الرئيسية » مقالات » وهبنة الإسلام و وهبنة الحیاة

وهبنة الإسلام و وهبنة الحیاة

الإسلام دین ظهر في حقبة تأریخیة معینة و لأسباب إقتصادیة وإجتماعیة وسیاسیة معروفة. فعند ظهور الإسلام ما کانت البشریة خالیة من الدیانات و الحضارات، وما کانت الدنیا غارقة في الظلمات والجهل. ظهور الإسلام ، کباقي الحرکات الإجتماعیة الأخری، کان لأسباب إجتماعیة و إقتصادیة وفکریة خاصة بالمنطقة وبترکیبتها الجیوسیاسیة آنذاك.
مع عقلنة عملیة التفکیر البشري وتنقیة العقل من الخرافات وإبتداء تحریر الإنسان من واقعه‌ الوحشي البربري ، بدأ الفکر البشري البحث عن طرق وآفاق أخری لدیمومته‌. وبدأت ظاهرة بناء المجتمعات البشریة المبنیة علی أسس واقعیة وعقلانیة تظهروتسود . وبطبیعة الحال وصل هذا‌ النموذج الفکري الجدید المتمثل بعقلنة الحیاة وبأنسنة التعامل مع الإنسان الی منطقة الشرق الاوسط . ففي هذه‌ المنطقة الموبوءة بالغیبیات والمحکومة بإلغاء العقل کانت عملیة إنتشار الرؤی العقلانية للحیاة غیر موفقة. ولکي نفهم وضعنا الفکري فهما واقعیا وتحلیل الأسباب الأساسیة وراء هذا الکم من التخلف والخواء الفکري الذي یسود المنطقة، یحتم علینا الموضوعیة في التفکیر. والموضوعیة تحتم علینا تفسیرظاهرة إلغاء العقل في هذه‌ المنطقة والبحث عن اسبابها في تأریخ المنطقة وفي ترکیبها السکاني و العرقي والفکري وهیکل إقتصادها القدیم و الحدیث، ولیس في الغیبیات أو في هلوسات دونکیشوتیة قومیة بالیة.

طرق البحث العلمي في العلوم الإجتماعیة تختلف عن الآلیات البحث العلمي في ( علی سبیل المثال ولیس الحصر) العلوم الطبیعة. البحث في ظاهرة إجتماعیة أو طبیعیة ومحاولة تفسیرها لإیجاد حلول لها یحتم علی الباحث الموضوعیة. الموضوعیة في العلوم الطبیعیة لیست قابلة للمناقشة بینما في العلوم الإجتماعیة قد تضل الموضوعیة سبیلها بین الإجتهادات اللاعلمیة والإستنتاجات الممزوجة بالرغبات والفهم المسبق للأشیاء.
لنأخذ مثالا لتوضیح الفکرة: لعدم وجود ماء مسلم و ماء کافر، نباتات مسلمه‌ وأخری کافرة، فعملیة تنقیة المیاه‌(علی سبیل المثال) في المملکة العربیة السعودیة و في المملکة السویدیة هي نفسها. الترکیب الذري للماء لیس مختلفا في الدیار المسلمة عنها في الدیار الضالة ،لیس الماء مکون من ذرات مسلمة في المملکة المغربیة و من ذرات کافرة في المملکة المتحدة. وطرق مکافحة الجراثیم الموجودة في المیاه‌ متماثلة. لأن الجراثیم في پاکستان (التی تعني بلاد النقاء) هي نفسها في الدنمارك، لها نفس الترکیب الأحیائي وتنمو وتختفي لنفس العوامل المؤثرة . لذلك لاخیار أمام الباحث في مجال العلوم الطبیعیة ، بعمامة أو بغیر عمامة ، في الدیار الکافرة کانت أم المؤمنة ، سوی أن یسلك طریق البحث نفسه. أما البحث في أشکالیات ظاهرة إجتماعیة معینة فقابل لتأویلات و إجتهادات مختلفة . أحیانا یکون البحث مبني علی الرؤی و القیم الأخلاقیة و الإجتماعیة السائدة في المجتمع ویجاهد لترسیخهما . وهذا ما یحصل في منطقتنا عندما نبحث في تأریخنا وفي ترکیبة قیمنا الفکریة. هذه‌ اللاموضوعیة في فهمنا لانفسنا قد ساقنا الی العقم الفکري . فإن تخلید القیم السائدة وإلغاء التشکك بها ، وتمجید الماضي وإعلان معصومیته‌ ، و تحریم الموضوعیة و التفکیر الحر قد حول البحث العلمي في حقول العلوم الإجتماعیة في الجامعات والمدارس في الشرق الاوسط الی الشعوذة. بذلك یکون عسیرا ، إن لم نقل مستحیلا ، علی الباحث من الإعلان عن إستنتاجاته‌ وتحلیلاته‌ إذا ما خالفت هذه‌ الأخیرة القیم الإجتماعیة السائدة. وبهذا یکون موت العقل وهروب الوعي لا مناص منهما.

