الرئيسية » الآداب » قراءة لنصوص اخرى من بلاد النرجس قراءة سيميائية للخطاب السردي في شعر د.عارف حيتو

قراءة لنصوص اخرى من بلاد النرجس قراءة سيميائية للخطاب السردي في شعر د.عارف حيتو

السيميائية هي دراسة العلامات كدوال حية متفاعلة داخل المجتمع، ويرى البنيويون أنَّ معنى النص متعدد بتعدد حالات التلقي، والنص عند كل قارئ له معنى مختلف.
تنامتْ أحاسيس الشاعر الدكتور عارف حيتو فصارت مظلة كبيرة تحلق في فضاءات الفكر والخيال، لتستظلَّ بها أفكار ورؤى وخيالات القارئ، وذلك لأنها تكيفت لتتناسب مع الحقائق الجميلة التي تسود عقل المجتمع الكوردي السائد، وتغوص في أعماق اللاوعي للفرد الكوردي البسيط، لتشكِّلْ نقطة ارتكاز ينطلق منها الشاعر حيتو ليعكس همَّهُ الإنساني وشوقه إلى القصيدة، متغلغلاً إلى تراب الوطن، متلَّفعاً بتراث الشعب الكوردي، ومتفاعلاً مع توجهاته، فجاءت مفردات القصيدة مؤثرةً لا متأثرة، ومجددة لا مقلدة، وبسيطة في كلماتها غير معقدة، وشكلت هيكليتها الخاصة وبيتها الذي يشع بمعانٍ كـ(الحزن والنشوة والفرح والصحوة)والتي لم تخرج عن إطار موضوعها الخاص…
ففي قصيدة الموعد1:
حزينٌ أنا
أنتِ النشوة
أحلمُ فيكِ
متى ستأتين؟
كلمات قليلة لأجمل الحقائق التي عكستها المتناقضات،كما في هيكلية المتناقضات الاتية:
حزن مقابل نشوة
أنا مقابل أنتِ
أحلمُ (أنا) مقابل فيكِ (أنتِ(
متى(استفهام عن ظرف الزمان يتضمَّنْ الانتظار المُتَمَّحور في ماضي الأنا) مقابل ستأتين(فعل يتضمَّنْ حضور الآخر في مستقبل الأنا(.
ومن خلال الوقوف على سيميائية الخطاب السردي في قصيدة (الموعد)، وسنقسم وظيفة الكلمة إلى ثلاثة أجناس، تفاعل وثمرة التفاعل وتذبذب بينهما، فالكون ثلاثة أنواع:
الأول:يعطيك دون أي فعلٍ منك كالشمس تعطيك الحرارة والنور، والهواء يعطيك الأكسجين والماء يعطيك الحياة.
الثاني:لا يعطيك دون أن تتفاعل معه، أي تفعل له فيفعل لك، كالأرض أنْ حرثتها وبذرتها بدراية أعطتك ثمارها.
الثالث:أن تتفاعل بدراية وعلم تخصصي مع النوع الأول، فتحصل على ثمار لم يحصل عليها غيرك، فأنت تستطيع أن تتفاعل مع الشمس لتعطيك الطاقة الشمسية، أو الأشعة فوق البنفسجية، أو أية أشعة أخرى، وكذلك مع الماء والهواء، وهو المطلوب والمقصود من التفاعل في تحليلنا لهذا الخطاب الشعري، فنحن إنْ تكلمنا عن الحزن كثمرة تفاعل الإنسان مع ظروفه، لا نقصد الحزن المرضي الذي يقعد الإنسان عن أي فعل، بل نقصد الحزن الذي يدفعنا إلى تصحيح الأخطاء، وإنْ تكلمنا عن النشوة، كثمرة، لم نقصد نشوة السكارى المتسكعين الذين يصيرون عالةً على الناس، بل نقصد نشوة من ينام ملء جفونه بعد أن أراح ضميره. وفي هذه القصيدة مقابلة لطيفة بين المفردات والمعاني، كما في قولهِ تعالى(وأنَّهُ هو أضحكَ وأبكى-43-وأنَّهُ هو أماتَ وأحيا-44-)النجم، قال الجاحظ(فوضع الضحك بحذاء الحياة ووضع البكاء بحذاء الموت، وأنَّهُ لا يضيف الله سبحانه إلى نفسهِ القبيح)3 وقال السكاكي(المقابلة بين شيئين متوافقين أو أكثر أو بين ضديهما)4
