الرئيسية » مقالات » إبنة هادي العلوي الصينية !

إبنة هادي العلوي الصينية !

اليوم سيهب علينا أريج كونفوشيوس ، ووهج من روح الفيلسوف هواي نان تسه ونفحة روحانية من صوفية الأديب أبي الحسن البغدادي !
اليوم أخبرني صديقي الدكتور غانم حمدون بأن ابنة هادي العلوي” wu yunru ” ستعرّج لوداعه فهي مغادرة للندن نهائيا اذ انتهى عقد عملها في مصلحة تبادل الخبراء ، وسنتناول معها وجبة الغداء لو كان بوسعها ذلك ، فهي على عجلة من أمرها .
أطلت في الواحدة ظهرا من يوم 14/8/2007 ، وكنت في الصالة استمع لترحيب الدكتور غانم بها، وأنا على تلك الدرجة من الفرح والسعادة برؤية ابنة الرجل الأبي والكاتب العراقي الزاهد والشخصية المرموقة في عالمنا النزر ، الذي لم يجد الاّ بالقليل من أمثاله . كيف ستكون ابنته ياترى ؟. وبلا مبالغة كنت شديد التعلق بفكرة رؤية امرأة صينية هي من دمنا ولحمنا ! مع ان العالم اجمع هو روح واحدة لافصام لها في النظر الانساني الشمولي .
كانت امرأة نحيفة ، متوسطة الطول ، طيبة الوجه، باسمته ، ولكنه وجه صيني مائة بالمائة ، ولا أثر لملامح أبي الحسن فيه . ولحظتها لم يتح لي أن استفسرعن ذلك.
تبادلنا التحايا والترحيب ، وقام أبو ثابت بتعريفنا لبعضنا . كان اسمها زهرة ، وهي تفوح رقة في طريقة نطقها للغة العربية الفصحى ونحن بدأنا نتحدث بفصاحة أيضا وباعتناء يضحكني في داخلي اذ لم اتعوّد الكلام الأ بتلقائية اللهجة العراقية الدارجة . ياإلاهي كم جميل لفظها العربي وبايقاع صيني . تدرج الحديث عموما نحو الحياة في بكين وتجربة بعض الأشخاص هناك ، وكيف كان هادي العلوي كريما مع الناس وخاصة مع بعض العوائل المحتاجة ، وعن نشاطه في التعلم والتعرف على الأدب والسياسة والحياة . وكم كانت هي هيمانة بذكراه . وكيف ان أبا الحسن البغدادي كان نموذجا للعطاء ولقد قالت زهرة وبالحرف الواحد : ان هادي العلوي يعطي ولايأخذ ! .
وهكذا كان والدها مدار حديثنا ، فذكر لها الدكتور بأني من محبيه واني رثيته .. كما أشرت أنا الى رسائل تبادلناها ومشاعر صداقية واخوية ربطت بيننا وهي حبيبة على قلبي اعتز بكل حرف فيها ، منها انه أشاد بقصائد لي في ديوانين كنت قد ارسلتها له الى بكين ، فعلق تعليقا جميلا عليها ، ولقد اخبرني بوقتها انه أهدى هديتي اليه الى مكتبة جامعة بكين وهذا تقليد هناك بغيته تعميم الفائدة بين الناس . رسائله اليّ كانت منذ أيام غادر المنطقة العربية بعد غزو الكويت وأنا أحتفظ بها كمن يضم صورة الحبيب الى صدره، لكنني اخجل من اظهارها للنشر مخافة ان يساء فهمي من قبل بعض الاخوة القراء، فهذا زمان التبجح واستعراض العضلات واجنحة الطاووس !.
تمنت wu الحصولَ عليها وأعطتني الايميل الخاص بها لهذا الغرض ، وطلب الدكتور غانم تلك الرسائل للنشر .
اهديت زهرة ديوان شعري قم ياعراق الذي سبق ان اهديته الى غانم والذي تفضل بالتنازل عنه لها، وقمت بشرح مضمون مرثية في الديوان كتبتها عنه بعد وفاته :

