الرئيسية » الآداب » تأملات في كتاب المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي

تأملات في كتاب المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي

الكورد شعب عاش مرارة الايام نتيجة المحاولات التي ارادت طمس وجوده.. فكان النضال طريقه الوحيد من اجل حصوله على حقوقه المشروعة بعد ان فقد على امتدادات الحروب الكثير من تراثه وتاريخه.. وكان لمثقفي الكورد ورجالاته دور كبير في اعادة هيبة المجتمع الكوردي وتوثيق ما استطاعوا توثيقه فيما كتب عنه في الخارج والداخل.. وكتاب الدكتور بدرخان السندي الموسوم (المجتمع الكوردي في المنظور الاستشراقي) الصادر عن دار سبيريز للطباعة والنشر / 2007 والذي تضمن ستمائة واربع عشرة صفحة من الحجم الكبير.. وابتدأ بالاهداء (الى كل من اطلق كلمة نبل طيبة وعادلة في حق امة من الامم وهو ليس منها..) والى كل كوردي ذاد عن حقوق الامة الكوردية واستبسل من اجل ان يرسم مستقبلها المشروع (شهداء الكورد).. مع سبعة عشر بابا حياتيا.. ويعتبر هذا الكتاب وثيقة مهمة ومصدرا اساسيا لدراسة المجتمع الكوردي اذ استعرض حياة الكورد عبر التاريخ متمثلا بما كتبه المستشرقون عن هذا الشعب المجاهد.. الصابر.. اذ غاصت فصوله في اعماق الواقع فهناك صفات الكورد المتمثلة بالثقة والصدق والتأمل والذكاء والخبرة والثقافة والجرأة والبحث عن الحرية والعادات والتقاليد السائدة بين افراد الكورد.. لكن المؤلف لم يعرج على صفة تميز الكوردي الا وهي الصدق المباشر في الحب اذ انه يمتاز بحدية في بناء علاقاته الاجتماعية.. لذا فهو يؤمن بمقولة شكسبير: (اما ان تكون او لاتكون).. بعد مقدمة مستفيضة لمادة الكتاب.. ففي الفصل الاول يطرح المؤلف مستندا الى ما كتبه المستشرقون عن ابرز الصفات والسجايا في المجتمع الكوردي وفي مقدمتها الثقة بالاخرين لانه يثق بنفسه متكئا على مقولات واعترافات (باسيل نيكتين) و(هاملتون) و(روس) و(مينورسكي) و(والتر هاريز) و(فريزر) و(ريج) و(هوبارد) و(ادموندز) و(بورتر) و(هنري فيلد) صاجب الدراسة الانثروبولوجية في الشرق الاوسط عام 1926 والتي شملت (زاخو وراوندوز والسليمانية).. و(شميدت) و(باسيل نيكتين) الذي صور وفاء الزوج الكوردي لزوجته ومدى احترامه لها وهذه صفة عامة لدى الكورد تدل على ان سلوك الرجل الكوردي سلوك انساني ازاء المرأة. اما القسم الثاني فقد بحث في الحياة القبلية في كوردستان عبر ابوابه: القبيلة الكوردية، ودراستها مستندا الى التاريخ الانثوبولوجي.. ابتداءً من جمع الثمار ومرحلة الرعي مروراً بمرحلة الصيد وانتهاء بالزراعة والاستقرار… ومن ثم يعرج على الزعامة القبلية الكوردية.. فالزواج والعائلة ابتداء من الزواج المتبادل وانتهاء بالقرابة.. اما الباب الرابع فكان مكرسا للمرأة الكوردية وميزاتها التي انفردت بها كعاملة وقيادية مناضلة من اجل حصولها على المعرفة والمساهمة الفاعلة مع الرجل من اجل الحصول على الحقوق -ووقوف الادباء الكورد الى جانبها ومساندتها في سبيل حريتها وحقها في التعليم وهذا ما يؤكده (ادموندز). اما الباب الخامس فقد انحصر في الاوضاع السياسية التي مر بها الكورد. اذ عرض المؤلف انطباعات المستشرقين عن الاوضاع السياسية التي مرت بها كوردستان.. كونها ظلت لفترة طويلة من الزمن مسرحا لصراعات سياسية اضاعت سيادتها على نفسها. ويعرض لقاء بين (أمير بابان محمود باشا ومستر ريج عام 1820 يفصح محمود باشا عن الواقع السياسي الذي تعيشه المنطقة).. ثم يعرج على (خالفين) وكتابه الصراع على كوردستان.. ولقاءاته بالكورد ومعاناتهم نتيجة عدم استقرارهم حتى ان احدهم يقول: انهم لايستطيعون تشييد البيوت العامرة او ترميمها وهم غير موقنين من بقائهم او من قدرتهم على التنعم في هذا العمران.. بعدها ينتقل الى (ولكرام) الذي قضى سنوات في كوردستان خلال العقد الاول من القرن العشرين. وهذا يدعو في مذكراته الى ضرورة وجود زعامة كوردية قوية تحكم كوردستان بدلا من الحكام المتنافسين.. ثم يعرج على ما كتبه (مارك سايكس) و(ادموندز) و(هاملتون)الذي يتحدث بنبرة ملؤها الاسف