الرئيسية » مقالات » الكـرد : واقـع ومستقبـل …

الكـرد : واقـع ومستقبـل …

يكثـر الجـدل حـول ما يطلق عليـه القضيـة الكرديـة مشحونـاً بالمغالطات والألتواءات وفقـر الشفافيـة والوضوح والصراحـة .

ـــ لماذا اصبـح شعب كردستان قضيـة وليس انسان وجغرافيـة مثلـه مثـل شعوب المنطقـة … او بالآحرى لماذا هـم الآن اربعـة قضايـا موزعـة على اربعـة دول ’ كردستان ايران وكردستان تركيـا وكردستان العراق وكذلك سوريـا …؟

ــــ لماذا اصبحوا الشعب الوحيـد الذي يتحدث حـول قضيتـه الآخـرون … وهـل يحق لـي والغيري ان نناقــش ونختلف ونفـرض حلولاً ملوثـة احيانـاً بأخطاء ومظالم الماضي .. كأننا ليس لنـا قضيــة سـوى التطفـل على قضيـة تعنـي الآخر اكثـر مما تعنينـا …؟

ــــ اليس لتلك القضيـة اهـل معنين بها اكثر مـن غيرهم وملزمين لأيجاد الحلول التي تناسبهـم وعلـى الآخرين احترام ارادتهـم بدلاً مـن تخويفهـم بالأحتمالات والنتائـج الكارثيـة اذا ما طالبـوا بحقهـم … وهـل مـن المنطق والحكمـة والأنصاف ان يغيب حـق الشعب الكردي وتلغـى هويتـه وكينونتـه وتنزع عنـه مجمـل خصوصيتـه , ثم نطالبـه فـي العراق ان يدافع عـن عراقيتـه وفـي تركيـا ان يدافع عـن تركيتـه وفي ايران عن ايرانيته وكذلك فـي سوريـا وكأنـه لا كردستانيـة لـه علـى الأطلاق عليـه ان يدافـع عنهـا … ؟

ــــ هـل ان حالـة الأحتراب والأقتتال بين دول استحوذت علـى اجزاء غيرهـا وابتلاع سكانهـا ’ وبين شعب يقاتـل ويضحـي مـن اجل التحرر والأنعتاق وتحقيق الذات ’ هــي حالـة مـن الأنسجام والتوحـد والوحدة المصيريـة ام انهـا فـي واقع الحال حالة انفصال روحي ونفسـي ومعنوي … وهـل ان التعامـل مـع الحق الأنساني للشعوب في تقرير مصيرهـا على اساس الأطماع والمصالـح والمساومات الدوليـة والأقليميـة ’ هو حــل لأزمــة المنطقة وطريق لمبـداء حسن الجوار وتبادل المنافـع بين الشعوب … ؟

تلك اسئلـة وهناك الكثير غيرهـا ’ تتطلب وفي هذه المرحلـة بالذات اجوبـة واضحـة موضوعيـة شجاعـة تستند علـى التجـرد والنقاء الأنسانـي … اجوبـة تعيـد صياغـة اسئلتهـا بمحتويات ومستويات اعـم واشمـل..؟

قضيـة مـن تلك .. ومـن المخول اسـاساً فـي معالجتهـا ووضع الحلول لهـا وتحمـل مسؤوليـة التصدي لهــــا وتحديد افاق مستقبلهـا … ؟

الكـرد وحدهم اصحابهـا ومـن يدفع ضريبـة واقعهـا ويناضل ويضحـي مـن اجل تقويـم مسيرتهـا والمسؤولين تاريخيـاً تجـاه قراراتهـم المصريـة وفـرض ارادتهـم فـي تحديد الخطوات الأولى والأخيـرة للوصول الـى اهدافهـم وتحقيق ذاتهـم .

هـل اسمح للكـردي مثلاً وانا ابـن الجنوب العراقي ’ المـريض والفقيـر والجاهـل والجائـع المهمش المنبوذ الذي لا يجـد مـا يميـز ادميتـه عـن حيوانيـة ماشيتـه مـن حيث المستوى الحياتي ’ ان يطالبنـي الكـردي او يحـاول ان يفرض علي ان لا اغيـر واقعـي البائس وابقي على ثرواتي النفطيـة والزراعيـة والحيوانيـة والبيئية والمائيـة والحضاريتـة والجغرافيـة ملكـاً يتوزع على المفروضين علـي اخـوة واشقاء مـن الأردن ومصـر وموريتانيـا وسوريـا وبعض دول المحيط العروبـي … ؟

وهـل اقبـل منـه ان يتير في نفسي الخوف والفزع والعواقب الخطيـرة كوني انتمـي بأغلبيتي العراقيـة الى طائفـة او مذهب هـو الأقليـة بالمقارنـة الى محيطـي القومـي الطائفـي ’ وعلي ان استسلم لواقـع عبوديتي واذلالي ومهانتي والغاء هويتي ’ مـع ان اكثر مـن 90 فـي المئـة من اهلي يرفضون تلك الأخوة المكلفـة الأنتمـاء … ؟

اذن كيف اسمح لنفسي ان اطالب الكـردي بأسم الوطنيـة والوحـدة وفزاعـة الأنفصال ومخاطر التدخلات الأقليميـة والدوليـة ’ ان يبقى مقسمـاً ملغيـاً مستعبداً مـدمر الأرادة مشوه الهويـة فاقـد المستقبـل ’ ليحافظ بذلك على عراقيتـة وتركيتـه وايرانيتـه وسوريتـه على حساب ماهيتـه ولون هويتـه … بعدهـا نقول لـه ’ نشكرك ايهـا الأخ الشقيق الكردي ’ الآن واذا ما استمريت على قبول واقعك المهيـن دون حراك ورض وردود افعال ’ فأنت وطنـي ووحـدوي وليس انفصالي وارهابي وجيب عميـل … ؟

مـا ارفضـه لنفسي واقبلـه للشعب الكردي ثـم ادعي واصـر على اني ليس معطوبـاً اخلاقيـاً وضميرياً وانسانيـاً ووطنيـاً وقوميـاً ’ فأمـر محيـر مثيـراً للخجـل .. تلك هـي التقاسيم المعيبـة للقضيـة بمجملهـا.