هادي رسائلك الشذية زادي
كتميمة بيدي وتحت وسادي
رافقتني والبدر عرس هوادجي
وهجرتني والشمس ثوب حدادي
ولدوح فكرتك الظليلة زهرة ٌ
علوية فواحة ياهادي
لشميمها مازال يعدو فارسي
ويرود عطرك في العثير جوادي
قسما باسمك والتبتل والابا
اني اناصب زيفهم واعادي
لقبت بالعلوي اسم اميرنا
قزح الزمان وكوكب الزهّاد
فعليّ ُ مثل الجذع نسغ جذوره
أبتي ونبع ثماره اولادي
قسما سنطلع من تراب ضريحه
وجروحه كالشمس وجه بلادي
ولسوف يصدح في الاثير بلالنا
الحبشي قدسي الشذى وينادي
سقط الطغاة هلمي دجلة مازجي
بدم الفرات جنونك الطروادي

عام 1999. قصيدة بعنوان رثاء الى هادي العلوي – قم ياعراق . ص162 .

الرسائل :

الرسالة الاولى ونحن في دمشق : انها جواب على طلب نشر بعض القصائد ،ولا يفوتني ان اقول ان هادي يتحلى بأتكيت التراسل والتواصل أي عكس تماما من الكثيرين الذين تهدي لهم عصارة قلبك في اكثر من ديوان فيلوذون بالصمت بعيدا عنك وكأنك شتمتهم عندما اهديتهم !

” عزيزي خلدون .. تحيتي ومحبتي ..

القصائد كلها رائعة .. متفجرة .. كلها جميلة .. اداتك العمودية مكتملة ، وتعمقك في تراث الجواهري يجعلك جديرا بالانتماء الى مدرسته مع اضافة مرموقة من روح الحداثة تعطي عمودياتك نكهة طريفة وجديدة .
سأسعى الى نشرها كلها وسأبدأ بقصيدة ( طرطرا)
التي ستنشر في الغد الثقافي –عدد حزيران تموز ، واعترضتني لوكراسيوس .. لأن الاسم مجهول عندي ، ولعله عند الكثيرين . لو فكرت برمز آخر مألوف متناغم مع سياق القصيدة . رمز كردي مثلاً؟ واصارحك اني متضايق من كثرة الرموز الغربية في ادبنا . فلتنهل من تراث الشرق الغني المتنوع والممتد في اتساعه من آسيا الغربية والشرق الأقصى المترامي في التاريخ كما في الجغرافيا …
مع اعجابي وتقديري .
أبو الحسن

طبعا بامتنان غامر تلقيت رسالة الاستاذ المربي هادي العلوي ابي الحسن البغدادي ، وودت ان اشير له ، لكن لم يتح لي ذلك بوقته ، ان لوكراسيوس هو اسم شاعر وليس رمزا ، وقد قال عنه ماركس: لوكراسيوس غضر وشجاع انه بالشعر سيد العالم!.

والقصيدة التي اطلع عليها الأديب العلوي بهذا الصدد هي المنشورة في ديوان البقايا ص 116 وبعنوان في حضرة لوكراسيوس :

أنت جلست َ قبالة َ لوكراسيوس
وأنا ملغي ٌ في ظلي
والعادة أن أجلس بين الفقراء المحتشمين
ومن حولي احذية الشحاذين البررة
أنت جلست وفنجان القهوة في يدك المخمورة
كيما تشرح شيئا ً مختصرا ً عن موتي
عن جوع الخالات بداري
عن عورات صغاري
كنت تتمتم شيئا خلف زجاج المقهى الحجري
وكنت اراقب من خلف الكرة الأرضية
بعض مسامات بجبينك ! عوّلت ُ عليك !
خلعت على كفيّك فراشات دمي
أجهضت الروح ثلاثا ً من أجلك كي تتكلم
” لوكراسيوس ” بمقعده يصغي
والعابر والمستطرق يصغي
وأنا لا أستأهل الاّ أن أتألم
مرميا ً خلف زجاج القزح المر
بمزادك مثل مطلّقة ٍ رحت اراهن
أن تأتيني بالأرغفة المغشوشة
حتى لو بالسُم لأطفىء جوعي
لكنك ناورت َ على كلّ رضيع ِ
وقطعت َ الحلَمَة ْ
وحرقت َ على طاولة ٍ في المقهى كرّاس بكائي
وتحدثت الى لوكراسيوس عن الحفلات الليلية
والبورصة والعملات الصعبة ْ
وعن إمرأة ٍ ( …. ) . !

