الرئيسية » مقالات » أين حقي…والصراع الطبقي/4

أين حقي…والصراع الطبقي/4

أستطاع الشاعر محمد صالح بحر العلوم،توظيف هذه الملحمة الرائعة،في أبراز المبادئ الأساسية للماركسية،ونظريتها الأساسية الصراع الطبقي،وتمكن بثاقب فكره وبصيرته،تقديمها بأسلوب مبسط ،يفهمه حتى محدود الثقافة،ولعلها القصيدة الأولى التي بينت النماذج الواقعية لصراع الطبقات،من خلال الواقع الشعبي،وأظهرت البون الشاسع بين الحياة الأرستقراطية التي يعيشها المترفون،وما هو عليه حال العامل والفلاح والشرائح التي بمستواهم،وقد أخذت طريقها إلى أذهان الجيل الجديد،فكانت الدرس الأول للتثقيف بهذه النظرية،والمدخل لفهمها،فهي نماذج عملية لنظرية كبرى أخذت من تفكير الفلاسفة الشيء الكثير،ولا زالت مثار نقاشات بين كبار المفكرين مؤيدين ومناقضين لأفكارها،بأساليبهم التي لا يتأتى للكثيرين إدراكها،لما فيها من عمق يصعب على غير المختصين،أو أصحاب الثقافة العالية  فهمها والوصول إلى دقائقها،ولكن بحر العلوم جعلها في متناول الكثيرين بعد أن حولها إلى نماذج يعيشها الإنسان في حياته اليومية،ويشعر بها كل من يرى التناقضات التي تعصف بالمجتمعات،والنماذج التي أوردها أستمدها من الواقع الذي يعيشه الشعب،وصاغها بأسلوبه السهل الممتنع،فجاءت ناطقة معبرة،فتحت أذهان الفقراء على واقعهم المأساوي الذي كان يصوره لهم الأدعياء،أنه من الأقدار التي لا يستطيع الإنسان الخلاص منها أو تجاوزها أو تغييرها،”فالمكتوب على الجبين لازم تشوفه العين” أو”كيفما تكونون يولى عليكم” فالذنب ليس ذنب الولاة الظلمة ،أو المستغلين الآثمة،وإنما هو استحقاق سماوي لهذه الطبقة المعدمة،وقدرها أن تكون نهبا مشاعا للصوص تمترسوا خلف الحق الإلهي،ليكونوا سادة، والآخرين أرقاء عليهم خدمتهم،والإذعان لأوامرهم ونواهيهم،فهم ظل الله في الأرض،وطاعتهم واجبة على الآخرين:

ليس هذا الدين دين الله بل دين الولاة     لفقوه من أحاديث الشياطين الرواة

وادعوا أن من الله نظام الطبقات         أن يكن حقا فقل لي يا ألهي ..أين حقي

 أن هذه الصرخة المدوية،نبهت الأذهان إلى حقيقة الزيف الذي يحاول هؤلاء تمريره،من خلال الإيحاء للآخرين بأن المقدر لابد أن يكون،وأن الحياة حظوظ فالأسود لا يمكن له أن يتحول إلى البياض،لذلك على الإنسان القناعة بما قدر له،فالقناعة كنز لا يفنى،وعليه أن لا ينظر للطبقة التي تسيدت عليه،لأن النظر إلى الأعالي يقصم الرقاب،لذلك على الإنسان الرضوخ لواقعه،وعدم السعي لتغييره،ولكن هل يصدق الأكثرية هذه الدعاوى الباطلة،عندما يلاقون هذا العنت والإجحاف،من قلة همها السيطرة والتحكم برقاب الآخرين،والأنكى من ذلك أن يشكوا الظالم من المظلوم،الذي يحاول الاعتراض على ما لحقه من حيف وإذلال،فيقول المسئول الكبير”همه العراقيين شي شبعهم”:

