الرئيسية » مقالات » جبهة المعتدلين – لان تتخطى التحديات والمصاعب التي تنتظرها دون برنامج سياسي واضح وموحد

جبهة المعتدلين – لان تتخطى التحديات والمصاعب التي تنتظرها دون برنامج سياسي واضح وموحد

يبدو ان السياسيين العراقيون ادركوا اخيراً حجم المشكلة التي يمربها العراق والتي قادت البلد الى اتون الصراعات الطائفية والعرقية وجعلته يقع فريسة الاعمال الارهابية والاجرامية بشكلِ يومي، ولانقصد هنا كل السياسيون فبعضهم مازالوا يسيرون على نفس الوتيرة الهادف الى اعادة العملية السياسية الى مربعها الاول او الى ماقبل هذا المربع ويعملون بكل جهد على اضعاف الحكومة ومن ثم اسقاطها، وهذا الادراك المتاخر انعكس من خلال الاجتماعات المتواصلة التي عقدها السياسيون في بغداد والتي عكست تحسس القادة السياسيون لخطورة الموقف وكارثية الاستمرار في السيرعلى النهج السياسي نفسه .
فمشكلة الانسحابات المستمرة للكتلة السياسية من الحكومة ومطالبة جبهة التوافق بان يكون لها دور في صنع القرارالسياسي وتشكيل جبهة المعتدليين وغيرها من المواضيع الحساسة كانت المحور الرئيس الذي جمع السياسيون ، وعلى الرغم ان بعضهم خرج من الاجتماعات متفائلاً ومستبشراً بالنتائج التي تحققت الاان الواقع السياسي يعطي رأياً مغايراً لتلك التفائلات ففشل السياسيون في توسيع جبهة المعتدلين واكتفائهم باربعة احزاب رئيسية “الحزبين الكرديان وحزب الدعوة والمجلس الاعلى الاسلامي” ورفض الحزب الاسلامي الذي كان معول عليه كثيراً ان يكون له مكاناً في هذه الجبهة الجديدة يوضح مدى الفشل التي حققته هذه الاجتماعت من ناحية ونجاحها المحدود من ناحية اخرى الذي تحقق من خلال الاعلان عن تشكيل جبهة المعتدلين.
وقبل الحديث عن المهام المنتظرة للجبهة وعن طبيعة برنامجها السياسي وما الامور الذي يجب ان تضعها في اولاوياتها؟ لابد من التعرف على مصير بعض الاحزاب والكتلة التي كانت متحالفة في مابينها واليوم اصبحت خارج نطاق هذه التحالفات، فالتيار الصدري الذي كافح كثيراً من اجل ايصال حزب الدعوة الى رئاسة الوزراء على حساب المجلس الاعلى الاسلامي يرى نفسه قد اصبح بعيداًعن دائرة التحالفات الجديدة لاسيما ان علاقته برئيس الوزراء نوري المالكي اصابها الكثير من التشنجات والرهول.. ابتدات هذه التشنجات مع ذهاب الماكي الى عمان لمقابلة الرئيس الامريكي جورج بوش رغم طلب التيارمنه عدم الذهاب والتي علق على اثرها التيار الصدري عضويته من مجلس النواب ، وكذلك انسحاب وزراء التيار الصدري السته من الحكومة وتقديم استقالتهم فضلاً عن كثرة الاعتقالات الامريكية التي طالت قادة التيار دون اي تحرك من الحكومة لوقف هذه الاعتقالات الامر الذي ادى الى زيادة حجم الاختلاف وتباعد وجهات النظر بين المالكي والتيار الصدري ، اضافة الى عامل مهم وحساس يتعلق بوجود القوات الامريكية في العراق ففي الوقت الذي يصر فيه التيار الصدري على خروج المحتل من العراق وفق جدول زمني محدد فان رئيس الوزراء يطالب يتمديد بقاء هذه القوات ويرهن بقائها بجاهزية القوات العراقية في مسك الارض واستتباب الامن في البلاد ..وكل تلك الامور وغيرها قد تكون سبب في تملص المالكي وحزبه من التحالفات التكتيكية الهشة مع التيار الصدري ودخوله في تحالفات استراتيجية قوية مع احزاب اخرى .