عن منطقة كوردستان الغنية بثرواتها لاسيما المعدنية وعلى وجه التخصيص النفط الذي يباع الى صانعي الاسلحة ليعود سلاحا ماضيا للقضاء على الكورد انفسهم من قبل الحكومات التي تعاقبت في حكم العراق… فخالفين وسون ونوئيل ومس بيل واخيرا ويلسن الذي عمل في العراق وكيلا للحاكم الملكي بعد ان وضعت الحرب العالمية الاولى اوزارها.. ثم ينتقل في الباب السادس للمعتقدات الكوردية وما طرحه المستر ريج بشأن بعض الزعامات الدينية في كوردستان.. ثم يتطرف المؤلف الى الشخصية الكارزمية بشكل عام والدينية بشكل خاص اذ يؤكد الكاتب انه ظهرت في تاريخ وحياة المجتمع الكوردي شخصيات كارزمية عديدة اذ يساور اصحابها الاعتقاد بثقة عالية بالنفس من انهم رفيعو المستوى في عقولهم وقيمهم وغاياتهم. ويذكر (ادموندز) ان الكورد البسطاء اعتادوا اغراق التقديس على وليهم المختار.. وهم يعتقدون بالكرامات التي لاتتأتى للناس العاديين.. وهذه القدرات يسبغها الله عليهم لصلاحهم وسمو منزلتهم الدينية.. وتذكر (هانس) انها لم تكن تعرف مدى تأثير الاسلام على الشعوب حتى زارت كوردستان ورأت كيف يقيمون الصلوات الخمس ويأتون الزكاة ويصومون ويذهبون الى الحج ان استطاعوا. اما في الباب السابع فيتكلم المؤلف عن اهم الشخصيات الكوردية ابتداء من (ابراهيم اغا دزه يي) ولقاء السير مارك به اذ كان مسؤولا عن (12000)عائلة.. ومرورا بابراهيم باشا الملي الذي التقاه السير مارك سايكس.. وانتهاء بشخصية يعقوب باشا رئيس عشيرة (اتمي) الكوردية.. ثم ينتقل الى التجارة والاقتصاد فالرعي والزراعة والحرف اليدوية والصناعات المتمثلة بالالبان والغزل والنسيج.. فالضيافة الكريمة التي يجمع الرحالة والمستشرقون ممن زاروا كوردستان او درسوا خصائص المجتمع الكوردي على ان الكورد قوم اهل ضيافة.. ومنهم السير مارك سايكس وهاملتون واميديه جوبر مبعوث نابليون للتفاوض مع شاه ايران 1805-1806 وخالفين وبورتر الذي اثنى في رحلته الى كوردستان 1817-1820 على روح الضيافة عند الكورد وجعلها من التقاليد الموروثة.. اما جيمس كريج 1880 فيذكر انه خلال جولته بين فارس وبايزيد في كوردستان الشمالية كان ينام في خيام الكورد ويقول: لدي كل الاسباب لان اثمن الاحترام والاهتمام اللذين لقيتهما عند الكورد وحسن المعاملة والسخاء وادب الضيافة الذي احطت به من قبلهم.. بعدها يتناول الازياء الرجالية والنسائية والحرب والاسلحة فاللغة والادب ومدى اهتمام المستشرقين باللغة الكوردية لمحاولة فهم سلالتها وتراكيبها.. ومن الكتب المبكرة التي اهتمت باللغة الكوردية كتاب القسيس الايطالي (كارزوني) المطبوع عام 1787 وقد سكن هذا القسيس اللغوي مدينة العمادية وانتبه الى المتكلمين باللغة الكوردية حتى وضع قواعدها وجمع مفرداتها في قاموس بلغت صفحاته 187 صفحة.. ثم ظهرت دراسة (فون همر) عام 1814 تلتها دراسة (هورنل وسجيندر) عام 1836 وهي دراسة جغرافية اهتمت باللغة الكوردية فضلا عن الجانب الجغرافي.. اما سون فيرى ان اللغة الكوردية لغة قادرة على اظهار عراقتها وفصاحتها وهي من وجهة نظره تعد لسانا تاما وأنها غنية بالاشكال النحوية والصرفية.. اما (شميدت) فيتحدث عن الصحافة الكوردية والريادة فيها ويقصد جريدة (كوردستان) التي اصدرها افراد من الاسرة البدرخانية ثم مجلة (هاوار وروناهي) اللتين اصدرهما جلادت بدرخان وكامران بدرخان ومن بعد (روزانو) الصادرة في بيروت. ثم يلتفت الى الفن والفروسية والالعاب مؤكدا على الموسيقى والالات الموسيقية والرقص والصيد.. فالطعام الكوردي والعمارة في المدينة والقرية واهم المدن ابتداء من اربيل ومرورا بالسليمانية وانتهاء ببوان.. فالصحة ومعاناة الكورد الصحية…. واخيرا فهرست الاعلام والعشائر والبلدان والمدن والقرى. انه حقا جهد يستحق الثناء والقراءة بدقة كون مؤلفه موسوعي المعرفة انتماء وتربية.. لذا فهو محاولة للتعرف على سوسيولوجية المجتع الكوردي من منظور استشراقي اذ اعتمد المؤلف على معلومات ومذكرات مستشرقين عايشوا الكورد لقرون من الزمان.. فضلا عن خزينه عن هذا الشعب المكافح الذي لم يعرف اليأس..