الرئيسية » مقالات » آفتا الجهل والتعصب مقص الرقيب على النسيج العراقي الجميل

آفتا الجهل والتعصب مقص الرقيب على النسيج العراقي الجميل

خلال فترة طويلة من ظلام دامس كئيب وظلم دموي مريع إتشحت بهما سماء وادي الرافدين التي تحولت أمطارها إلى دموع إصطبغت باللون الأحمر حتى جفت مآقيها وبقي اللون الأحمر وحده يجري في الجداول والأنهار والأهوار ، فلم نجد النطاسي البارع الذي يهرع من تلقاء نفسه لرتق هذا الجرح العميق وإيقاف النزف المستمر لحين إشراقة صبيحة يوم التاسع من نيسان عام ألفين وثلاثة ميلادية ، هذا اليوم الذي دخل التاريخ من أوسع أبوابه لتطهير التربة العراقية وأمواهها من السموم
والأشنات وتجتث مختلف الأشواك والطحالب والنباتات الغريبة الضارة من الجذور إذ كانت تأتي على الزرع والضرع والحرث والنسل فتسمم التربة والماء والهواء والأحياء دون أن يثنيها رادع من قوة أو وازع من ضمير. هذا اليوم الذي يفرض على كل مواطن أصيل بمعدنه مخلص لوطنه غيور على أهله آن يخط هذا اليوم في ذاكرته بمداد من نور ويحكيه لأولاده وأحفاده ليحتفلوا به جيلآ بعد جيل، فيحولون الآهات والزفرات الحرى التي كانت تحرق بأوارها الهواء المتصاعد الى السماء ، لتشكو ظلم الإنسان لأخيه الإنسان ، إلى شهقات الغبطة والفرح بعهد جديد لا قبل لهم به منذ أمد بعيد، ويحولون الأنات الى أغنيات حب للشعب والوطن ، والأنين الى حنين عارم يفرش الدرب بالزهور والرياحين لعودة المغتربين الفارين من جحيم الظلم والطغيان الى أحضان الأم الرؤوم، ويحولون نواح الثكالى وأنين المفجوعين بمن فقدوه من أحبة وأعزة وغالين ، الى زغاريد تنبع من صدور العذارى وأغاريد تهزج من حناجر الأطفال وأناشيد تغمر الآفاق لغد مشرق زاهر سعيد … بيد أن هاته اللوحات الإنسانية الخالدة التي ترسم مشاهد الحب والحرية والسعادة في سماء بلادنا لم ترق لفئة باغية ضالة ظالمة كانت حتى يوم أمس تظن بأن نعم الملك والتملك والإستحواذ على خيرات الوطن والهيمنة على مقدرات الرعية ، قدر خالد مسجل باسمها الى الأبد في سجلات الملكية وغير قابل للنقل والتحويل ويحظر التعامل فيه إلا فيما بينها. فانطلقت هذه الفئة المارقة تحيك المؤامرات تلو المؤامرات مع أيتام العهد البائد وأمنه ومخابراته في الداخل و مع الإرهابي الأجنبي المرتزق الوافد من الخارج وتحولت الى حاضنة أمينة لهم تجهزهم بالمال والسلاح والمعلومات اللوجستية للقضاء على أهلهم وإخوتهم من المواطنين العراقيين لمجرد أنهم يختلفون عنهم عرقآ أو طائفة أو عقيدة ناسين أو متناسين بأن العراق كان ومازال منذ آلاف السنين مهدآ لحضارات عديدة متنوعة خلفت هذا المزيج الزاهي من ألوان الطيف الشمسي وإن محو أحد ألوانه سيشوه لامحالة صورة العراق الجميلة البهية الراسخة في ذاكرة التاريخ والغافية فوق أحداق الأمم الأخرى من الجنس البشري فماهي أسباب هذه الظاهرة اللاوطنية واللإنسانية التي طفحت على السطح فجأة بعد سقوط نظام الساقط صدام حسين لدى البحث والتأمل في أسباب ودوافع هذه الظاهرة الطارئة الغريبة عن طبيعة شعبنا العراقي الأصيل بمبادئه وتقاليده العريقة التي تبلورت وصقلت عبر آلاف السنين لتجعل منه نموذجآ حيآ للتآلف والتضامن والتكافل بين جميع فئاته إذ يندر أن تجد بينه فئة منعزلة ومنفردة عن بقية الفئات والشرائح الإجتماعية الأخرى ، بل على العكس فقد كان من الأمور المألوفة أن نجد أمثلة جمة لعوائل كثيرة إندمجت مع بعضها البعض رغم إختلاف العقيدة الدينية أو القومية أو المذهبية وارتبطت مع بعضها بروابط زوجية ناجحة سعيذة وثقت من عرى المحبة والتوحد والإنسجام والإستقرار خلفت أجيالآ عديدة إمتزجت بالمجتمع العراقي كأحد أجمل مكوناته الطبيعية إذن ما هي الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة الهدامة لهذا الصرح المتين الذي أرسى أسسه الثابتة والراسخة في ضمير الأجيال المتعاقبة للعائلة العراقية الموحدة النخبة الخيرة من الآباء والأجداد ، فما الذي تغير إذن إن الذي تغير هو تسلط النظام السابق المقبور الذي فرض سياسته الشمولية على جميع مناحي الحياة الفكرية والثقافية والتربوية والسياسية والإجتماعية
