الرئيسية » مقالات » هل ينجب التكتل الجديد حكومة قوية

هل ينجب التكتل الجديد حكومة قوية

أخذ الحراك أو العراك السياسي الدائر في الساحة العراقية هذه الأيام أبعاد جديدة،قد تؤدي إلى انفراط عقد التحالفات القديمة،وظهور تحالفات جديدة،تغير الكثير من مسارات العملية السياسية إذا أحسن أدارتها،وتجاوزت المحاصصة الطائفية- القومية،ولكن هل بالإمكان تغيير الآليات المعتمدة لتجاوز المحاصصة،هذا ما أشك فيه،وأعتقد أن الأمور سوف لا تخرج عن هذا الإطار،فالغزل مع الحزب الإسلامي،والتلويح بإشراك أطراف سنية من خارج جبهة التوافق يوحي بأن العملية لن تخرج عن الإطار المحاصصاتي،فقد أستثنى التحالف الجديد جبهة التوافق والعراقية وأطراف من الائتلاف العراقي،ومحاولة تشكيل حكومة جديدة بموجب التحالف الجديد،فالحكومة المرتقبة ستشكل من ذات المثلث،ويستعاض عن وزراء التوافق بوزراء من ذات الطائفة،بعيدين عن التوافق،وتوزيع حقائب العراقية البائسة بين المثلث الجديد،فيما سيثير هذا التحالف الكثير من التعقيدات،التي ستزيد من الاحتقان،وقد تؤدي إلى أثارة نزاعات جديدة لا قبل للحكومة بمواجهتها،فالتيارات المستبعدة من الحكومة ،لن تقف مكتوفة الأيدي،وتحاول تشكيل جبهة مضادة نتمنى أن تأخذ دورا ايجابيا في معارضتها،وأن لا تأخذ الأمور منحى آخر ،يؤدي إلى عرقلة عمل الحكومة وإفشالها،لحجب الثقة عنها وتكون حكومة جديدة من القوى المعارضة،فالجبهة الجديدة قادرة على شل عمل الحكومة،وإعاقة عملها،وإفشال المشاريع المستقبلية التي تحاول تمريرها،لعدم أمكانية حصولها على أغلبية برلمانية تتيح لها أقرار القوانين اللازمة لنجاح عملها،التي ترضي الجانب الأميركي المصر على أقرارها قبل الخامس عشر من أيلول القادم،لأن فشلها سيؤدي إلى إسقاطها نتيجة التقرير الذي سيرفع من السفير الأمريكي وقائد القوات الأمريكية.
ولنا أن نتساءل؟ هل تستطيع الأطراف المشكلة للتحالف الجديد تجاوز المحاصصة،وهل بإمكانها التخلي عن توجهاتها والتفكير بعقلية وطنية متفتحة،وبمبدئية بعيدا عن الآليات السابقة،أن الوقائع تشير إلى استحالة أيجاد مثل هذه الحكومة،فالأطراف العاملة في الساحة السياسية،قد بنت جميع حساباتها على هذه الأسس،ولا تستطيع الخروج عنها ،وعن آلياتها،لعدم امتلاكها البديل السياسي الذي يجعلها قوة شعبية مؤثرة،فهي تعتمد التوجه الطائفي،ومن خلاله تمكنت من تحشيد الأصوات لصالحها،وليس بمقدورها العودة إلى الآليات السياسية،لعدم وجود فكر سياسي واضح لديها،أو تستند لنظرية متكاملة،ووسائلها في التعامل مع الجماهير،لا تخرج عن الإطار الطائفي،لأنها لا تملك ميزة أخرى تميزها عن العاملين في الجانب السياسي.
والحزبين الكرديين ذاتهما ،لا يمكنهما الخروج عن قوقعتهم القومية،رغم امتلاكهم للبديل السياسي،الذي يجعلهم مقبولين في الوسط الكردستاني،لكن الهاجس القومي يدفعهم للانغلاق في أطار هذا الهاجس،والخروج عنه يفقدهم الكثير،ويعطي المجال لأطراف أخرى داخل الحركة الكردية أن تكون البديل عنهم،فالوحدة الكردية بين الأحزاب المختلفة،بنيت على هذا الهاجس،وبزواله لا يعود لها ما تستطيع تقديمه للشارع الكردي الذي يعيش على أحلامه القومية في بناء دولته البعيدة عن هيمنة المركز،الذي ناله منه الاضطهاد سابقا.
