الرئيسية » مقالات » نحو استراتيجية كوردستانية شاملة

نحو استراتيجية كوردستانية شاملة


تعتبر حربي تحرير الكويت(1991) والعراق (2003) الحدثين المركزيين اللذين ساهما بشكل قوي في تغيير ملامح منطقة الشرق الأوسط التي تسود فيها نظم سياسية وظيفية توتاليتارية مستبدة جاءت إلى السلطة بإنقلابات عسكرية و تبنت ايدولوجيات اقصائية وعنصرية.
أنظمة الانتاج الكولونيالي المتخلفة هذه تقوم برعاية المصالح الحيوية للدول العظمى في المنطقة وتتخذ دعم القوى العظمى غطاءاً دولياً وشرعياً لاستمراريتها الوظيفية، اعتماداً على مبدأ توازن القوى العالمية في هذه المنطقة الحيوية من العالم .
اعتماداً على هذا الدعم، أقدمت الانظمة الشمولية على اتبّاع سياسات قمعية، استبدادية وتعسفية ضد مواطنيها من قتل واعتقال والغاء للحريات الاساسية ومنها حرية الصحافة بالإضافة الى فرض الاحكام العرفية على امتداد عقود بحجج وذرائع واهية! والقيام بحملات الإبادة الجماعية ضد معارضيها وكان للكرد نصيب الاسد منها (حملات الانفال، مجزرة حلبجة، ديرسم، قامشلو، مهاباد ،حماة…الخ) غير آبهة بأي رادع قانوني أو اخلاقي.
إن هذه الانظمة القمعية بعد أن استولت على الحكم تفردت في السلطة والغت أي شكل من اشكال المشاركة السياسية والمساهمة في وضع سياسات الدولة مما ادى إلى انحصار القيادة السياسية في طائفة أو نخبة سياسية معينة تعاملت مع الدولة على أنها “مزرعة” أو اقطاع خاص بها وجيرتها لمصالحها الخاصة مما سبب اغترابا لدى الشعوب عن مجتمعاتها وتأسيس جمهوريات القمع عوضا عن الدولة الوطنية الديمقراطية المبتغاة وتحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، مما أدى الى تراكم حقد شعوب المنطقة للانظمة والقوى الدولية التي تقف خلفها.
هذه السياسة كانت من الاسباب الرئيسية التي ادت الى هجمات 11سبتمبر ضد الولايات المتحدة الامريكية وذلك باعتراف وزيرة خارجيتها السيدة كوندوليزا رايس مما دفعت الولايات المتحدة الى رسم سياسات خارجية جديدة وإعادة تقييم موقفها من الانظمة الاستبدادية في الشرق الاوسط وذلك بعد أن دعمتها لعقود طويلة.
أدت الهجمات الى تغير جوهري في السياسة الخارجية للولايات المتحدة ازاء حلفاء الامس واشترطت في تعاملها مع الانظمة احترامها للقوانين الدولية حتى لاتكون هذه العلاقات غطاءا لتجاوزات تقوم بها الانظمة بحق الحريات العامة وحقوق الانسان والشعوب، والعمل على بناء علاقة جيدة مع شعوب الشرق الاوسط وحماية القيم الليبرالية من استبداد الدكتاتوريات الحاكمة.
سبب هذا خلخلة في العلاقات الدولية السائدة منذ الحرب العالمية الثانية ،عملت الولايات المتحدة على وضع مشاريع جديدة للمنطقة تتجاوز الاخطاء المتراكمة في سياستها الخارجية التي ادت الى هجمات سبتمبر واتساع قاعدة الاسلام السياسي وزيادة الكره للولايات المتحدة في المنطقة استهدفت تجفيف منابع الارهاب ونشر الحريات وتكريس المبادئ الديقراطية وحقوق الانسان والتدخل في شؤون الدول الداخلية لحماية شعوبها من المجازر الجماعية وحملات التطهير العرقي وجعله مبدأ امميا للتدخل لأسباب انسانية واعادة رسم خارطة جديدة للشرق الاوسط يحقق التوازن الدولي، ويؤدي الى استقرار مبني على احترام الخصوصية الثقافية والقومية لشعوب المنطقة بعد افلاس نظرية الاستقرار اعتمادا على النظم العسكرية القمعية والتي حولت المنطقة الى منابع للارهاب وتعرض الاستقرار في المنطقة والعالم للخطر.
