الرئيسية » مقالات » السعودية وكابوس العراق

السعودية وكابوس العراق



















 


1






 


1


 

 

صدرت حديثا (يونيو 2007م) دراسة مطولة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى حملت عنوان “مع جيرة كهولاء: العراق والدول العربية المحاذية له” أعدها أربعة من الباحثين المختصين بالشرق الأوسط والشأن العراقي تحديدا وهم الدكتورديفيد بولوك وسيمون هنديرسون وباري روبن وديفيد شينكر.



وعنوان الدراسة الذي اختاره الباحثون لدراستهم هو دون شك عنوان يوحي بالسلبية والأمتعاض من دور الدول المجاورة للعراق، كما أن الدراسة هي محاولة لتأكيد صحة اتهامات أدارة الرئيس الأمريكي بوش بتورط عدد من الدول المجاورة للعراق بدعم ما وصفوه بالأرهابيين سواء بتزويدهم بالسلاح أو بالسماح لهم بدخول العراق عبر أراضيهم لمقاتلة القوات الأمريكية وقتل ألأبرياء من العراقيين هناك.



وفيما يلي تلخيصا للبحث المتعلق بالجار السعودي للعراق للباحث سيمون هنديرسون وهو بعنوان: السعودية وكابوس العراق.



بدأ البحث بتأكيد أن العراق في عهد صدام كان يشكل كابوسا للسعودية وظل كذلك حتى بعد سقوط نظام صدام. وقد أستعار الباحث لفظ “كابوس” من حديث الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي مع الرئيس الأمريكي جورج بوش في مايو 2006م عندما وصف علاقات السعودية بأيران بقوله “إن أمامنا كابوسين في علاقتنا بايران: الأول هو أمتلاكها للقنبلة النووية والثاني قيام الولايات المتحدة بضربها عسكريا لمنعها من أنتاج القنبلة النووية” (كريستوفر ديكي – نيوزويك أنترناشنال 9 أبريل 2007م).



فإذا كان كابوس العراق أيام صدام يكمن في سياسة بغداد الرعناء والتي جعلت المنطقه غير مستقرة الا أن كابوس مابعد صدام يكمن في الفراغ السياسي وتصاعد التأثير الأيراني-الشيعي.



وتقول الدراسة أن صدام كان بمثابة الحصن المنيع أمام المد الأيراني الشيعي الذي تخشى السعوديه أن ينازعها في دورها القيادي للعالم الأسلامي وراعيتها للحرمين الشريفين المقدسين لدى المسلمين.



كما يشير الباحث الى مخاطر تنامي تأثير الأقليات الشيعية في السعوديه (وهم يشكلون الأغلبيه من سكان المنطقه الشرقية) والبحرين وباقي دول الخليج. ويشير الى أنه في سبيل محاصرة الثورة اليرانية التي أندلعت في 1979م فأن السعودية وغيرها من الدول الخليجية أمدت صدام بالعون المالي ليشن حربه ضد إيران.



وخلال فترة ماقبل 11 سبتمبر 2001م كانت واشنطن تبدي تفهما لسياسات وجهود السعودية الهادفة الى الحفاظ على مركزها ودورها القيادي في العالمين الأسلامي والعربي من خلال نشر الوهابيه ودعم المجاهدين سواء في أفغانستان أو الشيشان أو البوسنه، ولكن لم يعد الأمر كذلك بعد هجمات 11 سبتمبرالتي كان أغلب منففذيها من السعوديين لأن واشنطن باتت تنظر الى المجاهدين وتنظيم القاعدة كعدو رئيسي.



التفكير السياسي السعودي
حاولت الدراسة استعراض واقع التفكير السياسي السعودي في مرحلة مابعد أحداث 11 سبتمبر مستهلة هذا الاستعراض بايضاح أن السعودية لم تأسف على سقوط صدام لأنها رأت حتمية ذلك ولكنها – بسبب تداعيات أحداث 11 سبتمبر – لم تقدم نفس التسهيلات التي قدمتها للولايات المتحدة أبان حرب تحرير الكويت في 1990م حيث منعت طلعات الطائرات الأمريكية من مطار قاعدة الأمير سلطان ضد بغداد ولكنها سمحت لها باستخدام مطاراتها الواقعه على مقربة من الحدود السعوديه- العراقية.