والإقتصادية مطبقآ لمبدأ فرق تسد ، وعملية العصا والجزرة بعد أن وجد ضالته بين بعض شراذم الشقاة والخارجين على القانون من رفاقه وزمرته الإجرامية من الجهلة المتخلفين والساقطين إجتماعيآ واستخدمهم كأدواة إرهاب وإغتيالات ضد خصومه ومناوئيه الذين صمدوا بوجهه بادئ الأمر حتى تمكن منهم مستعينآ بفئة معينة قربها وآثرها على بقية فئات وشرائح الشعب مغريآ إياهم بالمناصب الرفيعة والحساسة والمؤثرة على مسيرة الدولة وزودهم بالمال والسلاح باسم الحزب الحاكم وتحت شعارات مزيفة ضحكآ على ذقون الجهلة والسذج والبسطاء من أبناء العشائر فضلآ عن بعض الدول العربية التي ساندته ووقفت وراءه تحت شعار أمة عربية واحدة ، ذات رسالة خالدة
وشعار وحدة ، حرية ، إشتراكية للإستهلاك المحلي في الوقت الذي ما كان ليؤمن بأي من هذه الشعارات التي إتخذها طعمآ لجذب وصيد أكبر عدد ممكن من الجهلة والمتعصبين والإنتهازيين الوصوليين والنفعيين فاستطاع خلال فترة وجيزة من جمع أعداد غفيرة من السوقة و الغوغاء ، وما أكثرهم ، مع الأسف جاهزين للنزول الى الشارع في أي وقت مجهزين بأسلحة ظاهرة وخفية وهم يهتفون بالروح بالدم نفديك يا صدام كما كنت أسمع من العديد من أعضاء حزبه ، سيء الصيت ، حزب البعث العربي الإشتراكي بأن ألد أعدائهم هم ش ، ش ، ك علمت فيما بعد أنه إشارة رمزية الى
شيعي ، شروكي ، كردي وما كانوا ليفقهوا بأنني أحمل في دمي جميع الجينات الوراثية للإنسان العراقي بما فيها ش ، ش ، ك تفاعلت وتوحدت وتأصلت في تركيبة واحدة ألا وهي الشخصية العراقية الطيبة ، متأصلة بالجذور الإنسانية الأزلية لجميع أنواع وألوان الجنس البشري كما خلقنا الله سبحانه وتعالى فجبلنا عليها و بدأنا بها ولسوف ننتهي إليها يومآ من الأيام لقد إستغل صدام الغرائز البهيمية الكامنة في النفس البشرية واستخدمها شر إستخدام كتربة خصبة لتحقيق مآربه الشخصية ونزعاته الإجرامية المتولدة مما كان يعاني منه من أمراض نفسية عدة كالنرجسية والسيكوباتية والشيزوفرينيا وربما السادية والماسوشية والله أعلم ، وذلك بتعمد زرع بذور الحقد و
البغضاء والكراهية والعداء في صفوف العائلة العراقية التي بقيت الى ما قبل إغتصابه للسلطة موحدة متضامنة ومتكافلة في السراء والضراء فاستجابت لهذه السياسة الشيطانية الماكرة طبقة الجهلة والمتعصبين والمتطرفين والعنصريين بعنف وتهور وإندفاع معتبرين أطياف المجتمع العراقي الأخرى لاسيما من غير أعضاء حزبهم الشمولي الشوفيني الدموي من قبيل الأعداء الذين تجب محاربتهم بلا هوادة ، ويعزون إليهم سبب عدم تحقيق أوهام وحدتهم العربية المزعومة تارة وإعاقة مسيرة حزبهم التوسعية العدوانية المسعورة تارة أخرى فكانت حصيلة هذه الأفكار المسمومة أن أغرقوا العراق بالدماء والدموع جراء العمليات الوحشية بالقتل والإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية سبقها وتخللها وأعقبها الكثير من جرائم لا حصر لها على مرأى ومسمع من عالم متفرج صامت وآخر مرتش لافط ، حتى طفح الكيل وأمسى يتحول الى خطر يحدق بمنطقة الشرق الأوسط الغنية بمصادر البترول المادة الأساسية التي تتهافت على تأمينها الدول الغربية والصناعية ، ولاحظوا أن صدام قد تجاوز الخط الأحمر وبدأ يأكل خبزة الراعي ، ولي نعمته ، فكان التحرك الأمريكي البريطاني الذي وضع حدآ لهذه المهزلة الكارثية التي وصمت جبين التاريخ والعالم لفترة تنوف على خمس وثلاثين سنة ، نمت وترعرعت وتفاقمت في حاضنة ملوثة تموج بأدران وآفات الجهل والتعصب والتطرف.