الدیانة المسیحیة أجبرت نفسها علی الإمبراطوریة الرومانیة بعدما رأت الإمبراطوریة بأن الدین الجدید قد یساعدها علی الحفاض علی وحدتها وتقویة شرعیتها . وهکذا إحتضنت الإمبراطوریة الرومانیة الدیانة المسیحیة وضمتها في هیکلها الإجتماعي ودمجتها في مؤسساتها وقیمها الإجتماعیة السائدة . وبذلك لم تکن هناك حاجة لرجال معصومین ، خلفاء الله‌ علی الارض ، لمحاربین یقتلون الناس لیدخلوا الجنة. الهیکل الإجتماعي و السیاسي للامبراطوریة لم یتغیر. النخبة السیاسیة لم تتغیر. فکل ما حدث هو إستحداث فئة إجتماعیة جدیدة بجانب الفئات الفاعلة من القادة السیاسیین و العسکریین وهي فئة رجال الدین. ولکن ما حدث عند إنتشار الإسلام في منطقة الشرق الاوسط هو إسقاط إمبراطوریات وإستبدال الفئات الحاکمة کلیا ، وتغیر جذري في الهیکل الإجتماعي والترکیب العرقي للمنطقة. وهذا التغییر حدث بشکل مذهل و سریع و دموي . فاصبح الحاکم الجدید معصوما، فهو خلیفة الله‌ و السلطان والمجاهد والمحارب والفاتح وأمیر المؤمنین. الترکیب الإجتماعي والفکري لهذه‌ الطبقة الجدیدة الآتیة من الجزیرة العربیة ما کانت مأهلة لکل هذا الکم الهائل من التغیرات. والصراعات القبلیة بین افرادها ما إختفت علی رغم إمتلاكها السلطة في کل هذه‌ الارجاء الواسعة. فکل قتل و نهب وغدرو إغتصاب وصراع علی السلطة بین افراد هذه‌ الفئة ، وبینهم وبین الآخرین قد أرتکبت باسم الدین. وشرعیة الحاکم وسلطته‌ کانت مبني علی سیفه‌ وقدرته‌ علی قتل خصومه‌. کان الحاکم یری بأن (رؤوسا قد أینعت حان خطافها). فالقیم البدویة إرتطمت بقساوة بالثقافات الإجتماعیة و السیاسیة السائدة آنذاك . والنخبة المسلمة ضاعت بین مغریات السلطة وبین القیم التی أتی بها ومن أجلها والمتمثلة بالدین الجدید. هذه‌ الحالة الغریبة قد خلقت ثقافة مبنیة علی نفي الآخر، في الحکم وفي السیاسة وفي الفکر. هناك سلطان وهناك رعیة. کان الحاکم یتهم خصمه‌ السیاسي أو الفکري بالمرتد أو المشرك أوالخوارج أو الباطني أو الرافضي أو العجمي أو الشعوبي أوبکونه‌ زندیقا وبعدها کانت إزالة الخصم مشروعا وجهادا.
هذه‌ التقلبات الإجتماعیة الحادة والتي طال لقرون قد أحدث شرخا عمیقا في شخصیة الإنسان الشرق الاوسطي وترکیبه‌ الفکري وتصوره‌ الحضاري . وآثار الإرباك في تکوین شخصیة الإنسان الشرق الاوسطي واضحة جدا و خاصة عند إلتقائه بثقافات أخری وإحتکاکه‌ بنظم إجتماعیة مختلفة. الفرق الهائل بین تصوره وفهمه‌ للثقافة والحضارة والحریة الشخصیة السائدة في مجتمعه‌ وبین الواقع السائد في الثقافات الآخری یجعل الانسان الشرق الاوسطي یحس بانتقاص رهیب و مخیف في وجوده‌ ،و یصاب بنکوص حاد عندما یکتشف فهمه‌ الأعوج عن الانسان وعن الحیاة. و التغيیر قد یکون عسیرا وخاصة للفرد الذي قد تمال في تصدیقه‌ کونه‌ فردا ینتمي لأحسن أمة أخرجت للناس. فهذه‌ الشخصیة لامحال شخصیة مرتبکة نرجسیة خاویة من مستلزمات لإستقبال الجدید ومفلسة من إحداث التغییر. والحل الوحید لإبقاء وجوده‌ الهش هو رجوعه‌ الی الماضي التلید وإضافة خرافات علی خرافاته‌ ونعت الناس أجمعین بالکفرة والصلیبیین. وبهذا یعطي شرعیه‌ لمزاولته‌ القتل وإخفاء الإرباك في شخصیته‌ وتستر علی داء النکوص في تکوینه‌ النفسي. إن رد الفعل لقادة الشرق الاوسط عند إنهیار الإمبراطوریة‌ العثمانیة و وصول ظاهرة الإستعمارالی المنطقة في بدایة القرن الماضي قد یعطي صورة واضحة لهذه الشخصیة وآفاق تفکیرها.
وحتی بعد ظهور الدول القومیة الحدیثة في المنطقة و وصول الفکر القومي الیها من أوروبا لم تتغیر الحالة الفکریة ولا التصور الحضاري عند النخبة الجدیدة الحاکمة في المنطقة ، لا في منطقهم ولا في خطاباتهم . فکل إخفاقاتهم وإنتکاساتهم کان سببها الإستعمار والصهاینة ولیس قصورهم العقلي لفهم الواقع . لم یفلحوا في تحسین العلاقة بین الحاکم و المحکوم وإحداث تغییر في شرعیة الدولة وتبني مفهوم المواطنة بدلا من الرعیة . وبقی الحاکم حاکما بمفهوم عصر الفتوحات، معصوما وابا وقائدا أوحدا وموحدا للأمة. الأمة نفسها، کمفهوم ، تحولت من کونها مجموعة بشریة تدین بدیانة معینة الی مجموعة بشریة ذات إنتماء أثني معین. وظاهرة محکات الماضي وتصور الحاضر بشرائط ومکونات الماضي کانت جلیة بشکل خاص عند قادة الشعوب العربیة. فالفرد في المنطقة العربیة لم یکن یعرف إذا ماکان المقصود بکلمة الأمة هي الأمة الإسلامیة أم الأمة العربیة . کان هناك قصور واضح عند النخبة المثقفة في فهم مستلزمات الزمن الجدید وإجاد آلیات جدیدة لمعاصرته‌ ومواکبته .لم یحدث أي إنقلاب في النموذج الفکري السائد منذ عصر الهجمات الإسلامیة. النخبة المثقفة لم تناقش ولم تنتقد ولم تحاول تحسین الوضع الفکري لدی الشعوب العربیة. والقادة والنخب التي تبنت الفکر القومي والتي تصلطت علی الشعوب العربیة بعد الحرب العالمیة الثانیة تراجعوا وإحتموا تحت عباءة الدین بسسب النقص في شرعیتهم کحکام والنقص الفادح في هیکل نظامهم السیاسي. وهکذا کان من الصعب علی الشعوب العربیة من التفریق بین حاکما کصدام حسین أو معمر القذافي وبین خالد بن ولید أو القعقاع. الشعوب العربیة مرتبكة ، لاتمیز بین رئیسا لدولة عصریة في عالم یسودها قوانین دولیة ودبلوماسیة وإحترام الإنسان ککائن حر وبین محارب یشهر سیفه‌ ویقتل یمینا ویسارا باسم الدین ویلحق دول مستقلة لإمبراطوریته‌ ویدعوا حروبه‌ بالفتوحات ویقعد علی کرس الحکم حتی یوم الدین.