وتضيف الدراسة أن ذلك الموقف السعودي الرسمي يندرج ضمن الأوليات الثلاثة للسياسة الخارجية السعوديه والتفكير السياسي لأصحاب القرار في الرياض: أولها ، الحفاظ على مكانة السعودية كقائدة للعالم الأسلامي ، وثانيها الأستمرارية في البقاء ضمن قيادة العالم العربي، وثالثها الأستمرارية كأكبر دولة مصدرة للنفط في العالم.



وتشير الدراسة الى قلق الرياض من تطورات الأوضاع في العراق وانتخاب الحكومة التي تسيطر عليها الأغلبية الشيعة حيث أعادت الى الأذهان تصريحين لوزير الخارجية سعود الفيصل، الأول في سبتمبر 2005م أوضح فيه قلق بلاده من  “تهريب الأشخاص والأموال والسلاح من ايران الى العراق وتدخل ايران في الشئون السياسية العراقية”؛ وأعقبه تصريح أخر أمام مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية بواشنطن والذي انتقد فيه واشنطن “لتسليمها العراق الى الإيرانيين بدون أسباب واضحة”.



وهذا التصريح الناري ضد أيران دفع متحدثها الرسمي الى التعبير عن دهشته واستنكارة الشديد ووصفه بـ”اللاواقعي” تماما مثلما أثار أيضا غضب المتحدث الرسمي بوزارة الداخلية العراقية الذي قال أن بلادة لا تنتظر “بدوا من الصحراء يمتطون ظهورالجمال لأسداء النصائح لها “.



وتشير الدراسة الى محاولة الرياض الظهور بمظهر المصلح بين السنه والشيعة في العراق وجمعهما على طاولة واحدة في أطار منظمة المؤتمر الأسلامي والذي نتج عنه التوقيع على أتفاق مكه في 22 أكتوبر 2006م وهو الذي  تقول الدراسة أنه لم يحظ بدعم الملك عبد الله كاتفاق مكه الأخر بين فتح وحماس الأ أن الرياض بحسب الدراسة باتت تستشعر خطورة التأثيرالأيراني والشيعه عليها.



دعم السعودية للسنه في العراق
تشير الدراسة الى أن السعودية وجدت نفسها بين تأثرين: الأول هو الضغط القادم من قيادات السنة الذين خسروا مراكزهم  القيادية بسقوط  نظام صدام، والثاني جموع المواطنين العراقيين من السنة الذين أصبحوا أقلية خارج الحكم مقارنة بالشيعة والأكراد.



وترتبط العديد من قبائل وعشائر العراق من السنة بوشائج مع قبائل السعودية كما أن المجاهدين من السعودية الذين استطاعوا الوصول الى العراق لمقاتلة “الكفار” الأمريكان والبريطانيين في العراق جاءوا أيضا بالدعم المعنوي والمادي لأقرانهم من قبائل ومجاهدي السنة بمن فيهم منتسبي القاعدة.



كما تضيف الدراسة الى أنه “على الرغم من الموقف الرسمي للملكة العربية السعودية المناهض للأرهاب وتنظيم القاعدة داخل المملكه، الآ أن الرغبة واضحة في محاولة استغلال رغبة المجاهدين الشباب من السعوديين للقتال في العراق” لأسقاط الحكومة التي يسيطر عليها الأغلبية الشيعية والتصدي للتأثير الايراني في العراق. وتشير الدراسة الى أن كلا من السعودية وايران يرى في العراق الآن دائرة لنفوذه.



وتورد الدراسة مقالة لـنواف عبيد مستشار الحكومة السعودية الذي عمل مستشارا للسفير السعودي بندر بن سلطان في واشنطن نشرتها الواشنطن بوست في 29 نوفمبر 2006م قال فيها “أذا أنسحبت القوات الأمريكية من العراق بصورة مفاجئة فأن السعودية ستتدخل بقوة لحماية السنه العراقيين من الشيعه المدعومين من ايران”.



وبالطبع سارعت السعودية من خلال وكالة الأنباء السعودية الى نفي مقال نواف عبيد وقالت بأن ماورد فيه “لا أساس له من الصحة”. كما تبين الدراسة أختلاف الأراء بين الأوساط والشخصيات الحاكمة في المملكة حول مايجري في العراق وتشير الى أن العودة المفاجئة للسفير تركي بن عبدالعزيز وتركه منصبه كان تعبيرا عن الدرجة التي وصل اليها خلافه مع السفير الأسبق بندر بن سلطان الذي – بحسب ماجاء في مقال أخر لكاتب هذه الدراسة (سيمون هندرسون) نشرته الوول ستريت جورنال يوم 16 ديسمبر 2006م  – “كان بسبب الزيارات والاتصالات التي كان يقوم بها الآمير بندر الى البيت الآبيض دون علم الأمير-السفير تركي”.



