الرئيسية » مقالات » امرأة وموقف – أم البنين والحجاج الثقفي

امرأة وموقف – أم البنين والحجاج الثقفي

من منا لا يعرف الحجاج ؟ فالعراقي مثقفاً كان أم مواطناً عادياً يعرف من هو الحجاج ، وحتى الأميّون والناس البسطاء في هذا البلد الطيب ، لهم دراية ومعرفة توارثوها أباً عن جد تؤكد بأن العراقيين تعرضوا في فترة متقدمة من تاريخهم الإسلامي لزعامة رجل قبيح المظهر والجوهر . طاغية لا يعرف سوى القتل والإجرام والاستهانة بالناس هو الحجاج .
والحجاج بن يوسف الثقفي تولى ولاية العراق سنة 74 هـ في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ، بعد أن أكمل واجبه الشيطاني بضرب بيت الله بالمنجنيق ، فكافأه عبد الملك بأن أرسله ليكون والياً على أهم مصر في الدولة الإسلامية وهو العراق .. استمر حكم هذا الطاغية للعراق حتى وفاته غير مأسوفاً عليه سنة 95 هـ ، حيث ظل والياً حتى بعد وفاة عبد الملك وتسلم ابنه الوليد الخلافة بعده .
فقد جاء في الأخبار الموفقيات للزبير بن بكار (ت 256 هـ) بأن الحجاج كان واقفاً يوماً مع الوليد بن عبد الملك في باحة قصر الخلافة في دمشق ، فرأت ذلك الموقف امرأة الوليد وتلقب بأم البنين وهي ابنة عبد العزيز بن مروان وشقيقة الخليفة المعروف عمر بن عبد العزيز ، فتألمت كثيراً للموقف وأرسلت جارية لها إلى الوليد فسرته بشيء وانصرفت ، ثم عادت ثانية ، فسرته بشيء آخر ، فضحك ، وقال للحجاج ، أتدري ما قالته الجارية ؟ قال : لا ، قال : أرسلت إلي أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان : إن مجالستك هذا الأعرابي وهو في سلاحه وأنت أعزل خطر عليك ، فأرسلت لها أنه الحجاج بن يوسف فراغها ذلك وأرسلت تقول (والله أن يخلو بك ملك الموت أحب إلي من أن يخلو بك الحجاج وقد قتل أحباء الله وأهل طاعته ظلماً وعدواناً) ، فأجابه الحجاج ، يا أمير المؤمنين ، المرأة ريحانة وليست بقهرمانة لا تطلع النساء على أمرك ولا تطمعهن في سرك ولا تستعملهن بأكثر من زينتهن ، ولا تكونن لمجالستهن بلزوم ، فإن مجالستهن صغار وذلة ، ثم تركه وغادر ، يقول بن بكار ، فدخل الوليد على زوجته واخبرها بما قاله الحجاج ، ، فقالت ، لو يسمح أمير المؤمنين بأن يسلّم علي فسيبلغك الذي يكون بيني وبينه، وفي اليوم الثاني غدا الحجاج على الوليد فقال له ائتِ أم البنين ، فأتاها فحجبته طويلاً ، ثم استقبلته بعد ذلك قائلة : يا حجاج ، أأنت الممتن على أمير المؤمنين بقتل ابن الزبير وابن الأشعث ؟ أما والله لولا أن الله علم أنك أهون خلقه عليه ، ما ابتلاك برمي الكعبة ، وبقتل ابن ذات النطاقين ، أما ابن الأشعث فلعمري لقد استعلى عليك حتى عجعجعت ووالى عليك الهزائم حتى غوثت ، فلولا أن أمير المؤمنين نادى في أهل اليمن ، وأنت في أضيق من القرن فأضلتك رماحهم ، وأما ما أِشرت به على أمير المؤمنين من قطع لذاته وبلوغ أوطاره من نسائه ، فإن يكن أنما ينفرجن عن مثل ما انفرجت به أمك البغراء ، من ضعف الغريزة ، وقبح المنظر في الخُلق والخَلق ، يا لكع فما أحقه أن يقتدى بك وأنت كما قال الشاعر:
أسد علي وفي الحروب نعامة ربداء تنفر عن صغير الصافر
ثم أمرت جارية لها فأخرجته ، فلما دخل على الوليد ، سأله قائلاً ما كنت فيه يا أبا محمد ؟ فقال والله يا أمير المؤمنين ما سكتت حتى كان بطن الأرض أحبُّ إلي من ظهرها ، يقول ابن بكار ، فضحك الوليد حتى فحص برجليه .

التآخي