أضحكَ × أبكى أماتَ × أحيا
أضحكَ × أحيا أمات × أبكى
**************
وعند استعارة هذه المقابلة لقصيدة الشاعر حيتو:
حزين × يحلم أنا × فيكِ
أنتِ × متى(علامة استفهام) النشوة × ستأتي
****************
وعندما يقول حيتو (أنتِ النشوة) فمن الظلم تحجيم المعنى وقصره وحصره بالمخاطبة ذاتها، لأنَّه يقصد السبب، أي أنتِ السبب في شعوري بالنشوة، وهنا حذفٌ وتكثيف ومجاز سببي، والمجاز السببي نوعان، فإمّا إطلاق السبب ليراد بهِ المسبِّبْ، وهو كقول القائل(فلانٌ أكلَ دمَ أخيه)أي المقصود(أكلَ ديةَ ابنهِ المقتول)لأنَّ إراقة دم الابن سبب للدية التي استحقها الأبْ، والنوع الثاني إطلاق المُسَبٍّبْ ليراد بهِ السبب، كقول الرجل لزوجته(اعتدي) يريد بذلك طلاقها، فأطلق المسبب ليكونَ دالاً على السبب، ولأنَّ المشار إليها بالدال(أنتِ)هي سبب النشوة وقامتْ مقام النشوة فسميتْ بها، وهو كقولهِ تعالى(وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ)-49-غافر، (والخزنة-هم-الحفظة، وجهنم لا يضيع منها شيء فيحفظ، ولا يختار دخولها إنسان فيمنع، ولكن لما قامت الملائكة مقام الحافظ الخازن، سميَّتْ بهِ)وكذلك لمَّا كانت المخاطبة سبباً لنشوة الشاعر، سمّاها بها، فقال(أنتِ النشوة).
وكلمة(أنتِ) ربما تدلُّ على الحق أو الخير أو الجمال أو الحرية أو المساواة أو حقوق الشعب، وغيرها من المدلولات التي ينتظرها الشاعر بشوقٍ، يخالطهُ شيء من الحزن، واختيار الشاعر للفظة الحزن لم يأتِ اعتباطاً بل هو اختيار مناسب يتسمُّ بالحكمة، والحزن حالة يعيش بها القلب وينقبض عن التشتت في أودية الغفلة المميتة للقلب، وقيل أن القلب إذا لمْ يَكنْ به حزنٌ خَرِبْ، كما الدار إذا لم يكن فيها ساكنٌ تخرب، وجاء في التوراة(إذا أحبَّ الله عبداً جعل في قلبه نائحة(حزناً)وإذا أبغضهُ جعل في قلبهِ مزماراً)وإنما يحمد حزن الآخرة، أمّا الحزنُ على متاع الدنيا فغير محمود العواقب، ويورثُ الأمراض والآفات، والشاعر المبدع والأديب لا تحزنه همومه بقدر ما تحزنه هموم المجتمع الذي يعيش فيه، والإنسانية جمعاء، ويقال أنَّ على كلِّ شيء زكاة وزكاة القلب طول الحزن، وكان الإمام الحسن البصري لا يراهُ أحدٌ إلاّ ظنَّ أنَّهُ حديث عهدٍ بمصيبة، ويقال أنَّ أكثر ما يجدهُ المؤمن في صحيفته من الحسنات الهمُّ والحزن.
