الرئيسية » مقالات » هل سوريا حرة؟

هل سوريا حرة؟


تصلني من موقع سوريا الحرة ( حرية – ديمقراطية – عدالة ) مقالات مستمرة وتصريحات للسيد عبد الحليم خدام أجبر نفسي على مطالعتها , وبعد أن أنتهي منها أجد نفسي ملزماً بالرد على بعضها إذ لا يمكن الرد على جميعها, رغم أن جميعها تستوجب الرد , كما لا يمكن السكوت عنها إذ يحمل بعضها كماً من الأقوال التي تجافي الحقيقة وتتعارض مع الوقائع التي عشناها أو ما نزال نعيشها ونعرفها جيداً وعن قرب شديد. فلدى البعض يبدو أن الماضي كان جميلاً لهم وأن الحاضر هو السلبي والسيئ في سوريا , في حين أن الماضي والحاضر استندا إلى نفس الأرضية الفكرية والسياسية ومنها نهلا وما زال الحاضر ينهل منها النظام السوري أو بعض قادة المعارضة السورية الحالية. إن المثير في تلك المقالات والتصريحات أنها تحاول إخفاء الحقيقة في السابق والكشف عن الحقيقة الراهنة. ولكن من يخفي حقائق الماضي تسقط مصداقيته ويعجز عن إقناع الآخرين بما يقول. وهكذا من لا يمارس النقد إزاء ممارساته. وهذا ما لاحظته في آخر ما وصلني عبر موقع “سوريا الحرة”. فقد وصلتني هذا اليوم (20/8/2007) تصريحات أدلى بها السيد عبد الحليم خدام إلى جريدة “الوطن”. وسوف لن أناقش كافة إجاباته عن الأسئلة التي طرحت عليه , بل سأتناول السؤال الأول وجوابه عنه , لأنه يشكل جوهر القضية , علماً بأن كافة الأسئلة تحتاج إلى حوار وحبذا لو ناقشها السوريون أنفسهم , إذ أنهم يعرفون صاحب التصريحات عن كثب وعاشوا مرارة التجربة السورية منذ ما يزيد عن أربعة عقود ونيف من السنين العجاف.
إليكم السؤال الأول وإجابة خدام عنه كما وردا في نص المقابلة:
” س- ماذا يريد القادة السوريون؟ بمعنى آخر إلى أين يجر القادة السوريون الشعب السوري؟
ج – ليس في سوريا قادة يديرون شؤون البلاد، وإنما طغمة حاكمة عطلت المؤسسات الدستورية وتجاوزت القوانين واستخدمت وسائل القمع ضد المواطنين ونشرت الفساد في البلاد وزرعت الخوف لدى المواطنين السوريين وانفردت بالقرار فوضعت سوريا في مركز دائرة الخطر كما تسببت بأزمات اقتصادية حادة أدت إلى انتشار الفقر والبطالة وإلى ضعف موارد الدولة وتوقف النمو الاقتصادي” .
ماذا تعني هذه الإجابة؟ وهل هي صحيحة ؟ وهل تستند إلى حقائق الوضع التي كانت سائدة في سوريا في الفترة التي كان عبد الحليم خدام نائباً لرئيس الجمهورية والشخصية الأكثر بروزاً في القيادة القطرية والقومية لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم بعد رئيس الدولة ورئيس الحزب الراحل حافظ الأسد؟
أولاً : كلنا يعرف بأن عبد الحليم خدام كان قد التحق بحزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1949 ثم عين محافظاً لحماه وفي العام 1967 أصبح حاكماً لمنطقة القنيطرة- أكبر مدينة في الجولان- ثم وزيراً للاقتصاد والتجارة الخارجية بين عامي 1969 و1970. وفي أعقاب الانقلاب العسكري الذي قاده حافظ الأسد وأطلق عليه بالحركة التصحيحية أصبح منذ شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1970، وزيراً للخارجية ونائباً لرئيس الوزراء , كما أصبح عضواً في القيادة القطرية والقومية لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم. ثم أصبح مسئولاً عن الملف الأمني اللبناني على امتداد سنوات طويلة حيث تعرض الشعب اللبناني إلى عملية هدر لاستقلاله وسيادته الوطنية وتدخل فظ في شئونه الداخلية من جانب القيادة السورية من خلال قيادة ومسئولية خدام عن القضية أو الملف اللبناني حتى العام 1998 حيث سلم هذا الملف إلى بشار الأسد. وفي العام 1984 أصبح خدام أحد نواب رئيس الجمهورية الثلاثة. وخلال الفترة الواقعة بين 1979/1980 وما بعدها لعب خدام دوراً كبيراً في تنشيط العلاقة السياسية والعسكرية والتحالف بين إيران وسوريا.
ثانياً : في أعقاب وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد تسلم عبد الحليم خدام مهام رئيس الجمهورية وفق الدستور السوري , وكان له دور كبير في تعيل المادة رقم 83 من الدستور السوري لكي يتسنى لبشار الأسد من ناحية العمر (34 عاماّ) أن يصبح الرئيس الوريث للأب الراحل في سوريا. وهذا يعني أن كان لخدام وجماعته في القيادة الفضل في تحويل سورية إلى جمهورية وراثية أو (جملوكية) , إذ أصدر عبد الحليم خدام , باعتباره نائباً لرئيس الجمهورية , القانون رقم 9 بتاريخ 11/6/2000 الذي عدل المادة المذكورة وسمح لمن بلغ سن الرابعة والثلاثين من العمر أن يرشح لمنصب رئاسة الجمهورية ثم أصدر قراراً بترقية بشار الأسد من رتبة عقيد إلى رتبة فريق وتعيينه قائدا عاما للقوات المسلحة.
ثالثاً : وخلال الفترة الواقعة بين العام 1970 حتى خروج خدام من قيادة الحكم في سوريا ومن الحزب الحاكم في العام 2005, لم يكن الوضع في سوريا استبدادياً فردياً وفظاً فحسب , بل كانت تسود فيه دولة المخابرات والأمن السياسي وغياب الحياة الدستورية والمؤسسات الدستورية , وما وجد منها كان شكلياً وضحكاً على ذقون الناس. وقد كان خدام ليس شريكا في الحكم حسب , بل كان أحد أبرز قادة النظام وأكثر الشخصيات التي شاركت في تلك الكوارث التي تعرض لها الشعب السوري وكل التجاوزات التي مارسها النظام الاستبدادي السوري على حقوق الإنسان والأحزاب والحياة السياسية وعلى السكان الكُرد , تماما كما يجري اليوم في سوريا ؟ والسؤال العادل الذي نطرحه على المعارض الجديد خدام هو : أولم تكن السجون مليئة بسجناء الرأي والعقيدة من العرب والكُرد حين كان السيد خام نائباً لرئيس الوزراء ومن ثم نائباً لرئيس الجمهورية؟ أولم يتعرض هؤلاء السجناء إلى التعذيب النفسي والجسدي وقضوا عشرات السنين في السجون والمعتقلات وتعرضوا لأبشع أشكال التعذيب النفسي والجسدي؟ أولم يكون السيد خدام مسئولاً عن الملف اللبناني وما تعرضت له القيادات اللبنانية الديمقراطية من اضطهاد وتمييز وملاحقة , إضافة على من اغتيل في الثمانينات والتسعينات في لبنان أثناء وجود القوات السورية والأجهزة الأمنية السورية في لبنان؟
لا أستطيع تصور أن السيد خدام سيقول بأنه لم يكن يعرف ما كان يجري في سوريا وفي سجونها. فأنا كنت وما زلت أحد أعضاء المنظمة العربية لحقوق الإنسان وتقارير المنظمة السنوية كانت ترسل إلى الحكومة السورية , كما أن وفداً من المنظمة العربية لحقوق الإنسان قد قابل نائب رئيس الجمهورية وشرح له أحوال السجناء السياسيين والمرض الذي يفتك ببعضهم , كما لا يمكن أن أنسى حين كنت رئيساً لمنظمة الدفاع عن حقوق الإنسان في الدول العربية / ألمانيا أن التقينا بوفد من منظمة سورية تدافع عن حقوق الإنسان وشرحوا لنا ما يجري في سجون سوريا والتي طالبنا في حينها بإطلاق سراحهم ولكن دون جدوى. لدي القناعة التامة بأن السيد خدام كان يعرف حق المعرفة كل ذلك وأكثر من ذلك , وربما كان يشرف على الكثير من ذلك بحكم منصبه البارز في الحزب والدولة. فكيف يقوم اليوم بتبرئة الماضي واتهام الحاضر بتلك العبارات التي وردت في إجابته الأولى , في وقت أن الفترة السابقة لم تكن أسهل على المواطنات والمواطنين السوريين من الفترة الراهنة.