كيف تبقى الأكثريات ترى هذي المهازل     يكدح الشعب بلا أجر لأفراد قلائل

وملايين الضحايا بين فلاح وعامل          لم يزل يصرعها الظلم ويدعو..أين حقي

 وفائض القيمة تجلى واضحا في هذه الصورة الموحية،حيث يهيمن قلة من النفعيين،لتسرق جهود الملايين من الحفاة العراة الجياع،وهؤلاء الطغاة يختبئون خلف براقع لا تخفي حقيقتهم الفجة،فتارة يتلبسون بأردية القومية المهلهلة،وأخرى يتمترسون خلف نظرية الحق الإلهي،وحقوقهم التي أقرتها السماء،فهل من القومية والدين أن تسرق جهود الملايين،لأصحاب الامتيازات القومية والإلهية الذين يرفضون الثورة على الواقع الفاسد،ويحاولون تمريره من خلال الإرادات العليا،وأوامر ونواهي السماء،فدعاة “القومية يحاولون تحويل الصراع،وكأنه صراع بين القوميات “الأمم” بين الأمة العربية والانكليز،وتحويل الاضطهاد القومي الذي يمارسونه بحق أبناء قوميتهم ،فالطبقة المسحوقة من القومية المضطهدة،تعاني من الطرفين،اضطهاد المستعمر واضطهاد المستغلين من أبناء قوميتها،لذلك يحاول القوميون أثارة المشاكل مع الجيران،أو الدول الأخرى،حتى يحرجوا الطبقات الكادحة التي لها موقف  من أنظمتها،كي تقف إلى جانبهم” الشبيبي”:

أمن القومية الحقة يشقى الكادحونا               ويعيش الانتهازيون فيها ناعمينا

والجماهير تعاني من أذى الجوع شجونا   والأصولية تستنكر دعوى…أين حقي

 وهؤلاء أن كانوا من دعاة الإصلاح كما يقولون،عليهم تحرير الملايين من المرض الوبيل الذي ينهشهم،والجهل والتخلف الذي جعلهم لا يعرفون من الحقيقة إلا صورتها التي رسمها إليهم الأصوليون،وعلى هؤلاء الدعاة السعي لفتح المدارس،وتأمين الرقابة على توزيع الثروة،فليس من الدين في شيء أن يهيمن على رؤوس الأموال،حفنة من الطارئين والمغامرين ليعيش الملايين في فقر مدقع:

حرروا الأمة أن كنتم دعاة صادقينا         من قيود الجهل تحريرا يصد الطامعينا

وأقيموا العدل في تأمين حق ألعاملينا    ودعوا الكوخ ينادي القصر دوما..أين حقي

وينعى على أصحاب القصور المنيفة،من تجار وأصحاب معامل وملاكين ومرابين وإقطاعيين،بأنهم وراء المعاناة التي تعانيها الطبقات المعدمة في المجتمع،وأن هذه القصور شيدت بدماء وجهود هؤلاء الفقراء،الذين لا يملكون غير جهدهم المستغل من قبل هؤلاء،الذين يعيشون حياة مترفة لاهية على حساب معانات الملايين:

يا قصورا لم تكن إلا بجهد الفقراء              هذه الأكواخ فاضت من دماء البؤساء

وبنوك استحضروا الخمرة من هذي الدماء    فسلي الكأس يجبك الدم فيه..أين حقي

   وتتجلى قمة الثورة في صرخته المدوية،بدعوته مصاصي الدماء لمقاضاته أن كان ثمة حساب في العالم الآخر،فهو لا يخشى الحساب طالما يناضل من أجل قضية عادلة،ويقارع الطغاة الذين يعيشون حياة صاخبة عابثة،متناسين أن هناك شعبا يئن تحت سياط البغي والاستغلال،في ظل صمت مريب،ممن يرفعون رايات العدالة والإنسانية،ويتغاضون عما يجري من مصائب بحق الآخرين:

حاسبيني أن يكن ثمة ديوان حساب          كيف أهلوك تهادوا بين لهو وشراب

وتناسوا أن شعبا في شقاء وعذاب       يجذب الحسرة والحسرة تحكي..أين حقي

 ويدخل في خضم الصراع الطبقي،في صورة رائعة جسدت الواقع العراقي بكل تجلياته،وأظهرت حقيقة الصورة القاتمة التي عليها الأغلبية الساحقة من العراقيين،ولخص في هذا المقطع ذروة النظرية الماركسية،بتشبيه قريب من مدارك البسطاء من الناس:

