الرئيسية » مقالات » التاريخ يتكلم الحلقة 110 حياتي في بلغاريا تعاسة + تعاسة

التاريخ يتكلم الحلقة 110 حياتي في بلغاريا تعاسة + تعاسة

انشغلت في ايجاد شقة بايجار مناسب ولكن ذلك لم يكن يخلو من صعوبة، فقد طالبت صاحبة البيت الذي نسكنه باخلائه لانها تحتاجه لتسكن فيه . كان لي في نفس الوقت مشكلة عائلية بيني وبين اخي ازاد الذي كنت بالنسبة له الاخت الكبيرة والاب والام في نفس الوقت، تربطنا علاقة صداقة ومودة اكثر من بقية اخوتي واخواتي حيث يكن لي احتراما عميقا ولاننا عايشنا نفس الظروف في كردستان وتقاسمنا حلوها ومرها. كان يرافقني في اكثر الاحيان فاكون في حمايته.
عثرت على مسكن صغير بسعر رخيص مكون من غرفة واحدة مع حديقة صغيرة ومطبخ صغير، الحمام يحتاج الى تصليح، صاحبته تعيش في غرفة مجاورة لي مع زوجها وابنها. كان المسكن قذرا جدا فبدأت بتعقيمه وتنظيفه ولكني وجدت ان صاحبة الدار غير طبيعية وبدأت اقلق من تصرفاتها، خاصة وان اخي ازاد لا يعود الى البيت ويبقى في المدينة السياحية لضرورات عمله وانا ابقى لوحدي . سلم لها ازاد الايجار لسنة واحدة مقدما وكان 12 الف ليفة. اكتشفت لاحقا ان ابنها الكبير يتعاطى المخدرات ويسرق كل ما تقع يده عليه ليشتري المخدرات، وينتقل بين صوفيا وفارنا، وكانت تبحث عن وسيلة لدفع ابنها وتسفيره خارج البلاد، خشية من قتله من قبل عصابات المافيا والمخدرات ولانه متهم بسرقة اناس كثيرين. انها مصيبة اخرى ابتليت بها! ومن ناحية اخرى لم اكن راضية عن اخي لارتباطه بتلك الفتاة، صديقته وتصميمه على الزواج منها، فقد خمنت انها تفكر في فرض الزواج على ازاد ليأخذها في سفراته خارج بلغاريا، وطمعا فيه كونه يملك مورد رزق جيد، وله اقارب في اميركا وكندا، وهذا حلم لها، كما هو للكثير من البلغار الذين يتصورون ان الجنة في امريكا! عملت المستحيل كي لا تحظى بزواج رسمي واصبحت طرفا في تلك المشكلة من حيث لا ادري.
حاولت الحصول على عمل لكنه اصعب ما يكون للبلغار فكيف للاجنبي! اتصلت باصدقاء ازاد، وزرت د. احمد مزرعاني واطلعته على الموضوع فاقترح علي ان اعمل في مجال بيع الملابس، فقد كان لديه محل للملابس. يزودني بالبضاعة دون مقابل فادفع له بعد ان ابيعها. ولكن اين ابيع البضاعة؟ ولمن؟ فمثل تلك العملية تحتاج الى معارف وعلاقات مع اصحاب المخازن والمحال التجارية. في تلك الاثناء وصلت عائلة من العراق، بيت ابو فادي، بدري جولاغ من القوش وبصحبتهم اطفالهم السبعة. لم يكن لديهم معارف في بلغاريا، ولا يعرفون اللغة ولم يطلعوا على معالم البلد بعد، بدأت اساعدهم في العثور على مسكن وكذلك محل لممارسة نشاط تجاري لهم، وجدت زوجة ابو فادي امرأة طيبة تستحق كل الحب والاحترام، امرأة مؤمنة تعتقد بالله وتعتمد عليه حينما تتعقد امورها، وتسلم امرها بيده لحل مشاكلها، عاشت طوال حياتها مرفهة في الكويت ضمن عائلتها المتماسكة، مكرسة جل وقتها لتربية اطفالها وتحديد ملامح مستقبلهم. امضيت قرابة الشهرين مع تلك العائلة، ونمت بيني وبينهم صداقة وطيدة، على مستوى البيت والعمل ايضا.
