الرئيسية » مقالات » بيوت الصفيح للفقراء،والقصور الفخمة للزعماء

بيوت الصفيح للفقراء،والقصور الفخمة للزعماء

ظاهرة الفقر ليست وليدة العراق الجديد،فالفقر وجد بوجود البشرية،وما الأديان السماوية والنظريات الأرضية إلا وسائل للوصول لهدف واحد هو نشر التسامح والمساواة،وإشاعة الرفاهة،وبناء الحياة الحرة الكريمة،ورغم كثرة الأديان وتزاحمها،ووفرة النظريات وتصارعها، إلا أن الأمور ظلت على ما هي عليه،وأن تباينت في زمن عنه في آخر،وتفاوتت في مكان عنه في غيره،ولو تساءلنا لماذا لم تستطع الأديان السماوية والنظريات الأرضية تطبيق برامجها وتحقيق أهدافها على أرض الواقع، لوجدنا أن السبب كامن في القائمين بتطبيقها،ممن اتخذوها غاية في ذاتها لا وسيلة لتحقيق الأهداف والتطلعات.
والإسلام كدين ختم الأديان السماوية،وقطع الطريق على المدعين ممن يحاولون أدعاء النبوة،وابتداع الرسالة،جاء بآراء وأفكار ومبادئ لو قيض لجزء يسير منها أن يتحقق،لسار بالبشرية إلى أفاق واسعة من التقدم والازدهار،ولكن المشكلة فيمن تبوءا القيادة في السلطات الإسلامية المتعاقبة،فقد أنحرف هؤلاء عن الطريق المرسوم لهم،وحاول كل منهم تسييرها بما يخدم مصالحه ومصالح أتباعه،فاستحالت تلك النظريات إلى أراء مركونة على الرفوف العالية،ليس لها في مجال التطبيق إلا الاسم والديكور وما يتوافق ومزاج الحاكم ومصالحه،فسخرها بما يخدم توجهاته في الهيمنة والتسلط ،وما يخدم نوازعه في الأثرة والحكم،ومن هنا نشأت مفارقة عجيبة بين النظرية وتطبيقها،وأغرب ما في الأمر أن حراس النظرية والمدافعين عنها من رجال الدين،سلكوا طريق الملوك والأمراء والخلفاء،وحذوا حذوهم في بسط النفوذ،وأصبحوا أبواقا للحاكم،وأقلام مأجورة للخليفة،وموظفين صاغرين للوالي،وسخروا الدين لما يخدم رغبات الحاكم ونوازعه لقاء مكانة اجتماعية،أو مكافأة مالية،يقدمها هذا الحاكم أو ذاك،في ظل معاضدة له على التحكم برقاب العباد والبلاد،وهيمنة استبدادية تستند لأحكام وقوانين سنها فقهاء السلطة،تبيح للحاكم استعباد الشعوب والتحكم بمصائرها،لذلك كانت فتاوى رجال الدين لا تخرج عن أطار السلطة،وتمنح الحاكم شرعية مطلقة للتصرف بالأموال والأرواح،واستعباد الناس والتحكم بهم كأنهم خول وعبيد،فيما أجازت الكثير من الفتاوى لحكام السوء استباحة الأرواح والأموال والأعراض لمن يخرج عن سلطة الحاكم،ولو راجعنا تأريخنا الإسلامي لوجدنا الكثير من الصفحات السوداء التي يندى لها الجبين في الأثرة والتسلط والاستبداد والمذابح التي طالت طوائف من المسلمين لا ذنب لها إلا خروجها على متوافقات الحاكم وحاشيته من فقهاء السلطة.
وظل هذا التوافق ساريا بين الحاكم والفقيه،رغم التطورات والطفرات الهائلة التي وصل إليها العالم،وسيادة النظريات الجديدة في حقوق الإنسان ،وانتشار الأفكار الديمقراطية،وشيوع المفاهيم الشعبية في اختيار الحكام،والشراكة بين الحاكم والمحكوم،وتطور مفاهيم الحكم بما يحد من سلطة الحاكم،ويربطها بالموافقة الشعبية على توجهاته،والحد من سيطرته بما سن من قوانين لا يمكن خروجها على ما توافق عليه الشعب من دستور،يحدد العلاقة بينهما،ويعطي للفرد الحق في الاختيار وتشريع القانون الذي يكفل مصالح الأفراد والجماعات،ولكن النزعة الأستئثارية لا تزال سارية المفعول،فقد التف رجال الدين على هذه القوانين،بدخولهم طرفا في المعادلة السياسية،وأصبح الفقيه هو الحاكم والحكيم،وصار لهم نفوذهم في تمرير السياسات وفق أهوائهم،واستبدلوا مراكزهم وأخذوا الصدارة فأصبحوا هم قادة السلطة وقادة الدين،وبذلك أخذ الحكم صفته الدينية،بدلا من الصفة المدنية،وأصبح لزاما عليهم تطبيق النظرية الدينية في تأمين الحياة الحرة الكريمة للمواطنين.