مما دفع الولايات المتحدة إلى إيجاد صيغ جديدة لحماية مصالحها في العالم، عبرمشاريع جديدة تبلورت في مشروع الشرق الاوسط الكبير( الجديد)التي ترافقت مع حرب تحرير العراق والانطلاق منها لتغير انظمة هذه المنطقة من العالم بما يتوافق مع المبادئ الاممية لحقوق الانسان والشعوب وصيانة الحريات العامة ومكافحة الفساد وتحرير المرأة واشراكها في الحياة السياسية وتنشيط دور الاحزاب والمنظمات المدنية والاهلية ورفع الرقابة عن العمل الصحفي واحترام حرية التعبير واستقلالية ونزاهة القضاء.
في المقابل عملت الانظمة الاستبدادية في الشرق الاوسط وبشكل خاص سوريا، ايران، تركيا والمنظمات التابعة لها في لبنان وفلسطين والعراق على تشكيل جبهة مضادة لمشروع الشرق الاوسط الجديد، وحولت العراق الى ساحة حرب لتصفية حساباتها وكبح عملية التغيير الديمقراطي في المنطقة. صورة هذا الصراع تبدو واضحة على شاشات التلفزة من قتل يومي والتدخل السافر للدول الاقليمة في تأجيج هذا النزاع وقيام المنظمات التابعة لايران وسوريا وتركيا بالحرب وكالة عن هذه الدول والدفع بالعراق الى حرب اهلية شاملة لتطويق المشروع التغييري واجهاض العملية السياسية داخل العراق.
يعتبر الشعب الكوردي الحامل الاساسي للتغيير في منطقة الشرق الاوسط الى جانب قوى الحرية والديمقراطية المتمثلة في القوميات المستعبدة والمغلوبة على امرها في المنطقة وباقي حركات التحرر الوطني والقوى المدافعة عن الحرية والديمقراطية من منظمات مدنية واهلية واحزاب سياسية وغيرها.
بحكم طبيعة كوردستان المقسمة بين دول المنطقة والصراع الطويل الذي يخوضه الشعب الكوردي في مختلف اجزاء كوردستان من اجل انتزاع حريته وحقوقه جعلت من مواقف انظمة الشرق الاوسط اكثر وضوحا من التغيرات الديمقراطية ومشاريع الاصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي.
تجلى ذلك في الموقف من فدرالية جنوب كوردستان وتطبيق المادة 140 من الدستورالعراقي، الذي اقره الفرقاء العراقيون في استفتاءهم وتوافقوا عليه ليكون القانون الاساسي لحل المشاكل المتعلقة بالاراضي الكوردستانية الموجودة خارج سيطرة حكومة اقليم كوردستان الفدرالية، لا سيما كركوك الغنية بالنفط بما لها من قوة استراتيجية ترجح القوة الاقتصادية الكوردستانية في العراق الجديد وما ينجم من تأثير ذلك على باقي اجزاء كوردستان والمنطقة بشكل عام.
رغم كل محاولات لم تستطع سياسات الانظمة الغاصبة لكوردستان اجهاض الفدرالية في جنوب كوردستان لكنها بقيت تنظر الى هذا التتويج لنضالات شعب جنوب كوردستان بعين الريبة والخوف والشك والحذر وتعمل على حشد جميع مقدراتها لانهاء هذا الكيان وخلق المشاكل التي تعيق تطور واستقراره.
تركيا تهدد بالتدخل العسكري لحماية التركمان في حال تم ضم كركوك الى اقليم كوردستان واعتبارها اختراقا للامن القومي التركي (وأين كانت هذه النخوة الطورانية أيام حكم صدام؟أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟!).
سوريا ترى فيه انسلاخ العراق عن الصف العربي خطوة اخيرة في عملية تقسيم العراق الى كانتونات سياسية وتنعت الفدرالية الكوردستانية بإسرائيل ثانية وهي تنسى أو تتناسى أن الكورد ليسوا عرباَ ناهيك عن ان علم اسرائيل ونجمة داوود ترفرف في سماء أكبر الدول العربية…!.
