الرئيسية » مقالات » البراغماتية والمنهج الطائفي السياسي في العراق

البراغماتية والمنهج الطائفي السياسي في العراق

المهندس الاستشاري/
يقف العالم اليوم على مفترق مدرستين لا ثالث لهما : البراغماتية النفعية الذرائعية التي ترى الحياة وفق مبدأ ادارة الازمات وفرز العالم الى لونين … ومدرسة ايجاد الحلول المثلى والممكنة للازمات (OPTIMUMIZATION)بدلا من ادارتها فقط . ويمثل الصراع بين المدرستين المرحلة الانتقالية العابرة لعالمنا وعصرنا التي قد تطول وتقصر تبعا للمتغيرات الداخلية والخارجية والارادات.
في البراغماتية لم يعد المهم ان تكون النظرية او تلك موافقة للحقيقة بل ان تكون نافعة او ضارة بالرأسمال ، مناسبة او غير مناسبة ، ترضى عنها الشرطة ام لا ترضى . بدلا عن البحوث المجردة ظهرت المماحكات المأجورة ، وبدلا عن التحقيقات العلمية ظهر الضمير الشرير والغرض الاعمى للدفاع عن النظام القائم !.وتدعو البراغماتية الى وضع الفلسفة في خدمة الانتاج والاستهلاك !!. تنكر البراغماتية والفلسفة الوضعية عموما اية قيم واخلاق انسانية تستند الى العقل والعلم . وان التأكيد البائس للعالم الرأسمالي على قيم المشروع الحر والمنافسة في سبيل اقصى الارباح ، القيم المتسترة بستار الحضارة الغربية هي انعكاس للانهيار الاخلاقي التام بسبب الازمات البنيوية المستمرة … ولا تستطيع البراغماتية الا قبول الاخلاق الرأسمالية على علاتها ووحشيتها وقسوتها واستبدادها .
في العراق جلبت براغماتية البعث الكوارث والمآسي الى الشعب العراقي .. والمعضلة الاكبر انه مثلما اتسمت به الصدامية بجدارة من عقلية تبريرية متعصبة ومنغلقة ، فان النخب السياسية الحاكمة اليوم لم تتعض من حنقبازيات العهد البائد وسياساته التي تبرر دوغمائية البعث وبراغماتيته بعد ان تعددت عناوينه الاقتصادية التهريجية . وتهدف براغماتية الفكر الاسود وخزعبلات الفتاحفالجية وثقافة التخاريف الرجعية ومشاريع الجهاد ( احتراف القتل ) الى مالا نهاية …. الى تحديد النسل الديمقراطي وتدعو الى التكاثر الطائفي في العراق وهي تعمل على تأسيس عراق منقسم طائفيا بدلا من عراق موحد ديمقراطيا. وفي جميع الاحوال تعتمد سياسات الاحتلال والشركات الغربية على التخاريف الاجتماعية حاملة هذه العقلية من مشايخ اقطاعية ومدينية واصوليات دينية من اصحاب العمائم واللحى والبيوتات الكبيرة والتجار الكومبرادور والشرائح الطفيلية والبورجوازيات البيروقراطية في المؤسسات الحكومية على اساس ايجاد وحدة في المصالح بين هذه الطبقات و المحتل ، وتسخير الحثالات الطبقية الرثة لخدمتها وفرض ديمقراطيتها بقوة السلاح والارهاب والقمع !..