الخلاص من هذا المرض الممیت قد یکمن في إعادة قراءة التأریخ قراءة موضوعیة و إنسانیة ومن منظارمعاصر. یجب إعادة صیاغة الکتب التي تدرس في المدارس. فإحتلال اسبانیا بقیادة طارق بن زیاد ماکانت فتحا وإنما إحتلال لبلاد کان یقطنه‌ شعوب مسالمة ، تماما کما کان الإحتلال الاوربي لمنطقتنا. فأنه‌ لخطأ فادح إذا إستمرنا بتلقین جیلنا الجدید بأنه‌ ما نفعله‌ نحن من دمار وقتل هو شیء مقبول وندخل الجنة بسببه‌ وما یفعله‌ الآخرون شیء قبیح ومصیره‌ الجهنم. فإنه‌ لخطر ممیت بإخفاء إنتقاصاتنا ورکودنا الفکري وتمجیدنا للماضي بدون الحدیث عن الوضع الراهن. فوهبنة الدین والحیاة والرجوع الی الاحلام لایحل مشکلة منطقتنا. والخطوة الاولی للخلاص هي الدیمقراطیة ، الدیمقراطیة في البیت ، في المقهی وفي مؤسسات الدولة ، والخطوة الثانیة هي الکف عن صناعة المقدسات و المقدسین (بفتح الدال).
لمن المؤسف بأن مجموعة من المشعوذین یوهبنون الدین ویبدعون في قتل الناس ، لکن الأخطر علی الشعوب العربیة هي المجموعة الشبه‌ الأمیة أو الشبه‌ المثقفة التي توهبن الحیاة نفسها. تستغل التکنولوجا الحدیثة لإغتصاب الحقیقة ولخنق الفکرالإنساني الحدیث.