ايران من جهتها، تعمل باستراتيجية مختلفة بعض الشيء إذ تعتبر الساحة العراقية المكان المفضل لها لما لها من نفوذ لابتزاز الولايات المتحدة واجبارها على الاعتراف بالدور المركزي للجمهورية الاسلامية في الشرق الاوسط وتمرير مشروعها النووي، وتدعو إلى تاجيل تطبيق المادة 140 بحجة انها سوف تؤدي الى نشوب حرب اهلية في العراق!.
النظر في مواقف هذه الدول من تطبيق المادة 140 والاسباب التي ادت الى هذه المواقف العدوانية من قانون توافق عليه القوى السياسية العراقية وحصل على مباركة الشعب العراقي من خلال التصويت في انتخابات عامة قل مثيلها نزاهة ومشاركة في الشرق الاوسط ومتحدين هجمات الارهابين والقتل اليومي والمجازر الجماعية التي يقوم بها الارهابيون وعصابات النظام البائد وفلوله لاجهاض العملية السياسية.
ان هذه المواقف لا تتعلق بالوضع العراقي الداخلي بقدر ما تتعلق بالوضع الاقليمي والصورة المستقبلة للشرق الاوسط ودور الشعب الكردي فيه وامتداد تأثير قيام دولة العراق على اساس تعددي ديمقراطي تمثل جميع اطياف المجتمع العراقي الى الدول الاقليمة المجاورة واستنهاض لحركة التحرر الكوردستانية في الاجزاء الاخرى وانتصارا لقوى التحرر والديمقراطية على النظم الشمولية في الشرق الاوسط.
تنطلق هذه الدول الثلاث(تركيا–سورية وإيران) ومن خلفها الدول العربية الاخرى من قاعدتين اساسيتين:
1-القضاء على الانجاز التاريخي للشعب الكوردي في العراق لقطع الطريق امام تطور الحركة التحررية الكوردستانية في الاجزاء الاخرى. بالإضافة إلى فشل الايدلوجيات الحاكمة بعقلياتها الشوفينية والفاشية في إيجاد حل ديمقراطي للقضية الكوردية وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة.
2-عدم استيعاب انظمتها للتحولات الديمقراطية التي بدأت في اوربا بازالة جدار برلين وانهيار الدولة السوفيتية ووصلت الى المنطقة في حرب الخليج الثانية والثالثة الدافعة لعملية التغير في المنطقة مما يؤدي حتميا الى تفتت هذه الانظمة وسقوطها بسبب بنيتها المستعصية على التغير والاصلاح.
رغم كل المشاكل والخلافات الموجودة بين هذه الدول الا انها اجتمعت في تحالف استراتيجي ضد حرية كوردستان ومشروع التغير والديمقراطية في المنطقة. يبرز ذلك في اللقاءات الثلاثية الدورية لهذه الدول-التي تختلف في كل شيء لكنها تتفق وتنسى كل خلافاتها عندما يتعلق الامر بالكورد؟!-للتعاون والتنسيق في وضع الخطط المشتركة للوقوف في وجه “تسونامي” التغير الذي يهدد وجودها.
يعتبر الحشد العسكري التركي والايراني على حدود كردستان وزيادة عدد الارهابين المتسللين من سوريا وتقديم الدعم اللوجستي اللا محدود للمنظمات الارهابية وبقايا النظام البائد، وتسارع العمليات الارهابية التي تستهدف الشعب الكوردي خصوصا في المناطق الموجودة خارج الاقليم (كركوك وشنكال وخانقين ومخمور………الخ) بايدي الارهابين والمرتزقة تحت اشراف وتخطط استخبارات الانظمة الاقليمية.
انها تنظر الى هذه الحرب بانها حرب وجود، تستخدم فيها كل الوسائل القذرة على شاكلة الهجمات البربرية في شنكال وكركوك وتمويل عصابات القتل والترهيب في حربها القذرة .بهدف ارهاب الكورد وارعابهم ودفعهم الى الهجرة وترك مناطق سكناهم لتعطيل تطبيق المادة 140…انها عملية انفال جديدة بحق الكرد تقوم بها هذه المرة كل الانظمة التي شاركت تاريخيا في اقتسام واغتصاب كوردستان واستعباد شعبها ومارست بحق الكرد سياسات التتريك والتعريب والتفريس توحدت اليوم للوقوف امام التطور التاريخي مما يؤكد عجزها عن تدارك التطور التاريخي والتغير في المفاهيم الدولية التي تستند الى الحرية والمساواة ومشاركة الشعوب في صياغة مستقبلها.
