الرئيسية » التاريخ » الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة الخامسة

الدور السياسي للنواب الكورد في عهد الملك فيصل الاول (1921-1933)الحلقة الخامسة

واوضح المندوب السامي البريطاني سياسته العامة للحكومة العراقية المؤقتة فيما يخص المناطق الكوردية التي كانت تخضع لادارته المباشرة بالقول “أصبح واضحا في الحال ان هناك صعوبات خطيرة في وضع سياسة مؤقتة… لانه لم تكن هناك أية رغبة عامة معلنة تطالب بمثل هذا الحل، واذا كانت هناك في لواء السليمانية، في الجنوب الشرقي روح وطنية كوردية عالية، فان المناطق الكوردية لن توافق بأي حال من الاحوال على ان تعامل كوحدة ادارية، فقد عارض لواء أربيل بشدة قرار مجلس الوزراء بضمه إلى لواء كركوك مثلما كانت ايام الدولة العثمانية، بينما كانت مدينة كركوك، التي يتكون سكانها من خليط من التركمان والعرب والكورد، ترفض الانضمام إلى السليمانية.
دشن البرلمانيون العرب والكورد تقليدا جديدا، هو ان اكثرهم وعيا، وارتباطا بقضايا الناس بدأوا يزورون مناطقهم الانتخابية للوقوف عن كثب على اهم احتياجاتها. ويصف لنا خيري امين العمري موقف نائب الديوانية اسماعيل حقي بابان بهذا الخصوص في دروتي مجلس المبعوثان الاولى (1908) والثانية (1912) خير وصف، فيقول: “وقد كشفت هاتان الدورتان النيابيتان عما يتمتع به (اسماعيل حقي بابان) من حماس وطني، بدأ في معارضته لمشروع سكة حديد بغداد الذي حاول الالمان انشاءه، وعما يتحسس به من شعور عميق بواجبات النيابة دفعه الى السفر إلى دائرته الانتخابية ودراسة مشاكلها وحاجاتها ووسائل علاجها دراسة متقنة، دونها في مقالات متسلسلة نشرتها له جريدة “طنين”( ) تحت عنوان “رسائل العراق”. ثم جمعت في كتيب صغير طبع عام 1913″.
بقي ان نضيف حقيقة اخرى مطلوبة بالنسبة لموضوعنا، وهي ان العديد من ابناء النخبة الكوردية العراقية ممن دخلوا مجلس النواب العراقي في عهد الملك فيصل الاول، او بعده عاشوا في تلك الاجواء، واحتكوا بصورة مباشرة، او غير مباشرة بافرازاتها ووقائعها، منهم محمد امين زكي وجمال بابان واسماعيل الرواندوزي وحازم شمدين اغا وجلال بابان ومعروف جياوك وصبيح نشأت وغيرهم. وفي كل الاحوال كانت تجربة مجلس المبعوثان في اواخر العهد العثماني، تمثل مرحلة تمهيدية حافلة بالتجارب المفيدة سلبا او ايجابا، خصوصا إذا اخذناها بمقياس الزمان والمكان، استفاد منها، دون شك جميع النواب، من عرب وكورد، الذين دخلوا المجلس التأسيسي، او المجالس النيابية التي بدأت اعمالها في عهد الملك فيصل الاول.