كم فتى في الكوخ أجدى من أمير في القصور    قوته اليومي لا يزداد عن قرص صغير

ثلثاه من تراب والبقايا من شعير                  وبباب الكوخ كلب الشيخ يعوي أين حقي

 وحتى البروليتاريا الرثة لها مكانها في تفكير بحر العلوم،فالحالة المأساوية التي تعيشها الطبقات المسحوقة،قد تدفعها للجوء إلى الطريق الشائك،أو تنحدر إلى مهاوي الرذيلة والفساد،لا لأشباع شبقها الجنسي كما هو حال المترفين والطبقات الموسرة،وإنما لرد غائلة الجوع أو أطعام الأفواه الجائعة للأسرة الفقيرة،ولكن المفارقة في الظلم الطبقي الصارخ أن يعاني الإنسان حتى بعد موته،فالأسرة الفقيرة التي تفجع بعزيز،قد لا تجد ما يعينها على دفنه،لما يتطلب ذلك من أجور لا تستطيع أدائها،ولعل المنحى الذي نحاه في هذه الصورة يجسد المأساة الكبرى للبروليتاريا ومعاناتها جراء استغلالها من قبل الآخرين:

وفتاة لم تجد غير غبار الجو سترا    تخدم الحي ولا تملك من ذا الحي شبرا

وتود الموت كي تملك بعد الموت قبرا   وإذا الحفار فوق القبر يدعوا ..أين حقي

 وأخرى من هذه الطبقة المغلوبة على أمرها،قد تدفعها الفاقة والعوز المادي، إلى ارتكاب ما لا يجمل بالإنسان ارتكابه،فتضطر إلى بيع جسدها،لتكون المفارقة الكبرى أن يكون لمدعي الولاية العامة،الذين عليهم رعاية الفقراء،موقفهم من هذه الخاطئة بسبب إهمالهم لواجبهم في تأمين حاجتها،وما يقيم أودها،حتى لا تجنح وتنحدر للسير في طريق الرذيلة:

ما لهذي وسواها غير ميدان الدعارة     لتبيع العرض في أرذل أسواق التجارة

وإذا بالدين يرميها ثمانين حجارة     وإذا القاضي هو الزاني ويقضي..أين حقي

 ويأخذ عن رأس المال هذه اللمحة الخاطفة،ليصوغها بلغة سلسة،لتعبر عن فائض القيمة الذي هو الأساس للاقتصاد السياسي للماركسية،والأساس لهذه النظرية التي أثبتت الأيام صحة أطروحاتها،وأنها لا زالت المحرك الأساسي للمجتمعات،بعد أن ثبت قصور النظريات الأخرى في تفسير الواقع،ناهيك عن تغييره:

كيف يقوى المال أن يوجد من غير جهود     أين كان المال لولا جهد صناع النقود

ومتى يقدر أن يصنع طير من حديد          فلهذا الجهد أن يدعو جهرا..أين حقي

وآخر الصور التي نتناولها في هذا الجانب،تساؤله المنبي عن الحس الطبقي الثوري الذي عليه الشاعر ودعوته  العمال  لعدم النكوص والاستكانة لسالبي جهدهم،وأن لا ينشدوا العدالة بالضراعة والاستجداء،أو انتظار رحمة السماء،فالسماء ليست المسؤولة عما يجري في هذه الحياة،وعليهم النضال من أجل حقوقهم والثورة على الواقع الفاسد،وأستحصال حقوقهم بالقوة،لأنّ الحقوق تؤخذ ولا تعطي ،وهذا ما سنتناوله في الجزء الأخير من هذا البحث:

أيها العمال أين العدل في هذي الشرائع    أنتم الساعون والنفع لأرباب المصانع
وسعاة الناس أولى الناس في نيل المنافع    فليطالب كل ذي حق بوعي..أين حقي