الرئيسية » مقالات » دالغات سكران

دالغات سكران

عباس الطبل شخصية مشهورة في مدينتي ليس لأنه ( استغفر الله العظيم ) سياسي أو غني أو شيخ عشيرة اوــــــــ وإنما استمد شهرته من سكره الدائم فلم نره صاحيا يوما من الأيــــام كان دائما يشرب ( حليب سباع ) (1) ليلا ونهارا وبالرغم من سكره فانه كان يمارس عمله بصعود النخــيل بعد أن (يتمزمز) قليلا كي يحتفظ بنشوة الخمر وهو في السماء والأرض وكثيرا ما شوهد متدليا من على احد جانبي ( التبلية )(2) مستنجدا بالقوم الذين يمرون احيانا من تحته كيما يساعدوه في تعديل نفسه للنزول وعندما يقبض المقسوم يذهب لشراء (الربعية) كي يتمدد سكره ولذلك غلب عليه التمرجح والترنح ومن عاداته الغريبة العجيبة انه يستطيع ان يغلب او يجاري أي شخص في رياضة ( الشناو) فهو رياضي مسبقا ومن عاداته المضحكة انه كان يعمل من الفجل ( مزة ) بفتح الميم عندما لايجد الباقلاء المسلوقة او اللبلبي ( الحمص المسلوق ) او الليمون ملاحظة ( المزة ) بضم الميم هي الفتاة الجميلة بلهجة اهل مصر رزقنا الله بواحدة وفي يوم ما بدت لعباس الطبل رغبة في ان يعمل نادلا في بار وبذلك سيضرب عصفورين بحجر واحد فالعمل اسهل من صعود النخيل والعرق مجاني وقد لوحظ مرات عديدة يكرع العرق من دون حساب وكتاب ومن شتى الأنواع والأرناك حتى اثر على دخل المحل !! وعلى ذمة احد السكارى الذي اقسم بأغلظ الأيمان !! انه رأى عباس الطبل يمسح ( الميز ) (3) بالأسفنجة ويعصرها في فمه !! وبعد برهة من الزمن اخذ عباس الطبل يجوب(الفواتح) الكثيرة أي مجالس العزاء لقراءة الفاتحة على روح من يعرفه ومن لايعرفه مستفيدا من القيمين على مجلس العزاء بما يدسوه له في جيبه من علب السجائر ناهيكم عن ضرب الثريد عندهم وسماع سورة يوسف التي يحبها كثيرا والتي شاعت قراءتها في مجالس العزاء في العراق ابان الثمانينات ولحد الان لأنها تحكي قصة فقدان العائلة لأحد افرادها وتأثير ذلك على الأب واقصد به النبي يعقوب (ع) اقول وفي يوم ما جلس عباس الطبل في احد مجالس الفاتحة وبعد ان انقطع عن الدردشة مع احدهم طرق سمعه صوت القاريء الذي تلا من سورة يوسف الآية الكريمة التالية ( قالوا ياأبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فاكله الذئب ) فضرب عباس الطبل (دالغه) (4) وسحب نفسا من سجارته وسعل بقوة حتى خرخش صدره وقرقرت بطنه لأن موعد الطعام لم يحن بعد وفجأة هب واقفا فقال : ( ياجماعة اذا هذا الذيب ماخلصنة منه راح يقتل كل شعبنا ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حليب سباع : العرق او الخمر العراقي وكلمة سباع تعني اسود مفردها سبع أي اسد وفي العراق يطلقون على الشخص الشجاع سبع وهي كلمة فصيحة.
(2) التبلية : كلمة أكدية تعني الأداة او الآلة التي يتسلقون بها النخيل وتصنع من الياف النخيل نفسها والتي توضع على الظهر وتربط من الامام بجذع النخلة بحبل حديدي ليتسنى صعود النخيل بسهولة ويسر افضل من صعودها باليد ولازالت مستعملة لحد الآن.
(3) الميز : باللهجة العراقية يعني المنضدة او الطاولة او المائدة .
(4) دالغة : تعني بالعراقي السرحان والتفكر واحيانا تسمى بالعراقي بـــ( الصفنة )