وتعني براغماتية الطائفية السياسية في بلادنا متاجرة الأرستقراطيات القديمة والجديدة بالقيم الأجتماعية والأخلاقية من قبيل العلائق مع الهيئات الدولية والأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية والمصالح الأميركية والغربية والشركات متعددة الجنسية ونظام ولاية الفقيه الاستبدادي، الألاعيب التجارية والسوق السوداء والغش بأنواعه والفساد والإفساد ، المتاجرة بالتاريخ السياسي النضالي ،…الخ.لقد توسعت أرباح هؤلاء على حساب إفقار الآخرين ونبذ غير القادرين على الصمود وزجهم في سوق العمل وبسبب انعدام الرقابة الحكومية وهشاشة المؤسساتية المدنية ، والفساد وعدم النزاهة ، وهضم حقوق الآخرين ، وتغليب الولاءات دون الوطنية والمصالح الشخصية الضيقة.وتتمتع هذه النخب بالأمتيازات ، وبالعزلة النخبوية معا! هكذا يخفق الاداء الحكومي الهزيل للائتلاف الموحد في ايجاد الحلول الصحيحة لأزمات البلاد ويمارسون لعبة التبريرات لترويض مشاعر المواطنين واضاعة الوقت.
لقد عمل الائتلاف الموحد على تحويل الدولة الى مزرعة خصوصية لأصحاب السلطة والنفوذ من زعماء الطوائف والعشائر والجماعات القومية المسيطرة ، ولو على حساب اشعال فتيل حرب أهلية مستمرة، تتغذى من إرادة منع الطرف المسيطر من الاستئثار بالثروة، أو الاستئثار بها بدله..دولة الفوضى السياسية الدائمة والمصالحة الوطنية الملثمة واللغو الفارغ والخطابات الانشائية والتقارير المدرسية ونهوض الخطابات السلفية والغيبية في مواجهة العلمانية والعقلانية…دولة الدعوة والمجاهرة الشكلية بالوحدة الوطنية والمشاركة الفعالة بقتلها فعليا ويوميا ،دولة الحديث عن حل الميليشيات المسلحة والعمل الدؤوب لتقوية عودها، دولة قتل الناس والنواح عليهم والسير وراء نعوشهم واتهام الآخرين بقتلهم.وعمل الائتلاف الموحد على اشاعة ثقافة الرعاع والقطيع الطائفية – ثقافة الموت والقبور ، والعمل الحثيث على ” طرد الدولة ” من ميدان الاقتصاد، والتدمير التدريجي للطاقات الانتاجية المحلية ، وتضخيم مواقع الرأسمال الكبير في ميادين التجارة الخارجية والداخلية واستفحال المظاهر الطفيلية المصاحبة لها ، وتوسيع التفاوتات الاجتماعية و التهميش الاجتماعي بشكل خطير بحيث بات كل ذلك ينذر بتوترات اجتماعية قد يصعب السيطرة عليها… وهاهو اليوم يريد بيع العراق والعراقيين في سوق النخاسة.
الديمقراطية المعاصرة لا تعني التلوث الطائفي واستنشاق البارود بدل الورود … بل هي في المقام الاول نظام حكم ومنهج سلمي لأدارة اوجه الاختلاف في الرأي والتعارض في المصالح ! يتم ذلك من خلال ممارسة حق المشاركة السياسية الفعالة في عملية اتخاذ القرارات الجماعية الملزمة للجماعة السياسية بما في ذلك تداول السلطة عن طريق الانتخاب . ولم تعد الديمقراطية مجرد ممارسات واجراءات سياسية فحسب بل منظومة من القيم وانماط التفكير والسلوكيات والاتجاهات والاحاسيس .. والتربية هي مفتاح اكتساب المواطن هذه المنظومة !. الأحزاب العائلية و الطائفية العراقية بيوت سياسية من زجاج ! ونظامها السياسي ينتج الفساد ويعممه ، فسادا سياسيا ، يستفيد من واقع حال فاسد ويعيد انتاجه ، لأنه يستشعر في عمليتي الانتاج والرعاية المصلحة الخاصة الاكيدة !. وبأي حال من الاحوال لا تنفعها الصعلكة السياسية بالمحافل والندوات والمناسف الدينية لأنها فقط ترويح عن النفس وتنفيس للاحتقان السياسي والتلذذ بلمس احلى الكلام … ياسلام ! … فيما تسيل دماء الوطن وتتضخم ملفات الارهاب والفساد …