عندما اكون وحيدة في البيت احس بخطر داهم على حياتي. صاحبة الدار تخوض معارك مستمرة مع اصدقاء ابنها الذين يطالبونها بديونهم عليه، وما من وسيلة امامها غير بيع امتعتها واثاثها لايفاء تلك الديون، قررت ترك ذلك المسكن خاصة بعد ان اكتشفت ان السرقة امتدت الى حاجياتي وامتعتي الشخصية، كنت افتح احيانا، باب المنزل لاجد شباباً امضوا ليلتهم هنا بانتظار اصطياد ديونهم. لكني عثرت بعد مشقة على شقة مكونة من غرفة صغيرة واحدة قريبة من الدكتور احمد مزرعاني.
في تلك الفترة تعرفت على استاذة جامعية (بيتا) متخصصة في الاقتصاد، تعمل سائقة تاكسي سألتها: لماذا تمارسين ذلك العمل؟” اجابت انها فصلت من وظيفتها بسبب خطة تقليص العمل التقشف نتيجة الاقتصاد المتدهور في بلغاريا، وهي مسؤولة عن طفلة، وزوجها طبيب، والبطالة متفشية والتضخم الاقتصادي قد احرق كل امكانات البلد الذي كان يفتقر الى النظام. زرتها في بيتها وحدثتها عن امكانية استعمال سيارتها للاغراض التجارية واتفقت مع الدكتور احمد مزرعاني لنتزود من البضاعة التي لديه كل يوم حيث لم يكن بحوزتنا مبالغ تفي بالغرض، كنا نأخذ البضاعة صباحا ونتوجه لبيعها في القرى ونسلمه النقود بعد ذلك.
بدأنا منذ خريف 1992 واستمرينا حتى موسم تساقط الثلوج حيث شلت حركتنا فاوقفنا العمل. اقترح د. احمد مزرعاني على فتح شركة خاصة بي، لاحصل على الاقامة الرسمية، ومن ثم نستطيع تشغيل الشركة بمساعدة احمد الذي سيكون هو الممول المالي للشركة. بدأنا الاجراءات الضرورية قرضت 2000 دولار من صديق اخي باسل , احمد العراقي الكردي الفيلي على امل ان تصلني نقود من اخي سلام الذي كان في كندا حينها لاسدد المبلغ واودعت المبلغ في احد المصارف البلغارية، واتفقت مع محامية بلغارية للقيام بالخطوات اللازمة لتسجيل الشركة والحصول على الموافقات الاصولية والقانونية لقاء مبلغ اقدمه لها كاتعاب قدره (300) دولار وهي تتقاضى اجورها قبل بدء العمل واوضحت ان العملية تستغرق فترة الثلاثة اشهر. وادعت بخبرتها الواسعة في ذلك المجال ودفعت مبلغ (300 دولار) لدائرة الضرائب.
في هدْه الفترة قدم خالد اخي مع زوجته سناء واولاده الثلاثة كورين 7 اعوام الياس 5 اعوام مارك عام واحد وسكنو معي في نفس الشقة وهم بامل الهجرة الى كندا .
بعد مضي وقت ليس بالقصير ولدى الاتصال بالمحامية البلغارية التي تتولى تسجيل الشركة ، بدأت عملية ابتزاز، فقد اشارت الى انها تحتاج الى مبلغ (500) ليفا، زيادة عن الاجور المقررة ولدى الاستفسار عن النتيجة النهائية كانت تخبرني بانها بانتظار قرار المحكمة، الذي كنت اترقبه ببالغ الصبر، وهو على وشك الصدور. وحدثتني بلغة التهديد المبطن، واوحت بانها ستترك الامور معلقة هكذا اذا حاولت استفزازها. خرجت من مكتبها غاضبة وصفقت بابه بقوة دون توديعها. تملكتني الحيرة، كيف استطيع الخروج من ذلك المأزق.
اتصلت بصديقة لي بلغارية تربطني معها معرفة بسيطة ودعوتها عندي لشرب القهوة وحدثتها بالامر، فاتصلت فورا بصديقتها في المحكمة وطالبتها بتسليم قرار انشاء الشركة لي. وفعلا نفذت ذلك في اليوم التالي.