رابعاً. يحاول خدام أن يقول لنا بأن سوريا أصبحت حليفة إيران حالياً ورهينتها. هذا صحيح جداً ولا خلاف عليه , وهي حصان طروادة التي تساهم في نقل الحرس الثوري وأسلحته ومساعداته وأدبه وثقافته المتخلفة والعدوانية إلى الدول العربية الأخرى , ومنها فلسطين ولبنان والعراق والسودان وغيرها …الخ, ولكن سوريا كانت منذ سنوات حكم الراحل حافظ الأسد ملتصقة بإيران وتنسق معها وتمارس نفس المهمة , بل ورهينتها الفعلية منذ أن كان خدام نائباً لرئيس الجمهورية. وكان خدام أحد عرابي العلاقة الراهنة بين إيران وسوريا. إلا أن الفارق هو أن حافظ الأسد حافظ على توازن نسبي بين دور إيران ودور السعودية في سوريا وفي العالم العربي , في حين لم يستطع هذا النظام ذلك. وكلنا يعرف أيضاً بأن خدام كان مسئولاً عن ملف العراق حتى قبل سقوط نظام صدام حسين وبقى فيه حتى بعد سقوطه, وبالتالي فهو أحد المسئولين عن العواقب التي يمكن أن تترتب على السياسة الراهنة التي تمارسها سوريا في العراق وفي لبنان والمنطقة بشكل عام.
أستطيع القول بان كل إنسان يمكن أن يتغير بالاتجاه الصحيح , كما يمكن العكس. ولكن من يريد أن يمارس الديمقراطية والحرية عليه أولاً وقبل كل شيء أن يعتذر للشعب السوري عما مارسه قبل ذاك وما اشترك به في سني حكم الطغمة الحاكمة السورية طيلة عدة عقود وكان جزءاً منها. عليه أن يقول الحقيقة كلها , إذ في ذلك تبرز مصداقيته لأنه كان 35 عاماً وزيراً للخارجية , وكان على مدى 20 عاماً نائباً لرئيس الجمهورية , كما كان على مدى 35 عاماً تقريباً أحد أبرز قادة حزب البعث الحاكم وعضواً في الأمانة القطرية والقومية. ليعتذر علناً ويكشف عن ممارسات النظام البعثي في سوريا طيلة العقود المنصرمة , عند ذاك يمكن تصديق تحوله صوب الديمقراطية!
20/8/2007 كاظم حبيب