استراتيجية السعودية في العراق
تنتهج السعودية سياسة ذات وجهين أزاء العراق: التواصل مع  للحكومة العراقية وأظهار الدعم لها من جهة ومواجهة التأثير الأيراني في العراق من جهة أخرى. وتتبين تفاصيل هذه الأستراتيجية من الوقائع التالية التي أوردتها الدراسة كأمثلة توضيحية :



أولا: محاولة الأصلاح بين السنة والشيعة في العراق:
ففي أبريل 2007م تضمنت خطبة صلاة الجمعه لإمام المسجد الحرام الشيخ عبد الرحمن السديس دعوته لمسلمي العراق بالوحدة وحذر من وقوع “كارثة إنسانية كبرى” في حال استمرت أعمال القتل” مذكرا المسلمين بما جاء في القران الكريم “وأعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا”. وتنظر الدراسة باهتمام الى موقف الشيخ السديس كونه من المتشددين في المؤسسة الدينيه وبأنه “متعصب واهابي بارز” بحسب ما ورد في مقال ستيفن شوارتز وأرفان العلوي في (ويكلي ستاندارد – 5 مارس 2007م).



ثانيا: معارضة فكرة تقسيم العراق:
قال وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل في يناير2007م بأن “تقسيم العراق أمر غير مقبول، ومن الضروري تجنبه لأنه سيضر بالعراقيين الذين عانوا الكثير بسبب النزاعات خلال العقود الماضية”.



ثالثا: أعفاء العراق من جزء كبير من مديونته للسعودية:
في أبريل 2007م وافقت السعودية على محو80% من الـ 15 بليون دولار ديون العراق المستحقه لها.



ويعتقد كاتب الدراسة ان موافقة السعودية على هذه الخطوة كان بسبب ضغط واشنطن خاصة وأن هذه الديون قديمة كما أنها كانت ثمنا لحماية صدام لها من أيران أبان الحرب العراقية – الأيرانية في مطلع الثمانينات من القرن الفائت.



رابعا: المشاركه في مؤتمر بغداد للدول المجاوره للعراق (10 مارس 2007م) ومؤتمر شرم الشيخ (3-4 مايو 2007م ): حيث حضر المؤتمر وفد سعودي برئاسة وزير الخارجية الذي صادق على بيان دعا الى تقديم الدعم السياسي والأقتصادي للعراق، وبحسب الدراسة كان أعلان الدعم ذلك شكليا جدا وقد وقعه كل الوفود التي بلغ عدده سبعين وفدا من مختلف أقطار العالم.



خامسا: التوقيع على اتفاقية التعاون الأمني مع العراق:
وهي الأتفاقية التي صادق عليها مجلس الوزراء السعودي في أحد أجتماعاته الأسبوعية وتنص على أمتناع الدول المجاورة للعراق عن محاولة زعزعة أمن وأستقرار العراق أو ” السماح لأراضيها بأن تكون منطلقا للتخطيط أو التنظيم أو التنفيذ لأي عمليات أرهابية ” ضد العراق. كما أن السعوديه أعلنت عزمها أقامة سياج أمني اليكتروني على طول حدودها مع العراق والتي تقدر بمسافة 560 ميلا .



وفيما يخص مواجهة السعودية لأيران تشير الدراسة الى النتائج السلبية لزيارة مستشار الأمن القومي الأيراني علي لآرجاني الى الرياض  في فبراير2007م  حيث اشار المسئول السعودي عادل الطريفي بحسب مقال نشرته النيويورك تايمز يوم  2 مارس 2007م  للكاتبين حسن فتاح ونزيل فتحي بأن ” المسئول الأيراني ” غادر الرياض وهو غير مرتاح”. كما أنه يعتقد بأن المواجهة بين الملك عبدالله و الرئيس الأيراني أحمدينجاد أثناء زيارة الأخير الى المملكة في مارس 2007م كانت” حادة ومباشرة”.



