الرئيسية » شخصيات كوردية » في الذكرى السنوية السابعة والثمانين لوفاة الثائر إبراهيم خان الدلوي

في الذكرى السنوية السابعة والثمانين لوفاة الثائر إبراهيم خان الدلوي


لقاء : يوسف قره داغي . أربيل

كرميان ، وما أدراك ما كرميان ، تلك البقعة الصامدة والثائرة في جنوب كوردستان ، كانت ولا زالت موطنا للثورات والوثبات والإنتفاضات ضد المحتلين والطغاة ، حطب دائم في عين مواقد الثورات الكوردية المتتالية ، هنالك في تلك الأرض المعطاء وقبل سبعة و وثمانين عاما مضت كان ثم ثائر يحلم بكردستان خالية من الطغاة وشعب حر يرسم مستقبله بنفسه ، ورغم ندرة وسائل الأتصال والمواصلات ، كان الرجل حريصا بالاتصال برؤوساء الكورد القريبين من منطقته والبعيدين ، منهم الشيخ محمود الحفيد والشيخ عبدالسلام البارزاني والشيخ أحمد البارزاني وسمكو الشكاك وآخرين رحمهم الله جميعا ما أسدوه من مساع للكورد وكوردستان ، فسعاته ورسله كانوا على أهبة الأستعداد للسفر ركوبا أو راجلين الى ألسليمانية وبارزان وأي أقليم آخر من أقاليم كوردستان ، هذا ما تؤيده الوثائق التاريخية القليلة وتؤكده حفيده السيد أسماعيل خان الدلو ي والذي قابلناه بعقر داره بمركز مدينة أربيل وكان لنا إياه حديثا مهما عن حياة جده إبراهيم خان الدلو والحكومة الكوردية المحلية التي شكلها أثر نجاح ثورته وإخراج المحتلين في منطقة كرميان ومركزها مدينة كفري التي لازالت ملفوفا بلفاف الأهمال وعدم الأكتراث بتنميتها رغم مرور سنين طوال على الأنعتاق بعد أنتفاضة آذار المجيدة عام 1991 .
سؤالنا الأول الذي طرحناه على العم أسماعيل خان وبحضور نجليه الأستاذ حسين خان والمقدم سواره خان واللذين شاركا والدهما على إضاءة بعض نقاط الحوار هو :
_ مالذي يمكن تمييزه في ثورة الخان التي كانت متزامنه مع حركات ثورية أخرى في كوردستان والعراق عام 1920 ؟
النقطة الجوهرية التي يمكن تمييزها عن باقي الحركات هي أن حركة إبراهيم خان كانت متناسقة وذات تخطيط مسبق وأهداف سياسية واضحة من أهمها ماتمخض من الثورة بعد تحرير مدينة كفري وقتل الكابتن سلمون الحاكم السياسي في مدينة كفري وما يجاورها من نواح وقرى ومناطق ، حيث تم تشكيل حكومة من قادة التشكيلات العسكرية ووجوه مدينة كفري بعد أستشارة الكثير من الشخصيات المتنفذة في المنطقة آنئذ ، وبالطبع كانت النية متجهة الى توسيع قاعدة الثورة جنوبا الى خانقين ومندلي وغربا الى منطقة الداوودة وعاصمتها مدينة طوز خورماتو التي كانت آحدى نواحي قضاء كفري منذ القدم وشرقا الى منطقة شيروانة وكلار وقد قام بإرسال مندوبيه الى كل تلك المناطق فتمخضت عنها إتفاقات بالأحرف الأولى مع رؤوساء الدلو في خانقين ورؤوساء الداوودة في طوز وقد كانتا محررتين مثلهما مثل مدينة كفري وكذلك كان هنالك تنسيق متكامل مع رؤوساء الجاف الذين كانوا متمركزين في قرية كلار التابعة الى ناحية شيروانة من أعمال كفري أيضا .
س / ماذا في ذاكرتك عن الخان الكبير بعد مرور ستة وثمانين عاما على إندلاع ثورتة وتشكيل حكومة وسبعة وثمانين عاما على وفاته ؟
ج / في ذاكرتي الكثير والكثير مما سمعته من الوالد عزيز خان وعمي شرف خان رحمهما الله حيث زامل الأول الثورة مقاتلا والثاني صبيا في الثانية عشر من عمره وقد توفى عمي في نهاية القرن المنصرم وكان بحق سجل حافل لم يبادر الى نزع تلك المعلومات المهمة الا القليل من الباحثين حيث أنتزعوا النزر اليسير من تلك المعلومات ومنهم الوزير العراقي الأسبق الدكتور مكرم الطالباني الذي وضع كتيبا باللغة العربية تحت عنوان ( إبراهيم خان ثائر من كوردستان ) والعلامة المرحوم مصطفى نريمان الذي ألف كتابا عن الثورة باللغة الكوردية تحت أسم ( ثورة إبراهيم خان الدلوي ) قام الشيخ محمد شاكلي وزير الأوقاف في حكومة أقليم كوردستان بإعادة طبعه مؤخرا ، وقد ألتقاه الكثير من الكتاب والصحفيين منتزعين منه الكثير من المعلومات المهمة . وما أريد قوله بهذا الصدد هو عتاب أخوي صادق موجه الى وسائل الأعلام الكوردية من فضائيات ومحطات تلفزة وإذاعات وصحافة مكتوبة في عهد حكومة أقليم كوردستان ، ؛يث أن أغلبها لم تعر الأهتمام الذي تستحقه حكومة أبراهيم الكوردية في كرميان وقد سبقت تشكيلها تشكيل جمهورية كوردستان وعاصمتها مهاباد بست وعشرين عاما وهي حلقة مهمة من حلقات تاريخ كوردستان ، غير أني أوجه الشكر والتقدير الى وزارة التربية في حكومة كوردستان التي وضعت ثورة الخان ضمن المنهج الدراسي لمختلف المراحل الدراسية وتلك بادرة وحس علمي ووطني في نفس الوقت .