ذهبت مباشرة بعد ذلك الى المحامية ومعي قرار المحكمة فتفاجأت واستغربت كيف حصلت عليه واعتبرته خرقا لقرارات الدولة. فالمحامية هي المكلفة باستلام مثل تلك المستندات، استرجعت منها كافة المستمسكات الخاصة بتأسيس الشركة وشعور من الزهو والانتصار يغمرني. لقد حاولت استغلالي لانني اجنبية اجهل قوانينهم وهذه سمة البلغار حينها ، فهم يحاولون استغلال وابتزاز الاجانب الموجودين في بلدهم بطرق غير مشروعة وباي شكل من الاشكال والشعور السائد عندهم هو ان وجود الاجانب في مجتمعهم يساهم في تخريب اقتصادهم الوطني والعكس هو الصحيح.
في شتاء 1993 فكرت في فتح دكان صغير انا واخي خالد لتأجير اشرطة الفيديو وبيع المشروبات الغازية والكحولية، اقترضت مبلغا من احمد العراقي بعد ان سددت المبلغ الاول وباشرت العمل الذي كنت ابدأه في التاسعة صباحا وحتى السابعة مساء، اما يوم استراحتي فهو الاحد فقط. تفرغت كليا لذلك النشاط فكنت اعمل بجهود استثنائية في عز البرد لا تحميني اية وسيلة للتدفئة ولا ارتدي في قدمي الجزم الواقية من البرد والثلج. كانت اجور الكهرباء باهظة فاضطر للاقتصاد بكل شيء، علني افلح في جمع قليل من النقود، وآمل بان ذلك العمل ذو المردود المتواضع، ربما سيتحسن مستقبلا وخاصة في موسم الصيف.
في الثالثة من بعد ظهر احد الايام الشتائية الباردة دخل شاب اسمر، نحيف، طويل القامة، يحمل في يده حقيبة يدوية صغيرة ويرتدي بنطلونا اسود وقمصلة حمراء داكنة. سألته باللغة البلغارية عن مبتغاه فلم يفهم وحاولت معه بالانكليزية فاجابني بانه ينتظر اصدقاءه، ولكن هيأته وملامحه بدت غير طبيعية، فتحت باب المتجر، بالرغم من برودة الجو، ورجعت اجلس خلف منضدة صغيرة وعيوني شاخصة الى الشارع الذي كان خاليا من المارة وسط تلك الاجواء الباردة، فضلا عن انه في مثل هذا الوقت تهدأ الحركة في الشوارع. كنت ولاكثر من ثلاث دقائق يقظة لما يمكن ان يبدر منه. تناول قنينة بيبسي زجاجية كبيرة ووضعها امامي على المنضدة. وقفت على قدمي، فوضع يده في جيبه، اعتقدت انه سيناولني ثمن القنينة، لكنه عوضا عن ذلك فاجأني بسرعة خاطفة بعلبة نفخ رذاذها في وجهي. امسكت يده اليمنى التي كان يرش فيها الغاز محاولة ابعادها عني ولكنه تعلق بيدي الاخرى محاولا سحبي باتجاهه فاطلقت صرخة عالية. وفجأة وجدت ان عيني اليمنى قد اقفلت، كما شل لساني وحنجرتي، ولما حاول انزال قنينة البيبسي الزجاجية فوق راسي امسكت يده بقوة وقفزت فوق المنضدة بالرغم من انه كان قد اطبق على كلتا يدي ولا مجال للمقارنة بين قوته العضلية وقوتي، وجهت له ضربة عنيفة من قدمي كيفما اتفق دون تحديد، فخر ساقطا على الارض. اندفعت الى خارج الدكان اصرخ في طلب العون، فولى على اثرها هاربا.