انتخـابـات المجلـس والمسألـة الكوردية:
لم يكن موضوع اقامة سلطة تشريعية في العراق بعيدا عن انظار سلطات الاحتلال البريطاني، او عن الحركة الوطنية العراقية التي قادت الاحداث التي هزت الوجود البريطاني عام 1920، ودشنت بداية مهمة لمرحلة جديدة دفعت بريطانيا إلى تغيير سياستها في العراق. اعطت ثورة العشرين المبررات الموضوعية لبريطانيا لكي تؤسس فعلا “دولة قادرة على البقاء في العراق، وليس صيغة مخادعة لمحمية بريطانية” بعد ان برهنت تطورات الثورة وهن السياسة الادارية البريطانية، وضرورة ايجاد نظام يحقق للندن مصالحها، ويعيد للعراق استقراره.
وخلال ادق مراحل ثورة العشرين حراجة حاول الحاكم المدني العام وكالة ارنولد ولسن امتصاص زخم الثوار، وتبديد جهدهم عندما أصدر بيانا أكد فيه عزم حكومته على اتخاذ “الخطوات اللازمة لاجراء انتخابات عامة لتشكيل مجلس تأسيسي”. وفي كل الاحوال مثل ذلك تراجعا كبيرا في السياسة البريطانية، وتقربا مهما من المطلب الذي ظل هاجسا من هواجس الوطنيين العراقيين في اقامة “مؤتمر عام” لهم يأخذ على عاتقه “تشكيل حكومة وطنية لادارة شؤون البلاد”.
لم تكن اتجاهات الرأي العام العراقي، ورغبته في ايجاد نظام حكم ملكي مقيد غائبة عن انظار المسؤولين البريطانيين، لاسيما بعد تأسيس “دائرة الشرق الاوسط
Middle East Department
في وزارة المستعمرات، وتكليف السياسي البريطاني ونستون تشرشل
W. Churchill (1874-1965)
بها لرسم السياسة البريطانية في المنطقة ووضع الاقتراحات اللازمة لتنفيذه.
كان أول عمل مهم قامت به هذه الدائرة هو عقدها مؤتمر القاهرة في الثاني والعشرين من آذار 1921 لدراسة المشاكل التي تعترض سير السياسة البريطانية في المنطقة، بما في ذلك البت في مستقبل العلاقات مع العراق، وشخصية العاهل المرشح لحكمه، الأمر الذي تم التوصل اليه في لندن، ولم يبق سوى اعلان ذلك في مؤتمر القاهرة، لذا لا غرو، ان أطلق أحد المستشرقين عليه اسم “مؤتمر الشخصيات الاستعمارية البريطانية في الشرق الاوسط”.
حظي رأي برسي كوكس (P. Cox) المندوب السامي البريطاني، ومساعديه من الموظفين البريطانيين في بغداد، بالقبول في مؤتمر القاهرة، ومفاده ان اية “محاولة عاجلة” تتخذ لجمع المجلس التأسيسي لن تكون ضربة قاضية على السياسة البريطانية وعلى تنصيب أمير شريفي، بمقتضى ما صادقت عليه الدوائر الرسمية البريطانية حسب، بل سوف يسبب ذلك حدوث “قلاقل جديدة” ان لم يسبب ثورة حقيقية، لذا تم الاتفاق في المؤتمر على ان دعوة المجلس التأسيسي قبل تنصيب فيصل على العراق أمر غير مرغوب فيه.
طلب المؤتمرون من المندوب السامي البريطاني برسي كوكس استخدام فطنته وخبرته السياسية لمعالجة هذه المسألة، واظهار ذلك امام الرأي العام وكأن العراق هو الذي سوف ينتخب عاهله، اما المجلس التأسيسي فان دعوته لا تتم إلا “لتأييد أو تصديق انتخابه ملكا على العراق”. وهكذا أضحى تنصيب الامير فيصل ملكا على العراق موضوعا يحتل الأولوية ضمن اهتمامات بريطانيا، ولم ترتق إلى هذا المستوى موضوع آخر، بما في ذلك ايجاد مؤسسات دستورية تدير شؤون الدولة الجديدة، ومن بينها المجلس التأسيسي الذي تقرر ان يتم اجراء انتخاباته في المرحلة اللاحقة من اعتلاء فيصل العرش خوفا من تكرار تجربة ثورة العشرين.
وعلى ما يبدو فان مخاوف بريطانيا كان لها ما يبررها، اذ اثبتت نتائج انتخابات المجلس البلدي التي شهدتها العاصمة في اوائل شباط 1922 حصول العناصر المعادية لها على اغلبية مقاعد المجلس، فمن بين ثلاثة عشر مقعدا حصل المعارضون للسياسة البريطانية على عشرة مقاعد، في حين لم يحصل المؤيدون لسياستها سوى على ثلاثة مقاعد فقط، الامر الذي يعكس المزاج الثوري الذي كان يسود الساحة العراقية بعد تسنم فيصل الحكم.
ادركت السلطات البريطانية ان حصول العناصر المعادية لها على اغلبية مقاعد المجلس البلدي الذي تحددت مهماته باتخاذ الاجراءات الكفيلة بتحسين الحالة الصحية في العاصمة، والاهتمام باصلاح الطرق، وانارة الشوارع، وتعيين الحراس الليليين وغيرها من الواجبات، التي هي اقل بكثير من المهمات المطلوبة من المجلس التأسيسي، يحتم عليها ان تكون حذرة في ان لا تتكرر هذه التجربة لكي لا يصل إلى المجلس الذي سينظر في قضايا خطيرة تمس مستقبل مصالحها بالصميم إلا اغلبية موالية لها، كما انها لجأت إلى وسائل عدة لتأخير انتخاب اعضائه لكي تحقق اهدافها كاملة، وكان من بين ذلك التذرع بوضع المنطقة الكوردية. تعاملت بريطانيا مع القضية الكوردية بمنتهى الخبث والدهاء المعروفين عنها، فادعت في تقريرها الخاص المقدم إلى عصبة الامم انها خلال الاعوام الثلاثة التي فصلت بين التوقيع على معاهدة سيفر سنة 1920ومعاهدة لوزان سنة 1923 ، سعت، ومعها الحكومة العراقية، إلى “العمل قدر الامكان على تطبيق المواد 62، 63، 64 من معاهدة سيفر” .