ولن نستطيع أن نتكلم بحرية عن عناية حيتو بالموسيقى الشعرية، لأنَّ النص مترجم عن لغةٍ أخرى، وغالباً عندما يترجم نص من لغة إلى لغة أخرى يفقد موسيقاه، بسبب تغيير اللفظة الأصلية التي اختارها الشاعر لتكونَ دالاً على المدلولات التي قصدها، وتتضاءل استفادة القارئ من الطاقات الصوتية الموسيقية الكامنة في الحروف مفردة، وفي الحروف والكلمات مركبة مع بعضها، ومن التناسق الصوتي العام في مقطعي القصيدة، يقل تدريجياً لكنه لا ينعدم، ويبقى منه شيءٌ في النغمة التصاعدية عند الجملتين الوسطيتين(أنتِ النشوة-أحلمُ فيكِ)والتنازلية في المطلع والنهاية(حزينٌ أنا-متى ستأتين)بحيث أصبحت هذه الموسيقية المتبقية بعد عملية الترجمة موظفة للتعبير عن الجو النفسي الذي يعيشه الشاعر، ونقلهُ إلى القارئ، ولولا أنَّ المترجم شاعرٌ أيضاً لانمحتْ الموسيقية بكليتها، فالشاعر حزينٌ ونشوان، لكنَّ الحزن والنشوة يتناقضان ولا يلتقيان في قلبٍ واحد، إذن فالمقصود هنا هو العكس لينطبق الحل على الوظيفة التي يريدها الشاعر من نصه، فالشاعر حزينٌ في صحوةٍ دائمة، ينتظر بشوقٍ لحظة نشوة، أي أنَّ اللفظة عند حيتو هنا أصبحت أداة تعبيرية، ودالة على مدلولات تناقضية انضافت إلى المقدرة اللغوية والتصويرية بما تحدثه من تفاعل مع خيال القارئ لتحدث بالتالي تغييراً في نفسيته، وهناك قصائد كثيرة إذا ما قمنا بترجمتها إلى لغات أخرى فلن نعود إلاّ بسواد الوجه، كما عبرَّ الدكتور علي الوردي عن قصائد البحتري فيما لو ترجمتْ إلى لغات أخرى غير العربية، وذلك بسبب اعتمادها الكلي على الوزن والقافية، والكلمات الصعبة والفذلكات اللغوية، كسؤال أبي فدعم النحوي غلامه(أ صقعت العتاريف؟)فأجابه (زقفيلم)وسنأخذ قصيدة بول فيرلين(1844-1869)وهي أغنية الخريف من ديوان فيرلين(أشعار زحلية):
عندما تدقُّ الساعة
أتذكر الأيام السالفة
وأبكي
وأمضي في ريحٍ سيئة
تحملني من هنا وهناك شبيهاً بالورقة الميتة5
هذه المشاعر والصورة الشعرية التي عبرَّ عنها فيرلين ليرسم من خلالها خارطة الإنسان ضمن إطار الأقدار التي لا دخل لهُ بها(كلحظة ميلاده وموته)ومن هنا إلى هناك فهي إنسانية تخصُّ الإنسان في أزمنته وأمكنتهِ كافة، أي الإنسان بحدِّ ذاته بغض النظر عن قوميته وجنسيته ولغته وموطنه، وهي مشاعر مشتركة للإنسانية جمعاء، كما في ألفاظ حيتو في ألفاظ قصيدته الدائرية المغلقة التي سماها بالموعد، ولو رسمنا دائرة وقسمناها قسمين ثم أربعة أقسام لوجدنا أنَّ
حزينٌ أنا نصف قطر الدائرة الأول أ
أنتِ النشوة أحلمُ فيكِ نصف قطر الدائرة الثاني ب
متى تأتين؟ وتناول الشاعر مفردتي الحلم والنشوة، كرمزين مهمين في الدلالة على تجارب معينة، كالطفولة والبراءة وعالم اللاوعي، والرمز هو عنصر أساسي في النمو العقلي(وقد تبينَّ بأنَّ لكل نصف من نصفي الدماغ وظيفة خاصة، فالأيمن هو النصف الذي يعنى بالصور الخيالية، والإشارات غير الكلامية، والنصف اليسر هو الذي يعنى بالصور الواقعية والإشارات الكلامية..في اليقظة يتوفر التنسيق والتكامل بين نصفي الدماغ، أما أثناء النوم الحالم فإنَّ النصف الأيمن يتحرر من سيطرة النصف الأيسر)6هذا بالنسبة للشخص الاعتيادي لكن الشاعر أيضاً لحظة كتابة الشعر يتحرر نصف دماغه الأيمن من سيطرة النصف الأيسر، ليتجول في عالم مليء بالرموز والخيالات قريبٌ من عالم الأحلام، والنشوة هي كأحلام اليقظة التي تتوارد في الذهن، وكالمونولوج الداخلي-الذكريات- وتدخل في هذا الباب، وتسبب نوعاً خفيفاً من اللاوعي والتحرر من قيود الذات المادية.