أن التحالف الجديد لن يؤدي إلى جديد،إذا سار على آلياته القديمة،والقوى المشكلة له أذا أرادت النجاح أن تعتمد آليات جديدة في اختيار الوزراء،بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب،استنادا لمعايير خاصة من أولوياتها النزاهة والحزم والقدرة على الإدارة والكفاءة والإخلاص والوطنية،والاستقلالية التامة والبعد عن أي توجه طائفي أو عنصري،وأن يتخلى الجميع عن أحلامهم وتصوراتهم في بناء دولة قوية تعتمد المحاصصة أساسا لها،فالسنوات الماضية أثبتت الفشل الذريع،للتوجهات المبنية على هذه الأسس العقيمة،وتشكيل حكومة أكثرية برلمانية أذا أحسن أدارتها،سيعطي زخما جديدا للعملية السياسية،لو كانت المؤسسات العراقية سليمة من حيث تكوينها،ولولا اعتمادها الموازنة الطائفية،التي تطالب التوافق بأن تكون موازنة متساوية للثلاثي العراقي الجديد،وسيكون للمعارضة البرلمانية المرتقبة تأثيرها على سير العملية السياسية،وتعديل مسارها ونقد أخطائها،بمنطق الخصم الوطني الذي يحاول تقويم العملية،وإصلاحها،لا منطق العدو الذي يحاول عرقلة عمل الحكومة وإفشالها والتأثير على أدائها للحلول محلها،وإذا كان للاعبين السياسيين هذا التفكير،فسوف تكون هذه الخطوة كفيلة بإيجاد حكومة تتحمل وزر أعمالها،لأن الحكومة الجديدة لها برنامجها المتفق عليه ،وأطرافها المتقاربة في تصوراتها السياسية،وإذا أراد رئيس الوزراء أنجاح الحكومة عليه اختيار تشكيلتها،الذي يتحمل مسؤوليتها هو،لا أن يقول بعد شهور أنه أجبر على أستيزارهم،وأنهم جاءوا نتيجة المحاصصة،وقد فرضتهم عليه الأحزاب المؤتلفة في التكتل الجديد،وستكون الحكومة المنبثقة عن التحالف الجديد مسئولة مسؤولية كاملة عن تطبيق برنامجها الذي تعهدت به الكتل المشكلة لها،ولن يعفيها عن مسؤوليتها تعدد الأطراف المشكلة لها،لأن هذه الأطراف قد وضعت البرنامج الخاص بها،واتفقت على تصورات مشتركة بينها،وهذا البرنامج تتحمل مسؤوليته هذه الحكومة،وأن تثبت قدرتها على مواجهة التحديات بمفردها،وليس لها تبرير الإخفاق بعدم أعطائها الحرية في اتخاذ القرار،بسبب الدور الأمريكي الفاعل،أو ضعف أداء المسئولين،فالمسئولين جاءوا بمحض اختيارها،وفق مواصفات خاصة قادرة عل أداء مهامها والواجبات الملقاة عليها،وأن تكون قادرة على اتخاذ القرارات الصعبة التي تسهم في أنجاح عملها،بمعزل عن القرار الأمريكي،وإذا كانت غير قادرة على مواجهة العنت الأمريكي،فعليها الانسحاب من الساحة السياسية،أو سلوك الطريق الآخر وإنهاء التواجد الأمريكي في العراق،لأن رئيس الوزراء باعتباره المسئول الأعلى في السلطة التنفيذية،والقائد العام للقوات المسلحة،عليه أن يكون بحجم مسؤوليته،ولديه القدرة على اتخاذ القرار المناسب،حتى لو أدى إلى اختلافه مع الأمريكان،وطلب خروجهم من العراق،إذا كانوا السبب في الإخفاقات المتتالية للحكومة العراقية،فمن المعيب على العراقيين جميعا أن يخرج رئيس الوزراء ليعلن على الملأ أنه غير قادر على تحريك قطعة عسكرية،وهذا امتهان للشعب العراقي قبل أن يكون امتهان لحكومته،والتحالف الجديد الذي أخذ على عاتقه قيادة البلاد يتحمل كافة الإخفاقات،وعليه أن يكون قادرا أو يترك الساحة للآخرين،فالفشل في أدارة الدولة دليل الضعف الكامل لقياداتها،وليس العراق حقل تجارب لهذا الطرف أو ذاك.
أما الأطراف التي أبعدت عن هذا التحالف،فلها أن تتحالف وفق برنامج وطني وتسهم كقوة معارضة في رصد عمل الحكومة،وتحريك جماهيرها سلميا وفق الآليات الديمقراطية التي أقرها الدستور،للمطالبة بتحقيق الأمن والخدمات،ومحاسبة الحكومة عن أخطائها وضعف أدائها،وفضح التجاوزات والانتهاكات والفساد المالي الذي ينخر جسدها،لأن المعارضة الايجابية هي الطريق الأسلم لبناء دولة المؤسسات،وعلى الكتلة المعارضة العمل على كشف الإخفاقات والممارسات الضارة،وفضحها عبر وسائل الأعلام، وتفعيل دور البرلمان في الرقابة على عمل الدولة وتقديم الأدلة والوثائق التي تؤيدها،فالرقابة الايجابية لها أثرها في تعديل مسارات عمل الحكومة،وتصحيح أخطائها،وفي حالة فشلها تكون البديل لها،فالكتلة المعارضة ستكون مدعومة من الشعب الذي خبر الحكومة القديمة،ولمس فشلها وضعف أدائها السياسي،وعليه جلب البديل الصالح لقيادة البلاد.