اضافة الى التيار الصدري هناك حزب الفضيلة الذي اعلن منذ مدة طويلة انسحابه من الاتلاف الموحد والذي مازال الغموض يحيط مستقبله السياسي فالجرئ التي يتمتع بها هذا الحزب من خلال اعلانه الانسحاب من الائتلاف الحاكم منذ فترة طويلة يجب ان يحسب لها السياسيون الف حساب وينبغي ان يضعونه في دائرة تفكيرهم وحساباتهم لان حزب مثل الفضيلة يستطيع التحرك مع التيار الصدري والاحزاب الاسلامية الاخرى داخل الاتلاف وخارجه والتي لم يتحدد مصيرها بعد تشكيل التكتل الجديد من اجل بلورة مشروع سياسي جديد قد يتصدى لجبهة المعتدلين ويعرقل برامجها واهدافها السياسية خصوصاً في مايتعلق في بعض الامور الاستراتيجية مثل قضية الفيدرالية التي لاتجد ترحيب وسط هذه الاحزاب والتيارات السياسية وكذلك قضية المادة “140” المتعلقة بمصير كركوك فضلاً عن قانون النفط والغاز الذي ينتظر سباق مارثوني داخل مجلس النواب الى جانب قضايا ومواضيع اخرى تحتاج الى اكتمال النصاب القانوني لمجلس النواب من اجل اقرارها .
ثمة كتل سياسية اخرى قد يؤدي عدم الاتفاق المسبق معها الى زيادة المأزق السياسي فجبهة التوافق المعروفة باعتراضاتها وعرقلتها لكثير من القرارات والقوانين سواء الصادرة من الحكومة اومن مجلس النواب قد تجد نفسها مضطرة لعقد اتفاقات وتحافات جديدة قد تفقدها الكثير من علاقاتها الاقليمية والدولية، فدخول الجبهة في تكتل مع الاحزاب الاسلامية المعادية للولايات المتحدة وغير مرحب بها عربياً قد تضع الجبهة في موقف لاتحسد عليه لانها تحتاج الى تحالفاتها الاقليمية والدولية وكذلك فان بقائها على حيادية ودون تشكيل تحالفا سياسياً جديداً فانه سيحول دون تحقيق اهدافها واجنداتها السياسية التي انسحبت لاجلها من الحكومة وهذه الاشكالية التي يمكن ان تؤثر في المستقبل السياسي لجبهة التوافق وقد تجعل الحزب الاسلامي امام فرصة تاريخية لفرض نفسه بشكل كبير ودون منازع في قيادة جبهة التوافق لانه قادر على اعادة التوازن للجبهة من خلال الاستجابة للدخول الى جبهة المعتدلين دون ان يؤدي ذلك الى خلق خلافات في جبهة التوافق بل سيكون انضمامه لها استجابة لرغبة التوافق نفسها لاسيما وان الحزب الاسلامي يدرك بان الولايات المتحدة لاترضى عن اي جبهة سياسية لايكون للسنة فيها نصيب انطلاقاً من مبدا تحقيق التوازن السياسي والطائفي الذي سارت عليه الدولة العراقية .
اما القائمة العراقية التي تعارض العملية السياسية منذ تشكيلها بالرغم من مشاركتها في حكومة الوحدة الوطنية فانها ومنذ فترة ليست بالقليلة تقوم بتحركات مكوكية في اتجاه اسقاط حكومة المالكي ،وهذه التحركات سارت بخطين محلي ودولي فتشكيك القائمة في نتائج الانتخابات وتحالفها مع الاحزاب الاخرى لمعارضة النتائج كانت بداية لاعلان القائمة معارضتها للحكومة ومن ثم التحركات التي اجرتها القائمة مع عدداً من الاحزاب والكتل السياسية من اجل تبني مشروع يهدف الى تشكيل حكومة جديدة يكون من القائمة العراقية رئيسها دليل اخر على معارضتها للحكومة، اما تحركاتها الدولية فانها انصبت في محاولة رئيس قائمتها لكسب الدعم الدولي والاقليمي لمقاطعة حكومة المالكي ..لذلك فان للقائمة العراقية دورها الاقليمي والدولي المؤثر في نجاح عمل الحكومة والذي يجب ان يوضع في الحسبان ايضاً.