س / طيب أنتم تتحدثون عن حكومة أبراهيم خان ، في حين إننا نسمع دائما عن ثورة باسم إبراهيم خان ، أليس هذا إدعائا جديدا ؟
ج / لا ليس بشئ جديد فهاك كتاب العلامة مصطفة نريمان وأطلع على ما مدون هنا بنفسك ( ناولني نسخة من الكتاب ووجدت فيه شرحا مسهبا عن الحكومة وأركانها ومسؤوليها ، فتدخل السيد أسماعيل خان وقال أن الحكومة التي شكلها الخان دامت لمدة ثلاثة أشهر ونيف لحين الهجوم المقابل التي بدأه الأنكليز .
وقد سبق الهجوم أياما من المفاوضات لم تتمخض منها أية نتائج إيجابية نظرا للبون الشاسع من الأختلافات بين مفاوض الأنكليزوممثلهم مراد مبارك مصطفى مدير شرطة كركوك وممثل الحكومة الكوردية النائب المعروف فيما بعد المرحوم محمد سعيد الونداوي .
س / أندلعت ثورة إبراهيم خان في وقت عصيب مر على الناس في تلك المنطقة حيث لم تمر الا سنتان على أنتهاء الحرب العالمية الأولى حيث أن المجاعة كانت متفشية في عموم المنطقة ، فكيف توفقت الحكومة المحلية بامكانياتها المحدودة جدا من تلبية متطلبات الناس من هذه الناحية ؟
ج / صحيح ما تقوله / ولكن الحكومة أستعارت من سياسة الأنكليز خطتها وسلوكها مع الناس عند بداية دخولها الى المناطق التي كان الجيش العثماني يسيطر عليها فكانت توزع ما موجود من مؤن في مخازن العثمانيين على الناس ، فقامت الحكومة المحلية في كفري بنفس الشئ ، حيث فتحت أبواب مخازن الجيش الأنكليزي وشكلت لجنة من إداريي الثورة ومنهم أوسطة محاو الذي كان سكرتيرا إداريا لإبراهيم خان ووزعت كل ما مخزون من تمور وحبوب ودقيق ومعلبات على الناس حسب أعداد المنتسبين على العائلة الواحدة بعد أعطاء حصصهم الى مختاري المحلات والقرى والنواحي ، وهكذا قضوا على إحتياجات الناس من جهة ومن جهة أخرى وثقوا صلة الناس بحكومتهم التي تفكر بتحسين أحوالهم المعيشية ، وما تتداوله الألسنة بهذا الصدد هو أن الخان أمر بأزالة الفوارق الطبقية بين الناس على تكون حصة الفقير مثل حصة الغني والمتمكن وتفهم الناس هذا الأمر بروح رياضية وخصوصا الأقطاعيين والملاكين واشراف المدينة ووجوهها غير أن قسم آخر منهم تذمروا من هذا السلوك فطفقوا يعملون ضد الثورة الى حد الأتصال بالانكليز والدخول معهم كقوات مرتزقة لضرب الحكومة والثورة مثلما هو مدون في سجلات الأنكليز ووثائقهم بالاضافة الى مسايري ومجايلي الثورة ومزاملي ثوارهم .
ألا تعطينا خارطة لكبار مسؤولي تلك الحكومة ؟

ج / تشكلت الحكومة برئاسة إبراهيم خان باجماع الآراء وكان ويسي بيك أحد أهم رؤوساء الدلو ساعدا أيمنا له أي ما يقابله رئيس الحكومة في تسمية هذا الزمن ، ووزراء الحكومة كانوا كل من أكبر خان وحاجي محمد بيرويس ترخاني وحميد كهريزي ( أستشهد فيما بعد عند الأشتباك الأخير بين قوات المحتل وقوات الحكومة ) وحاجي طه روغزائي وكاكه مند أمين درويش وأسطه محاو المار ذكره أعلاه .