ويتألق الشاعر حيتو أيضاً في قصيدة دائرية أخرى (القصيدة ) ويرتفع بها إلى الآفاق التي يتطلع إليها المواطن الكردي البسيط في جباله الشماء التي يقاسمها عزة النفس والوفاء للتضحيات التي شهدها كلٌّ منهما، ونلاحظ في هذه القصيدة أنها تتكون من خمسة متناقضات وأربعة تكرارات:
****************
إذا لم تضح الآلاف
من النجوم نصف قطر الدائرة الأول أ
لن تشرق الشمس الذهبية

إذا لم تنبع الآلام من الأعماق نصف قطر الدائرة الثاني ب
لن ينكسر قيد القصيدة الثائرة
******************
أما المتقابلات فهيَ:
تضحي × تنبع
الآلاف × الآلام
من النجوم × من الأعماق
تشرق × ينكسر
الشمس الذهبية × قيد القصيدة الثائرة
وتكررت هذه الحروف(إذا – لم – مِنْ – لنْ) كمتتالية لتضيف على القصيدة نسقاً بالغ الأناقة:
إذا الشرطية =لم تضح =لم تنبع
لم أداة جزم =تضحي = تنبع
مِنْ حرف جر =النجوم (العلياء)=الأعماق(الأسفل(
لن أداة نصب =تشرق =ينكسر
وبعد معانقة البحث الدقيق في استجواب القصيدة والتحقيق مع كلماتها كلاًّ على حدة، أعدتها من ثمَّ إلى ذلك العقد الجميل الذي انتظمها وكما قال الشاعر امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي:
وعَانَقتُهَا حَتَّى تَقَطَّعَ عِقدُهَا وحَتَّى فَصُوصُ الطَّوقِ مِن جِيدِهَا انفَصَل
كأَنَّ فُصُوصَ الطَوقِ لَمَّا تَنَاثَرَت ضِيَاءُ مَصابِيح تَطَايَرنَ عَن شَعَل
وكل نص يخبئ في طياته قضية معينة انفعل بها الشاعر أو الكاتب أو المبدع فعبرَّ عنها بشكلٍ يتوافق مع غاياته ودلالاته، وحتى الشعراء الفوضويون أو العبثيون، فهم يؤمنون بقضيةٍ أيضاً، فكل كلمة هي دالة بذاتها نحو معنى يراد منها أنْ توصله مع المدلولات التي يراد من القارئ أن يستشفها إلى خلاصة الفكرة التي استند إليها الشاعر في نصه.
وبعد استخراج هذه المدلولات من مفردات الشاعر حيتو نريد أنْ نؤكد على أهمية الشعر والقصيدة في التأثير على العقل السائد في المجتمعات وإنْ كان هذا التأثير غير منظور أو غير ظاهر للعيان، وعلى أهميتهِ أيضاً في التعبير الصادق عن ضمير الشعب.
-1 حسن السليفاني-قصائد من بلاد النرجس-1999-مطبعة هوار-دهوك-ط1-.
-2 البراغماتية: فلسفة المنفعة، ويعرفها البعض بالدراية بما ينبغي عمله، وتطلق عادة على مسألة التصرف بالشكل الذي يحقق المنفعة بحسب مقتضى الحال، وهو ما يدعى باللغة الشعبية(مصلحجي) نسبة إلى الانتساب إلى المصلحة الشخصية فقط.
3 -عمرو بن بحر الجاحظ- البخلاء-مكتبة النهضة-بغداد-ص9.
-4 أبو يعقوب السكاكي-مفتاح العلوم-ط1-القاهرة-1937-ص200.
5 -عبدالرزاق الأصفر -المذاهب الأدبية لدى الغرب-منشورات اتحاد الكتاب العرب-دمشق-1999-ص93.
-6 د.علي كمال-أبواب العقل الموصدة-باب النوم وباب الأحلام-الدار العربية-بغداد-1990-ط2-ص591
التآخي