نطالب بأسترجاع الأراضي الفلسطينيـة مثلاً .. لكن نستكثـر ذلك المطلب المشروع على شعب كردستان … يطالب البعض بأسترجاع الأراضي العراقيـة فـي عربستان مـن ايران ’ ونرفض حق الشعب الكردي بأسترجاع ما اغتصب منـه … نؤيـد مطاليب سوريـا بأسترجاع هضبـة الجولان وميناء الأسكندرونـة ونستنكر ذلك على الشعب الكردي … الى جانب ذلك كلـه ترفض كل مـن ايران وتركيـا والقوميون العروبيون في العراق وسوريـا الا ان تكون اجزاء كردستان حـدائق خلفيـة لأشباع طمـع ونزعات العنصريـة والشوفينيـة …

لماذا تنظر تلك الدول المحيطـة والبالعـة لكردستان شعباً ووطنـاً بعـد قسمتهـا ’ لمصالحهـا ومخططاتهـا وعدوانيتهـا بعين كاملـة بينمـا اذا ما تعلق الأمـر بحقوق ومصالح الشعب الكردي ’ فتنظـر اليهـا بأقـل مـن ربـع عيـن … ؟

ان الطريق الأسلم لمستقبل المنطقـة وامنهـا واستقرارهـا وازدهارهـا ايضـاً ’ يبـداء مـن حيث تقتنـع دول الجوار الكردستانـي ومنهـا الشعوب بشكل خاص بالحق التاريخي المشروع للشعب الكردي وتدعمـه فـي ان يبداء خطواتـه فـي استعادة استقلالـه وحريتـه فـي بنـاء دولتـه التي سوف تتعامـل مـع جيرانهـا على اساس حسن الجوار والأحترام وتعزيز الثقـة وتبادل الخبـر والأنجازات الذاتيـة والمنافـع ’ ثـم التكامل الأقليمي الحضاري والأقتصادي والمعرفـي على انقاض التطرف والأنانيـة والأستئثار ومحاولات الغـاء الآخـر ثــم ابتلاعـه … بعد ذلك ستتعـزز اواصر الصداقـة والتقارب والتوحـد الروحي والنفـي والمعنوي على اساس العلاقات الأنسانيـة المتينـة … وهذا الأمـر ليس الطريق الأفضل لشعب كردستان فحسب ’ بـل هو الحل الأمثـل لأزمـة شعوب المنطقـة بكاملهـا ونهايـة لمتاعبهـا ولا جـدوى صراعاتهـا ونزاعاتهـا وسفك دمائهـا وتبذير ثرواتهـا وافقار شعوبهـا .

اذا ما حصـل الشعب الكردستاني على حقوقـه المشروعـة في دولتـه ونظامـه وانجازاتـه وهويتـه وخصوصيتـه ’ فستختفـي الأحقاد والكراهيـة وانعدام الثقـة ’ وستنضـح الشعوب بوجـه بعضهـا مباديء المحبـة والوآم والتصالـح والتسامح وفهـم الآخـر وقبولــه والأستفادة المتبادلـة مـن الأنجازات الثقافيـة والمعرفيـة والحضاريـة .

الأمـر لا يحتاج على الأطلاق الى اقتتال ومجازر وومآسـي والرغبـة فـي تدميـر الآخـر حتى ولا الى مؤتمرات واتفاقيات وضمانات اقليميـة ودوليـة معقـدة فـي اجواء الغالب والمغلوب والخادع والمخدوع ولا الى حصارات وتهديدات وابتزازات وتجريد الحق مـن مضامينـه وافراغ الحقيقـة مـن محتواهـا ’ ثـم ينتهي الأمر الى حالة الألتفاف عليه واعادتـه الى حيث ابتداء مـن مربـع الخطـاء التاريخي وما ترتب عليـه مـن مظالـم ومجازر ومآساة مشتركـة .

الأمـر يحتاج بكل بساطـة الى موضوعيـة ومواقف شجاعـة واحترام للحق المشروع وانسنـة الوعـي والثقافـة والأفكار وتهذيب الذات وتطهير النفس مـن تراكمات اخطـاء وخطايا وشذوذات الماضـي التي لم تعـد صالحـة الأستعمال فـي واقـع التطورات والتحولات الكونيـة الهائلـة وخاصـة فـي مجالات حقوق الأنسان والشعوب والمجتمعات ’ واضمحلال اورام التعصب القومـي والتطرف العنصري .

ان يتمتـع الشعب الكردستاني بنفس الحقوق والمكتسبات التي تتمتع فيهـا شعوب الجوار ’ وان تكون لـه مثلهـم خصوصيتـه في دولتـه ورئيسـه وبرلمانـه وثرواته وانجازاتـه وعلمـه ونشيده الوطني وفريقـه الرياضي ’ سيكون بالتأكيد كريمـاً متسامحاً متعاونـاً متحاباً مـع جيرانـه’ ومعهم يعيدون كتابـة تاريـخ المنطقـة ويرسمون مستقبلهـا الأفضـل … هـذا هـو المنطق والطريق الأسلم ’ وان لم يستيقظ الجميـع ويبداوا خطواتهـم المشتركـة فيـه ’ فالغــد اصبـح قريبــاً والحق على الأبواب والنصـر لأرادة الشعوب …