسط مذكرات إلى الملك فيصل الأول طالبوا فيها، رفضهم التام للانتداب، أو أي معاهدة ترتبط به، ضرورة تدشين الاسس الديمقراطية للحكم باسرع وقت ممكن( ). ولم تكن هذه التوجهات بعيدة عن توجهات رجال الدين الوطنيين، بل صبت في صميم ما كانوا يدعون اليه.
وحظي موضوع اجراء انتخابات المجلس التأسيسي باهتمام الاحزاب السياسية التي اجيزت بصورة رسمية، مثل “الحزب الوطني” و”حزب النهضة العراقية” اللذين اكدا في شعاراتهما ضرورة اقامة حكومة دستورية وانتخاب المجلس التأسيسي لسن دستور دائم يضمن ان تكون الحكومة مسؤولة امام مجلس تشريعي كما هو الحال في الحكومات الدستورية( ). ولم يكن حتى بامكان الحزب الموالي للحكومة، الذي اسس بدعم بريطاني، ان يتجاوز موضوعة المجلس التأسيسي، فأكد “الحزب الحر العراقي” بدوره ضرورة “السعي والاهتمام والاجتهاد لسن قانون اساسي للمملكة العراقية مبنيا على الاسس الديمقراطية الدستورية النيابية”.
أدى تتويج الملك فيصل، وحاجة بريطانيا لعقد معاهدة مع العراق لتنظيم علاقتها به، وتضمن مصالحها بموجبها، ومحاولة امتصاص زخم المعارضة العراقية التي وضعت نصب اعينها اقامة مجلس تأسيسي ضمن اولويات اهتماماتها، إلى ان تصدر الحكومة النقيبية الثالثة في التاسع عشر من تشرين الأول 1922 الارادة الملكية لاجراء الانتخابات الخاصة بايجاد أول مجلس تأسيسي في تاريخ العراق المعاصر.
وفي الرابع والعشرين من الشهر ذاته شرعت الحكومة بالانتخابات وسط صعوبات جدية كان عليها ان تواجهها، وفي مقدمتها الفتاوى العديدة التي اصدرها بعض علماء الدين لمنع الناس من الاشتراك فيها، فضلا عن مقاطعة الحركة الوطنية لها بسبب ادراكها ان الغرض من اجراء الانتخابات هو المجيء بمجلس تأسيسي يصادق على المعاهدة الانتدابية مع بريطانيا، على العكس، مما كانت تريده من ان تكون الانتخابات حرة، وان تجري في “ظل أجواء طبيعية”.
ولم تنفع الحكومة النقيبية الثالثة ما كانت تكتبه بعض صحفها المؤيدة لسياستها من ضرورة المشاركة في الانتخابات، وعدم التقاعس من الاشتراك فيها. فقالت صحيفة “العراق” بهذا الصدد ما نصه:
“إذا لم نلتفت إلى حقنا هذا وقعد بعضنا عن الانتخابات ضيع هذا البعض حقه بيده، وترك المجال لغيره بأن ينتخب، بينما ظل هذا مكتوف اليدين كأنه ليس من أبناء هذه الأمة، ولا يريد ان يشترك في حياتها السياسية وجهادها القومي”.
كانت وزارة عبدالرحمن النقيب أضعف من ان تواجه التحديات التي وقفت بوجه اجراء انتخابات المجلس التأسيسي لا بسبب طبيعتها، وعدم الانسجام بين اعضائها فحسب، بل أيضا لان مهمة كبيرة مثل هذه المهمة، ومقاطعة الانتخابات بشكل واسع شملت البلاد بأسرها قد عصفت بها، وأدت إلى تقديم استقالتها في السادس عشر من تشرين الثاني 1922.
كان لوضع المناطق الكوردية في العراق دور أساس في فشل الحكومة النقيبية في اجراء الانتخابات، فقد تقدمت فصائل كوردية مسلحة مناوئة للحكومة من منطقة راوندوز بأتجاه رانية وسيطرت عليها، ووسعت من عملياتها العسكرية لتجبر المندوب السامي البريطاني إلى اصدار أوامره بسحب القوات البريطانية إلى خط اربيل- التون كوبري- كركوك- كفري تحاشيا من الاصطدام بالمقاتلين الكورد.
فأضحت منطقة السليمانية ومعظم اجزاء اربيل وقسم من كركوك خارج سيطرة الحكومة العراقية.