رأى المشهد سائق سيارة اجرة فاسرع في اثره وتمكن من القاء القبض عليه، وعندما امسك به فتش حقيبته اليدوية فوجدها فارغة، رجع الي السائق قائلا انه لم يسرق منك شيئا فانا فتشته. لم يفهم من حركاتي وكلماتي المتعثرة ما حدث لي بالضبط. عدت عندها الى المحل، وكان بداخله مبلغا قدره 200 ليفا لم يسرقها. دخلت عند الجيران اصرخ وعيني اليمنى مقفلة، كنت اتحدث اليهم بالاشارات وافهمتهم بانني تعرضت الى هجوم، فاخذوني الى الحمام ونصحوني بان اغسل وجهي جيدا وسقوني مشروب كحولي بلغاري – ركية – وقاموا بتدليك يدي. مكثت عندهم حوالي النصف ساعة وبعدها اقفلوا المحل واتصلوا بالشرطة التي وصلت بحدود السادسة مساء، في سيارة يستقلها اثنان من افراد الشرطة يوحي منظرهما كانهما اصدقاء جاؤوا للزيارة اكثر من كونهم من سلك الشرطة. بدأوا معي تحقيقا شفهيا دون ان يكلفوا انفسهم كتابة مجرد جملة واحدة، علما بان آثار الاعتداء كانت واضحة من عيني التي يسيل منها الدمع بغزارة مصحوبة بتورم وصعوبة الكلام . نصحوني بغسلها بالماء الفاتر وايدوا اسفهم من عدم استطاعتهم قطع دابر المجرمين والقضاء عليهم ومكافحتهم باساليب وتقنيات قديمة. حتى سياراتهم هي من الطراز القديم ووضعوا كل لومهم على الدولة التي تساهم بطريقة او اخرى في تصاعد وتائر الجريمة في بلدهم، دون ان تبدر منهم اية اشارة للتعاطف معي او ارشادي الى ما يمكن عمله اذا تكرر الامر مستقبلا. لم اكن استطيع مناقشتهم خوفا من قيامهم بطردي من بلدهم او عدم تجديد اقامتي ثانيا لم استطع التكلم لتعثر لساني من الورم من اثر الغاز الذي وجه على وجهي من المعتدي . لم ابلغهم عن شكوكي في ان السفارة العراقية قد تكون وراء الحادث ولم افصح عن هويتي كوني انتمي الى المعارضة العراقية فموقف الحكومة البلغارية المعلن، كان عدم اتخاذ موقف ملزم بتوفير الحماية للمعارضة، وسياستهم هي ان المعارضة يجب ان تزاول نشاطها على الساحة العراقية لمحاربة نظام الحكم. سكت رغما عني واذهلني ان لا اجد من يمد يد العون لي في مثل تلك الظروف الحالكة. رجعت الى مسكني واويت الى فراشي دون ان يغمض لي جفن فالحادث وصورة ذلك الشخص لم تفارقني طوال الليل.
جاء لتفقدي كل من الدكتور احمد مزرعاتي والدكتور هلال احمد العراقي صباح اليوم التالي ونصحوني بالراحة واستمرار تنظيف عيني بالماء. ازاء ذلك بدأت افكر ببيع المحل والتخلص منه. بعد ايام تكرر الاعتداء علي في محل عملي نفسه، حيث دخل شابان يدل شكلهما انهما من الغجر البلغار وسرقوا عددا من الاشرطة ولدى مطالبتي لهم بثمنها لوح لي احدهم بورقة نقدية فئة 50 دولارا. قلت انا لا اتعامل الا بالعملة البلغارية. دخل اثناء النقاش احد الزبائن من الجيران لشراء قنينة من الكحول البلغاري (ركية) وطلبت منه البقاء في المحل، لكنه خرج واغلب الظن انه لم يفهمني، فشهر احدهم سكيناً يهددني بها وانسحبا مهرولين دون ان يدفعا لي شيئا. لم افكر بالخسارة المادية، فالامر يبدو انه محاولات متعمدة لمحاربتي او الاعتداء علي. كرر احمد نصيحته لي ببيع المحل وكان هذا هو الحل الامثل لتسديد ديوني اولا ومن ثم التخطيط لمغادرة بلغاريا.
تخلصت من الدكان حين تقدم مشتر، فوافقت بسرعة على عرضه وفي نفس الوقت ارسلت استمارة طلب اللجوء الى السفارة الكندية في يوغسلافيا لعدم وجود سفارة في بلغاريا.