الجزائر عام – 1980

رسالة ثانية :

جنسيتنا الطبقية واحدة
والقبلات على سحنات الأطفال موحدة
بآذان بلال ( 1) ..

عزيزي خلدون
عليّ أن أشكرك لما أتحفتني به من شعرك الشعري بعد أن بعد عهدي به منذ هجرتي الاضطرارية وهجرتك المقابلة ، ونحن ولله الحمد في هجرة دائمة . نعم جنسيتنا الطبقية واحدة ويوحدنا على سحنات الأطفال صوت الحبشي بلال وهو يوجه نداءاته للسادة الغر والبيض الوجوه فيتداعون اليه دون ان ينكره الاّ متعنت اكلته العنصرية فلم تترك له قلبا احمر ولاضميرا ابيض ولاعيونا سوداء . ذلك الذي قال وقد رآه يعتلي ظهر الكعبة : أما وجد
محمد غير هذا الغراب الأسود يؤذن له ؟ لكن الغراب الأسود حافظ على لونه ورفض الابيضاض. وليس البياض هو شرط الكينونة كما يزعم (عمانؤيل كانت ) الذي لم يمنعه توغله في اسرار الوجود من تصدير العنصرية البيضاء وهو يقول : الملوّن غير قادر على التفكير ! .. ولئن كان بعض الملونين من يصدق مقولة ( كانت ) فيرضى بالعبودية والتبعية فان روح الحكمة المتأصل في وعي الشرق يؤكد على الدوام سطحية الفكر الغربي وتناقضاته التي لاتعد ولاتحصى .

” أموت وفي قبضتي زهرة من دماء الغفاري…”(2) هكذا أنا أيضا أموت وفي قبضتي زهرة من دم التاو ، ونحن سواء في حكمة الشرق من يسوع الناصري الملطخ بدماء الأصيل (3) الى ابي ذر حمدان الى جداول الشفق الدامي فوق السور العظيم :

هكذا يوم تتويج الامبراطور
او تنصيب الوزراء الثلاثة
لاتبعث هدية من يَشَب
او فصيلا من اربعة خيول
بل الزم مكانك وأظهر التاو .

هو نفسه الذي اخرج التاجر والحاكم من ملكوت السماء ، ومازال الصراع بينه وبين الامبراطور بأشكاله وتلاوينه ولغاته الشتى ونحن تلاميذه اغتربنا باغترابه وتوالت علينا الهجرات مابين تخوم الارض وتخوم العقل وضفاف الضمائر المبتلة بمياه الفرات والنهر الأصفر .. دائما اهاجر لئلا يحق علي ّ قول شيخي صدر الدين في المستقرين الراكدين الذين يقولون بسكون الأرض وتجلد التاريخ والنائمين على اسرة الحمد الأبدي بعيون مغرورقة بحلم السلام الذليل .

” ماجدوى الروح اذا لم تسكن في فوهة بركان ”
(4 ) .
هاهي روحك الملتهبة اتحسس جمرها يأتيني من فوق الهملايا الى محطات السور العظيم وقد ابتلت بقطرات من انهار الصين تتأكد فيها القرابة مابين تاو الأبد وجبل قنديل .
بلغتني رسالتك والمجموعتين وأنا أتأهب لمغادرة هذا البلد الكريم متوجها الى الوطن الآخر سوريا .
وذلك هو خياري الأخير حيث سأستقر الى ان تعود مياه الرافدين الى مجاريها .
ساسافر بعد أيام . وأمل ان نبقى على اتصال بالبريد السوري ، وعنواني هناك : هادي العلوي .. دمشق – المزة
ص ب 9045

