الرئيسية » مقالات » هل مات فن الاصغاء؟!

هل مات فن الاصغاء؟!

من لم يحسن الاصغاء لا يتعلم كيف يتكلم تلك حكمة ذات طابع نصائحي يسمع بها المرء في المراحل الاولى من التعلم ومع تواتر الزمن وانعطافاته تتبخر ويصبح الانسان مهتما بما يقول غير مكترث بما يقال، وتلك نفحة نرجسية لملامح التمركز حول الذات وتضخم الانا.. وربما يقفز تساؤل في خضم هذا السياق: لماذا نتلذذ حين نسهب في الكلام، ولا نجد لذة في الاصغاء الى الآخر. وانا بطبيعة الحال لا اقصد الاصغاء بمعناه الشكلي والاجرائي واليومي فحسب، انما اقصد الاصغاء بمعناه المعرفي والجمالي مع التوكيد بأن فن الاصغاء في جوهره يرتكز على اشتراط ينطبق على كل الحالات والسياقات والميادين بدءاً من الاصغاء الى شخص يتكلم بشكل نافع ومثمر وانتهاء بقراءة الآخر والتفاعل معه على مستوى الحوار الانساني والحضاري. فالتفاعل هو نوع من الاصغاء.. والاصغاء الى حضارة الغرب وغيرها من الحضارات القديمة والحديثة يعد متغيرا ذهنيا وانفتاحا على العقل الاخر وصولا الى النضج والتكامل والموضوعية ومغادرة الذاتية والاقليمية والتورم الانوي، وحتى لو جاء رفض الاخر وتحجيمه نتيجة لاصغاء عقلاني فستكون النتائج على مستوى التطلع والتساوق المطلوب وحين يكون الرفض والاقصاء ناتجا عن فراغ وعزلة وتقوقع فان النتائج ستكون بمستوى المقدمات التي هي في حقيقتها اخفاق في التوجه وفوضى في الاختيار. الكثير يجيد فن التكلم والصراخ والخطب الرنانة بكل انواعها الجوفاء والصاخبة والمنبرية والحماسية لكنه لا يجيد فن التوقف التأملي او فن الهمس او الصمت البلاغي فالصمت المحسوب والمحسوس يمتلك تأثيراً او فعلا اكثر من الدوي واصوات وتدحرج الصفائح الفارغة.. ووفق التأثيرات السلالية فاننا مازلنا نؤمن ونتصرف في ضوء حقيقة هي اقرب الى الوهم مفادها ان كثرة القول وصخبه هي نوع من الفصاحة والقوة ووسيلة من وسائل الظهور في عمق المشهد، اي ثمة ايمان بالمفهوم الكمي للالفاظ وليس ايمانا بالمفهوم المتقدم للمعنى لذا نجد اننا نخسر المعنى دائما لصالح اللا معنى. وعلى سبيل التجربة الذاتية قررت ذات يوم ان اصغي لثلاثة ايام فقط ثم اعود الى طبيعتي التي صدرها الي النظام الاجتماعي والهوس اليومي، مرت الايام الثلاثة بكلمات قليلة وبقليل من الايماء وبكثير من الاصغاء شعرت بعدها وخلالها بسعادة خفية اكتشفت مناطق مجهولة لم يجعلني الكم الصاخب من رنين الكلمات ان اتلمس الطريق اليها وشعرت بنوع من نكران الذات باتاحة الفرصة للاخرين للتحدث واكتشفت ان الاصغاء يولد محبة وتآصرا وانجذاباَ، وادركت ان فن الاصغاء هو الخطوة الاولى للتوهج. يقول شكسبير في هاملت (اذنك اعرها لكل انسان، اما صوتك فاقصره على القلة) وتدعو فلسفة الزن والهايكو الى اجراء تمارين في الصمت والاصغاء وصولا الى حالة الاسترخاء المتوازن بعيدا عن صخب التظاهرات اللفظية والحماس الاجوف.

التآخي