وتضيف الدراسة أن الوضع المتأزم في العراق ستكون له تداعيات سلبيه على السعودية من حيث تقوية وضع الشيعة في المنطقة الشرقية وأستقواء تنظيم القاعدة في المملكة:
أ) فالشيعة في السعودية “يعانون من التمييز ضدهم، وعلى الرغم من أن “منطقتهم تنتج معظم نفط السعودية الأ أنهم – بحسب الدراسة – يجدون صعوبات في الحصول على الوظائف في الشركات النفطيه بسبب عدم الثقه بهم”. كما أنهم ” لا يحظون بالتمثيل السياسي الكافي ويجري أضطهادهم”. وتورد الدراسة مثلا على ذلك بماجرى في أنتخابات المجلس البلدي  في دائرةالأحساء (المنطقة الشرقية) حيث “زيفت النتيجة ضد المرشح الشيعي” للحفاظ على الغالبية السنية في المجلس.



ب) على الرغم من أن السلطات السعودية قد أثبتت مقدرتها على مواجهة خلايا تنظيم القاعدة في البلاد الآ أن استمرار الحرب في العراق يشكل عامل جذب للمجاهدين وخاصة الشباب السعوديين “الراغبين في الأستشهاد” هناك.



وتقول الدراسة أن العائدين من العراق الى المملكة يقومون بتدريب البقية وتجهيزهم للجهاد بتمويل من شيوخ الدين السعوديين الأغنياء، وتورد ما نشرته صحيفة الوطن السعودية بأن “عدد القتلى من الجهلاديين السعوديين بلغ 2000 شخصا منذ عام 2003م”، كما تشير  الدراسة الى كلمة نواف عبيد أمام الاجتماع السنوي لمجلس العلاقات الأمريكية-العربية (30 اكتوبر2007م والتي أشار فيها الى  أن اجمالي عدد السعوديين الذين قتلوا في العراق حتى اكتوبر 2006م بلغ الـ 655 شخصا وهو أقل من الجهادين من الجزائر (1875 قتيلا) وسوريا ( 1170 قتيلا) واليمن (1050) والسودان (920) ومصر (890) ولكنه يشكل ” هاجسا للحكومة السعودية”. 



وتقول الدراسة أن السعودية تستشعر الآن خطر القاعدة عليها حيث صرح وزير الخارجية سعود الفيصل بكل وضوح في مقابلة مع صحيفة (لو فيجارو) الفرنسية (يناير 2007م) بأن “القاعدة في العراق لا تهدد فقط السعودية بل المنطقة بأسرها”. كما يهدد المملكة خطر “ولاءات بعض رجال الأمن السعوديين للمتشددين الأسلاميين” وكذا استمرارية الخطر على منشاءاتها النفطية من هجمات الأنتحارييين المنتمين الى القاعدةة كتلك التي حدثت في أبقيق في فبراير 2006م.



وتخلص الدراسة الى تفصيل الخيارات أمام السعودية مبتدية بأعتقاد الباحث سيمون هنديرسون بأن وجود حكومة شيعية مستقرة في العراق هو لصالح السعودية ولكن السعودية لا ترى أمكانية ذلك الخيار لأنها تعتقد بضرورة أشغال حكومة العراقية بمعالجة دوامة الوضع الداخلي حيث أنها – أي السعودية -” تميل نحو تشجيع ودعم المتمردين والمجاهدين السنية لخلق حالة اللآأستقرارفي العراق”.



وعلى الرغم من ترحيب السنه في العراق بقرار التقسيم لأنه سيوفر لهم الحماية من الشيعة الأ أن ذلك الخيار يمثل كابوسا للسعودية لأن الشيعة هم الأغلبية في المناطق الجنوبية من العراق المحاذية للسعودية.



كما أن محاولات السعودية أثارة القلاقل بصورة مكشوفة في ايران سيعود عليها بالضرر لأن أيران ستفعل نفس الشيء داخل المملكة ولكن تملك السعودية حيار تمويل المعارضة بصورة سرية داخل أيران بهدف اسقاط نظام الملالي وحرف طهران عن الأستمرار في مشروعها النووي. كما تملك السعودية خيار تخفيض أسعار النفط لضرب الأقتصاد الأيراني بصورة غير مباشرة (حيث تعتمد الموازنة الأيرانية على سعر البرميل الذي يتجاوز الـ 50 دولار).