استطاعت القيادة الكوردستانية ادارة الصراع والصمود امام هذه الهجمة الشرسة وعملت على تثبيت حقوقها المشروعة في تقرير مصيرها استنادا الى القوانين والمواثيق الدولية واختيارها النهج الديمقراطي واحترامها لشعوب المنطقة وابراز نموذج يحتذى به في التعايش السلمي والوئام في جنوب كوردستان بين مختلف القوميات والاديان والمذاهب.
ذلك نتيجة تراكمات السياسات القمعية والابادة الجماعية ضد الشعب الكردي وايمانه العميق بقيم العدالة والمساواة وحق الشعوب في تقرير مصيرها ومبدأ المشاركة في الحياة السياسية.
رغم الجروح العميقة التي احدثتها هذه الحرب القذرة التي توضح همجية وبربرية العدو، و استمرارا في الصمود والتقدم يتطلب بناء استراتيجة دفاعية تستند على عموم شعب كوردستان في جميع الاجزاء والمهجر وتأخذ طابعا هجوميا. هذا يتطلب القيام بمجموعة خطوات:
-اقرار سياسية زراعية صناعية تهدف الى تأمين الاحتياجات اليومية للمواطن الكوردي، بشكل خاص المنتجات الزراعية حيث تتوفرالمساحات القابلة للزراعة والايدي العاملة والخبرة والمياه والصناعات التابعة لها لتحقيق الامن الغذائي الكوردستاني.
-تصقيل الشخصية الكوردستانية في المدن والارياف خصوصاً بين الشباب وحمايتهم من الدعاية المعادية والتي تعمل على النيل من ثقتهم بنفسهم وابراز صورة الكردي بشكل مشوه واعتباره غير قادر على بناء دولة وإدارة وطنه.
-التدخل في اعادة هيكلة الاحزاب الكوردستانية في الاجزاء الاخرى والخروج بها من واقعها المتشرذم وتوحيد صفوفها والدفع بها الى تكثيف نشاطاتها ضد الانظمة الغاصبة لكوردستان والسير نحو خلاص الشعب الكوردستاني في الاجزاء الاربعة عبر بناء ائتلاف من الاحزاب والمنظمات المدنية والحقوقية والمثقفين والشخصيات الوطنية على قاعدة ميثاق وطني يحقق مطامح الشعب الكوردي في كل جزء (ولنا عودة الى هذا الموضوع نظراً لأهميته وحساسيته).
-التواصل مع كورد المهجر والشتات والعمل معا من اجل بناء لوبي كوردي يستطيع الدفاع عن مصالح الكورد في الدول المتقدمة خصوصا امريكا الشمالية واوربا وروسيا وغيرها.
-انشاء مجلس-الامن القومي الكوردستاني-يضم ممثلين عن الائتلافات الموجودة في كل جزء وممثلين عن اللوبي الكوردستاني في الخارج وممثلين عن جنوب كوردستان تعمل معا على وضع الاستراتيجة العامة للعمل في جميع الاجزاء وتنطلق من قاعدة اساسية، وهي حماية جنوب كوردستان والدفاع عنه بكل السبل والمساهة في تطويره واعتبارجنوب الوطن القاعدة الاساسية في تحرير باقي اجزاء كوردستان.
-بناء علاقات استراجية مع القوى الديمقراطية في الشرق الاوسط واعتبارها شريكا استراتيجيا في عملية التحرير ونشر الديمقراطية.
-ربط المجلس مباشرة برئاسة كوردستان واعتبار القرارات والخطط الصادرة عنها الزامية لجميع الاحزاب والمنظمات والمؤسسات المنضوية تحت لوائها.

يمكن القول اننا–ككرد-نمر في المرحلة الاكثر حساسية ودقة من تاريخنا المعاصر ولا بد ان نكون على قدرالمسؤولية والمهام الملقاة على كواهلنا جميعا، في الأجزاء الأربعة من كردستان لأن النصر–الذي نسير إليه قدما-يحتاج الى الكثير والكثير من التضحيات . 


* معتقل سابق