اهديت المجموعتين بعد قراءتها الى مكتبة الجامعة والكتب تهدى اكثر من مرة لتعميم الفائدة منها . وكم هزني أن اطلع على كتب في مكتبات عامة وعليها اهداء المؤلف لصديقه ، الذي قام بعد قراءتها بإهدائها الى مكتبة ! وأذكر منها كتاب ” التوهج العظيم ” للفيلسوف التاوي العظيم ( هواي نان تسه ) بطبعة انجليزية عليها اهداء المترجم وهو من سكنة شنغهاي عام 1932، الذي صادف عام ميلادي ! .
اشكرك مرة اخرى … وكنت اتوقع ان لاتنساني كما نسيني بعض الباكين على شيوخ النفط من زملاء الأمس . لقد تخلّقت بأخلاق يسوع والغفاري واستحكمت فيك وانت تعيش في ملاذ غربي ، روح الشرق التي لاتخبو … ايها الوفي النبيل .
هادي العلوي
بيجينغ 1994

الأرقام أعلاه في الرسالة هي اشارات الى قصائد في الديوانين المرسلين .
( 1) : مقطع من قصيدة أسئلة الغرانق المهاجرة ص70 من ديوان شكرا من الكامب :

ان الحرب ضروس
والذئبة تلحس منذ سنين
كبد المدن المنفية
والنهر المتدفق بالأجساد البشرية
ينساب على مهل ٍ بغرانقَ طافية
فوق رمال بكاء ْ
وغرانق من ظمأ ٍ تنهار على حبة ِ ماء ْ
الدنيا شباك دُخان ْ !
ورؤوس النسوة ِ ماعادت غير جماجم
ملآى بزهور ٍ ورصاص
ضاع أبي فوق خصيب القلب
وأُمي في الضفة الاخرى
جنسيتنا الطبقية واحدة ٌ
والقبلات على سحنات الأطفال موحدة ٌ
بآذان بلال
وبحصران الفقراء الممدودة حيث تعوّذنا
فلمن في ليلة غدر لا ليلة قدر للموت أُخذنا ؟

الجزائر في عام 1985/ والقصيدة عن الحرب العراقية الايرانية .

*******

( 2) : مقطع من قصيدة رسالة الى أبي ذر الغفاري ص49 من ديوان شكرا من الكامب :

روح تهاجر أوطانها
ولاتتهجى المذلة ..
أسكن بين ثيابك من شدة البرد .
لا أتمسح فوق وصيد السلاطين
أموت وفي قبضتي
زهرة من دماء الغفاري
اجرب أن أتمزق في الريح طيرا ً
بأسلاك أمتنا الشائكة
وأكتب اسمي
على سيف عروة َ
لا شيء أجمل من فقرنا
وأحلى من الموت
جوعا وراء الصعاليك …

*******

(3) : قصيدة نبي ص10 من ديوان كتابة على صليب وطن :

صاح من قمة الصليب
” أبتي
لماذا تخلّيت عني ”
كانت جدائل من دمه تتهاوى
خيوط ٌ من الوهَج القرمزي ّ تسيل
جداول ُ من شفق ٍ دافىء
ودموعٌ من الجمر تهطل
كان العقيق
يلطخ أقدامه بدماء الأصيل
ويقطر من تحت رجليه بستان ُ رُمّان ْ

*******

كل الطيور ارتأت أن تنام
على صدره الدافىء الثقيل
… وكل الغيوم تمرّغ أحلامها فوق كتفيه
… لماذا غفت نجمة الكبرياء على الأبنوس الثقيل ؟
ألا تستحي جُلجلة ؟
من الياسمين البريء
ومن هفهفات الحمائم
.. جاؤا به … مزقوا ثوبه
لاكما شاء أن يمنح الآخرين الرداء الجميل .

*******


(4) مقطع من قصيدة بعنوان – قصيدة لدفتر الكون ص47 من ديوان شكرا من الكامب :

ماأكثر عدوى الأنجم والطلع وذرات الرمل
ماأكثره صخبا كل ربيع ٍ يخضر
وكم من ومضة غيث في الافق
صبايا مطر يلعبن … وكم تتراكم في الروح الأيام ُ
ونهصرها من عنق الجورية . نحلم أن
تتفجر بركانا شعرا ودما للأغصان
ماجدوى الروح اذا لم تسكن فوهة بركان
ان لم تمسك قلما من جمر أو خنجر
ان لم يكن الكون لها دفتر .