ولو عدنا مرة اخرى للجبهة المعتدلين نجد ان كل تلك الاحزاب والكتل السياسية تبدو من خلال تصريحات بعض اعضائها غير راضية عن هذا التشكيل الجديد فبعضهم يعتبره طائفياً والبعض الاخر يعتبره خارج عن القوانين والتشريعات الدستورية لانه خرج عن مفهوم حكومة الوحدة الوطنية وهذا يؤكد المصاعب والعراقيل التي ستواجه الحكومة ،ومازلنا لانفهم ماذ يريدون هؤلاء السياسيون الذين يصرحون بمثل هكذا تصريحات وبعضهم قادة كتل، فلا اعتقد ان تشكيل جبهة قائمة على اساس الحزبية السياسية ومن اربعة احزاب يعتبر امراً طائفياً بل ان تشكيل حكومة من طائفة واحدة يمثل الطائفية الحقيقية اضافة الى ان اعتبارالتشكيل الجديد مخالفاًً للاعراف والقوانين الدستورية امرغير صحيح لان نه لاتوجد في الدستور العراقي عبارة”حكومة الوحدة الوطنية” بل يوجد مايخول رئيس الوزراء من اكبر قائمة في البرلمان تشكيل حكومة وهذا ماتحقق فعلاً لكن المصلحة العليا للبلاد والضروف الاستثنائية ادت الى تشكيل حكومة وحدة وطنية والتي اثبتت فشلها.
ان المشكلة الحقيقة التي تواجه العراق الان تكمن في ادراك السياسيون لخطورة الوضع في العراق لاكنهم يصرون على السير في اتجاه مصالحهم وفق الاستراتيجيات والمصالح الضيقة فكل البرامج المعلنة للاحزاب والكتل السياسية لاتعبر عن حقيقية الاهداف والاجندات التي يراد تحقيقها بشكل سري وغير معلن ،قد تكون جبهة التوافق اكثر القوائم جرئة لانها اعلنت وبصراحة عن اهدافها المصلحية والتي لايتماشى بعضها مع المبادئ الدستورية ..فعلى الكتل السياسية ان تكون واضحة وصريحة في تعاملها مع المعطى السياسي فمن المشين على السياسيين ان يعلنوا شيء وينفذون شيء اخر .
لذلك فان جبهة المعتدلين امامها مهام كبيرة يحتاج انجازها الى تظافر الجهود المشتركة من اجل توحيد الرؤى مع الاحزاب والقوائم السياسية الاخرى ولكن دون تقديم التنازلات والتي ادت سابقاً الى اضعاف الحكومة بشكل كبير، وينبغي ان يتم تشكيل حكومة جديدة قائمة على التكنقراط يكون ولاء وزرائها للوطن وليس لاحزابهم وطائفتهم اومرجعياتهم الدينية اوالسياسية لان المهام التي تنتظر هذه الجبهة تحتاج الى برنامج موحد تسير على موجبه الحكومة ياتي في مقدمتها حل قضية كركوك وتعديل الدستور والنظر عن كثب بمسالة الفيدرالية الى جانب انجاز العديد من القوانين المهمة ومنها قانون النفط والغاز الذي اثار حفيظت البعض ، وكل تلك الامور تحتاج الى برنامج دقيق وغير متعجل يستوعب جميع القضايا والمشاكل ويضع لها الحلول الناجعة وفق مفهوم المصلحة الوطنية العليا للبلاد.