ما يمكن ذكره بهذا الصدد أن الحكومة ورغم قصر مدتها كانت تتطلع الى فكرة تنظيم الزراعة وفق التعاونيات الموجوة الآن في بعض الدول ولكن قصر المدة حال دون وصول الفكرة الى حيز التنفيذ ومع ذلك أدت الى تذمر البعض من الأقطاع والرؤوساء غير المشاركين في الثورة أساسا الى التعاون مع الأنكليز ولذلك لم يجد المراقب غرابة في وجود عدد كبير من المرتزقة مع القوات الغازية المغيرة على موطن الثورة والحكومة في كفري ومن ضمنهم الشيخ حميد الطالباني الذي بقى حليفا دائما مع الأنكليز الى نهاية المطاف وهذا هو عقدة التاريخ الكوردي الذي لا يخلوا من ألتفات البعض منهم ضد البعض الآخر وفي التاريخ القريب أمثلة كثيرة يتقزز المرء حتى المرور بها وذكر أمثلتها .
ها أنذا أقرأ في كتاب ( ثورة إبراهيم خان ) للأستاذ مصطفى نريمان بأن الأنكليز حاولوا الوصول الى تسوية معينة مع الخان قبل حل المسألة عسكريا ، ماذا عن ذلك ؟
ج / نعم ، الأنكليز فوضوا المرحوم مراد مبارك مصطفى وهو رئيس عشيرة الكيز ( بتثليث الزاء ) ومدير شرطة كركوك والذي يمر ذكره كثيرا في معارك دربندي بازيان حينما هاجم المحتل الأنكليزي حكومة الشيخ محمود الحفيد ، بينما فوض إبراهيم خان الوجه المعروف في كفري محمد سعيد الونداوي وبعد عدة جلسات بين الطرفين لم يتوصلا الى نتائج إيجابية نظرا لسعة شق الأختلاف بين الطرفين ومن أهمها طلب محمد سعيد بالإفراج عن الشيخ محمود الواقع في أسر الأنكليز الذي كان معتقلا في جزيرة هنجام مع نخبة من الكورد المشاركين في حكومة الشيخ في السليمانية وكما طالب ممثل الخان بأعطاء المنطقة نوعا من الأستقلال الذاتي وعدم ربطها بالعاصمة بغداد عند بدء التشكيلات الحكومية على أن تكون الدراسة باللغة الكوردية وكذلك المخاطبات الرسمية بين الحكومة المركزية وحكومة الأقليم ، بينما عرض ممثل الأنكليز على الخان أن يمنح منصب قائمقام قضاء كفري ويكون شأن القضاء شأن بقية الأقضية الأخرى ، هذ الأختلافات في وجهات النظر وأختلافات أساسية أخرى حالت الى وصول المفاوضات الى طريق مسدود مما شن الأنكليز على أثره هجوما من محاور ثلاث واستشهد أحد أهم أركان حرب الحكومة الكوردية حميد كهريزي مما تدنت معنويات فرقته وأندحرت متراجعا الى الخلف مما وجدت القوات الغازية منفذا مهما فعقبت فلول تلك الفرقة المندحرة الى وصلت الى المدينة .
وماذا بعد ؟
بقى الخان في المدينة رافضا العرض الأخير للأنكليز الذي عرض راتبا شهريا قدره 50 ألف روبية فقام بتصفية جماعته وأركانه وبقى أخيرا وحيدا مع نفرا من أتباعه فترك المدينة متجها صوب قريته ( هه يده ره كه ل ) فمكث فيها برهة من الزمن ليتركها الى قرية ( زه رده ) وهناك أستعد للمقاومة ، ولكن الأنكليز أستعدوا لمتابعته وإلقاء القبض عليه فعلم كريم بيك الجاف أمير عشائر الجاف بالأمر فأوفد مندوب اسمه ( علي جكه ره ) الى الخان وأطلعه على خطة الأنكليز ، مما أضطر الى ترك المنطقة والتوجه صوب جنوب غرب كفري ، الى منطقة الداوودة حيث كانوا يعانون ما كان الخان يعانيه فترك المنطقة متوجها الى منطقة البيات حيث كان للخان علاقات قديمة مع رؤوسائه فقاموا بإخفائه في قرية ( عمره مندان ) وهناك تعرض الى مرض عضال لم يمهده كثيرا فتوفى على أثره ودفن هناك ولا زال مدفنه في تلك القرية يتبرك به اهل تلك المنطقة وقد فكرنا نحن في حينه نقل رفاته الى قرية أبراهيم خان غير أن رؤوساء البيات لم يوافقوا على ذلك وقالوا إننا نعتز بهذا القبر كثيرا وفي حينه عرض الأنكليز مبلغا كبيرا من المال لقاء تسليمه حيا أو ميتا فرفضنا كل تلك الإغرائات فكيف بنا نسلمه بعد مرور كل تلك السنين على وفاته .
وأخيرا .؟
ج / أخيرا أناشد السيد الرئيس مسعود بارزاني أن يتفضل بالمبادرة على نقل رفاته الى موطن الثورة ( جبل باباشاسوار في كفري ) أو يأمر بإقامة نصب تذكاري له في قرية ( عمره مندان ) القريبة من حدود كوردستان التأريخية ( سلسلة جبال حمرين ) .