18/8/1988

*******


يؤكد هادي العلوي أعلاه – في مجال التعليق على القصائد – ومرة تلو اخرى بأنه مخلص لأية علاقة انسانية وأدبية اذ يقوم بقراءة مايرسل اليه ويحيطه بالاعتناء والنقد والملاحظات، انه هو والأديب الراحل الشاعرعبد الغني الخليلي والدكتور حامد أيوب العاني والدكتور غانم حمدون وغيرهم وهم قليل ، قد علموني كما علموا سواي من ادباء عراقيين عديدين اهمية الاعتناء بالمصنف الابداعي انتماءا وديباجة ً، وكان عبد الغني على سبيل المثال عاشقا وداعية من دعاة أدب التراسل الذي اعتنى به الجيل الماضي واعتبره – التراسل – ذخيرا ادبيا وألقا انسانيا بين من يحبون ويعشقون ويتواضعون، ولايقوى عليه المتعجرفون المنتفخو الأوداج الذين لايمنحون الآخر أي كلمة تشجيع . نعم هناك حاقدون ونرجسيون لايمكنهم ان يحبوا !. وكم تكرم الدكتور غانم بدعوة اصدقاء وكتاب عديدين الى مأدبة عشاء وطاولة عمل في امسية يكرسها كلها لتصحيح وترقية النص باللغة العربية وبالترجمة الانجليزية ، وبطريقة رائعة لاينساها ذو ضمير في ان الإمثولة التي يريد ان يتركها الدكتور غانم لدينا هي جمالية ان نتمم بعضنا البعض في تآزر من اجل معرفة وابداع بالمستوى المطلوب . كما ان أبا سعد حامد ” الكبير ” هكذا يسمونه كان مثالا يحتذى بمنطقه وحبه للأدب والكادحين والفداء. لقد كان اساتذتي الأربعة، واثنان منهما قد ودعا الحياة ، نبراسا احمله في القلب من قلبي على حد تعبير لشكسبير . وقد كانت كلمات هادي العلوي عدا ثقتي القوية بنفسي ، زادا يشد من عزمي في مسيرة حياتي الشعرية ، وفي كل صباح انهض فتيا بروح هؤلاء الفرسان الأربعة !
أين هؤلاء من النرجسيين والحاقدين والمرضى وتجار الثقافة الذين يزيدون كآبة الحياة عتمة وسوادا ؟ .

رسالة اخرى تعقيبا على قصيدة عن لينين

دمشق المزة
10 كانون الأول 1995

شكرا للطيب النبيل خلدون .
تحية للطيب النبيل الأصيل خلدون جاويد . بطاقته المهذبة ومجموعته الشعرية وقلبيته الانسانية التي تتفجر بالتاو وتمتلئ بشطحات الصوفية .
كنت أود لو كتبت قصيدتك المنثورة عن لينين بالوزن لتكون اوقع في النفس فهي أشرف ما قرأت بعد الانهيار الأخير . هل لك أن تكتبها في نص آخر؟ لو فعلت فسوف يكون بمقدوري أن أحفظها عن ظهر قلب لارددها في خلواتي وصلواتي .
التقطت من المجموعة ثلاث نصوص لتكون شواهد لغوية لمعجمي الذي أعمل فيه . والشواهد كما تعرف لازمة لإيضاح معاني المفردات . وستكون انت من شعراء المعجم الجديد .
هادي

القصيدة التي أشار اليها استاذي الكريم هادي العلوي هي بعنوان مذكرات على لسان لينين بدون ذكر اسمه / ص57 ديوان البقايا :

بعد ان فجّرت ثورة الأرقاء
بعد لأن مزقت معاهدة سايكس بيكو
بعد ان كتبت وحتى الصباح مرسوم السلام والأرض
بعد أن رفعت المداخن في السماء
بعد أن أعلنت شمولية الخبز
بعد أن عبّدت البيوت والشوارع
بعد أن أشعت الدفء في الأكف
بعد أن هدّمت سطوة الكنائس
وأطلقت المسرة بين الناس
بعد أن القيت بعفش الطوباوية
بعد أن أنرت الشموع في الجماجم
بعد أن أمّنت الرياض للطفولة
بعد أن وضعت عيني زهرة ًعلى ياقة عامل
بعد أن أطلقت إمرأة ما عليّ النار
بعد الحمى والاعتلال
بعد ان نصبوا التماثيل
بعد أن زوّقوا بالأكاليل أقدامي
بعد سبعين عاما من وقوف فولاذي في الزمن
بعد أن هدّموا البناء ليعيدوه
أهالوا على تمثالي الروسي الأصيل
فألقوه في القمامة ! .

*******

رسالة اخرى

الى الوفي خلدون جاويد

شكرا لبطاقتك الأخوية في العام اليسوعي الجديد .. أنت على عهدي بك من النبل والصدق والوفاء . أتمنى لك المواصلة في دروب الابداع وخدمة الثقافة الوطنية الموجهة ضد العدو الداخلي والخارجي معا . ولكن للرافدين الحصة الأوفى من قلبك الحي النابض بالوطنية . وأنت أهل لحمل الأعباء والوفاء بما عليك اتجاه الوطن وثقافته الحرة .
هادي

رسالة اخرى

دمشق 11/3/96
ايها المحب المحبوب

شكرا لبطاقتك المعطرة بشذى العيد وتراتيله المنسية في المغتربات البعيدة . والتي حملت الي ّ حنوّك الرافديني ووحشتك التي هي كوحشة الفرات وهو يقع في قبضة الأطلسيين . لكن الوحشة وقلة الزاد هما حركة خفية تحمل على الفعل . وما أظنك في معزل عن ماء دجلة وأنت تستحم بثلوج الدائرة القطبية فنسيجك هو نسيج الرافدين وشرايينك من روافدهما ولن يكون دمك غير قطرات الماء العذب من ذلك الوادي المتأبد على ظهر التاريخ .
واريدك أن تتحرك وأنت في معتزلك . فقد تم لي تشكيل ” لجنة الدفاع عن الرافدين ” لإثارة مشكلتها الراهنة وتعميقها في وعي العراقيين وقد أصدرت اللجنة بيانا نناشد فيه الحزب الشيوعي باعلان تعهد باستعمال القوة بعد تحرير العراق من صدام لايقاف المشاريع التركية الهادفة الى سحب مياه النهرين . وأرجو أن تتضامن مع اللجنة . وأنتظر منك قصيدة عن الفرات .
تحياتي اليك ورحمة السماء لذلك الوالد المتعفف في صلاته وخشوعه وفي دعائه لبني البشرية بالمحبة والسلام . وليكن السلام لبني البشر وحدهم وليس للذئاب البشرية .

ملاحظة وتعقيب على الرسالة اعلاه : لم أتحرك بهذا الإتجاه لظروف صعبة ألمت بي .
لم اكتب قصيدة عن الفرات بالذات كما طلب مني استاذي الكريم لأنني لاأستطيع كتابة عنوان ما ومن ثم افصّل قماش القصيدة على جسد المواصفات المطلوبة لكن الفرات يجيئ حبا وحنينا وأبا واما ورفيقا في معظم قصائدي.
لم اتصل بأي اسم لغرض الارتباط والتحرك لهذا الغرض فقد كنت افضل ان اعمل لوحدي وعلى جبهة الكلمة .

هناك رسالة اخرى من دمشق في 2/11/1996
وهي خاصة بمشاعية بغداد ، طلب فيها العلوي مني أن اسهم بهذا القدر او ذاك من النشاط من أجل اهداف انسانية … سوف اعيد كتابة رسالته فقط . أما نسخة البيان الـتأسيسي للمشاعية فسوف افرد الحديث او الكتابة عنه الى وقت آخر .

عزيزي خلدون

ارفق لك نسخة من بيان تأسيس جمعية بغداد المشاعية لدراسته آملاً أن تتحمل مسؤوليتك تجاه المشروع ، كما ستطلع عليه حين تقرأه فالجمعية تسعى لإنقاذ الوف الجياع العراقيين الذين يتدفقون على الاردن وسوريا والكثير منهم في ايران وبعضهم في تركيا . وهم يعانون مايعانيه اهلنا في الداخل ومعرضون للجوع والتشرد والمرض . ويتحمل العراقيون الذين يتمتعون بوضع أفضل في بلدان اللجوء مسئولية كبرى عن اخوانهم هؤلاء . اني آمل أن تبادر الى التحرك والاتصال بمن تثق بهم لتشكيل اللجنة العليا للدانمارك لكي تتولى تنظيم جميع المساهمات من العراقيين في ذلك البلد. والطريق الى ذلك هو تنظيم قوائم بالعوائل والأفراد والمشمولين بهذا الطلب ومتابعة تحصيل الخمسة دولارات من كل عائلة أو فرد شهريا وبعد أن تجمع المبلغ لديك تحولها على الحساب التالي …………… .
انها اختبار لوطنيتنا ومشاعيتنا . وقد بدأ وكلاء الجمعية في سوريا تحركهم في هذا الاتجاه وشكلوا لجنتين لاعداد القوائم واستحصال المساهمات التي بدأت تصل فعلا وسأقوم عندما نصل الى مقدار كافي بتوزيع عاجل على العوائل المحتاجة هنا لاسيما المرضى منهم لمساعدتهم على العلاج . وبعد أن تتدفق علينا المساهمات سنبدأ بتوزيع رواتب منتظمة لتوفر لهم عيشا مناسبا يليق بكرامتهم . وهذه ليست صدقات منا بل هي حقوقهم في اموالهم وهو السبب الذي جعلنا نسميها مشاعية وليست جمعية خيرية . فنحن لا نوزع خيرات انما نعيد الحقوق الى اصحابها .

مع تمنياتي الطيبة
هادي العلوي

اعتذرت عن الاشتراك في جمع الأموال بعد تأكدي من أن هناك الكثيرين القادرين على اداء هذه المهمة ، وعوضت عن ذلك بان ارسلت تبرعا لمدة سنة بدفعة واحدة بدلا من شهر وتمنيت للجمعية الموفقية في توجهاتها النبيلة . وتلقيت رسالة شكر جوابية اعتقد انها ضاعت او انها مصرة على الاختباء بين اوراقي .
ان رسائل هادي العلوي جزء من عمله الدؤوب وتواصله مع كثير من الادباء والناس ، وهو شديد الكرم في ذلك ولا عقدة لديه من ان يسدي كلمة حبيبة الى المقابل ، وعدا شخصه كباحث ومثقف ومشارك في الحياة الأدبية وكاتب الساعة والحدث فهو قلب انساني كبير ما احوجنا اليه اليوم وفي كل مكان وزمان . ان الحال مبتلاة بمن هب ودب من رجال العلاقات الثقافية الذين يغترفون الفرص الملائمة من اجل ذواتهم وتقوية مواقعهم وهيمنتهم ومنافساتهم واحترابهم وممارسة الاحقاد ضد هذا وذاك من المبدعين الأصيلين ! وما أحوجنا الى ذلك البدر هادي العلوي كي يشيع على الظلام من نور فكره ونقاء روحه ، ولقد قال الشاعر : وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر ُ .
غادرتنا زهرة الى بلدها النائي والأصيل والجميل ، وعدنا نتحدث عن روعة هادي العلوي الذي تبنى هذه الفتاة ، ولا اعرف هل هو تبني رسمي ام انه هو والسيدة الكريمة ام حسن قد اعتبراها ابنتهما. لقد كانت زهرة مثل شذرة وامضة اختطفت هذه الرسائل لتظهرها الى نواظر القراء ، وكم كان يخجلني ان انشرها لما جاء فيها من اطراء لي على لسان العلوي سأتحمل أعباءه وعلي ّ أن أبرّ به وقد لا استحقه ! . الأ أن أروع ما في اصالة هادي انه ذلك المعطاء الحقيقي حتى ولو كان في الصين ! . ان كلمة زهرة ترن وستبقى هكذا في اذن الزمان : ” ان هادي العلوي يعطي ولايأخذ ” ! .

لندن في 14/8/2007