وما يعنينا من هذه المقدمة هو الحالة المأساوية التي وصل إليها الفرد العراقي منذ العقد الأخير من القرن الماضي حتى يومنا هذا،فقد كان للنظام السابق سياساته المرفوضة والمدانة،وسلوكياته الهادفة لتدمير الشعب العراقي، فقد كان رأس النظام يشيد القصور الرئاسية التي تكفي كلفة الواحد منها لبناء الآف الوحدات السكنية،وتؤمن السكن المناسب لملايين الأشخاص، وكان لأتباعه قصورهم وامتداداتهم التي هيمنت على مفاصل الاقتصاد الوطني،ومشاريعهم التي أكتسحت الطبقات الوسطى في المجتمع،ولم يتسنى له التمتع بما شيد من قصور،فقد أنقضت عليه الجحافل الميمونة لتدك على رأسه ما شيد من قصور،واستولى عليها أولي الأمر ممن هيمنوا على مقدرات العراق الجديد واتخذوها مساكن ومقرات لهم ولأتباعهم،وكما كان أزلام النظام البائد ينعمون بمكارم سيدهم كان لأتباع النظام الجديد أن يحظوا بذات الامتيازات التي حظي بها شراذم الأمن الخاص والمخابرات العامة وفدائيي صدام ،وأبناء العوجة، لذلك كان فرح العراقيين عارما بسقوطه،فقد أستبشر الشعب خيرا بالتغيير الجديد،وتوقع من قادته الجدد قيادة المركب العراقي إلى أمام،وتحقيق الحياة الحرية الكريمة للحالمين بغد موعود بعد زوال النظام،ولكن حساب الحقل ليس كحساب البيدر،فقد غرقت البلاد في حمأة الفساد المالي والإداري،وجنحت السفينة إلى نفق مظلم لا يبدو في أخره بصيص من نور،فالإدارة التي هيمنت على مقدرات البلاد،وأمسكت بدفة السفينة حملت في داخلها بذور فشلها،بسبب التصورات المسبقة،والعقليات القديمة التي لم تستوعب الماضي،فحاولت الهيمنة والتسلط وبسط النفوذ وتهميش الآخر،وعدم الأيمان بالديمقراطية كسلوك في أدارة أمور البلاد،واتخذتها شعارات دياغوجية للاستهلاك اليومي،دون الأيمان كطريق للبناء الجديد،في ظل صراعات حادة للطوائف،التي حاول كل منها فرض تصوراته باستعمال القوة المفرطة،مما أغرق البلاد في موجة من الإرهاب والقتل والتهجير لم يشهد لها مثيلا في تأريخه الحديث والقديم،وما رافق ذلك من نمو تيارات طفيلية لا تملك سياسة واضحة،أو رؤيا صحيحة للواقع العراقي،وتسليم أدارة الوزارات لكفا آت متدنية لا تمتلك الخبرة أو الرؤيا السليمة،مما جعل الأمور تأخذ منحى آخر،واتجاهات لا تصب في المصلحة الوطنية العليا،وكان هم الإدارات المتعاقبة أحكام قبضتها،واحتكار السلطة وتهميش الآخر،ونهب المال العام،مما أدى إلى الفشل الذريع في تنفيذ البرامج الكفيلة بتقدم البلاد في مجالات الأعمار والبناء.
ففي مجال البناء والإسكان يحتاج العراق إلى ملايين الوحدات السكنية التي أخذت تتزايد باطراد بسبب التكاثر السكاني،والانشطار الأسري،في ظل عجز واضح عن أنشاء وحدات سكنية،بسبب الفساد المستشري وسوء التخطيط،فقد أعلنت الوزارات المتعاقبة المعنية بشؤون الإسكان والأعمار عن خطط طموحة في إنشاء هذه المجمعات،واقتطعت لها الأراضي اللازمة لإنشائها،وأعلنت عن مناقصات لانجازها،وأحيل قسم منها إلى شركات محلية وأجنبية،وبحجة تردي الوضع الأمني،تلكأت تلك الشركات،ولم تنفذ العقود المبرمة معها،وهذه الحجة القاصرة ليست السبب المباشر في الإخفاق في هذا المجال،فالمحافظات الوسطى والجنوبية تشهد وضعا أمنيا مستقرا لا يبرر التلكؤ في أنجاز هذه المشاريع،ولكن وربما أكون مخطئا هناك سياسات غير معلنة لأطراف في الحكومة تحاول من خلالها تعطيل الدور الحكومي في مجال الإسكان،لفسح المجال باستقدام استثمارات أجنبية تأخذ على عاتقها أنشاء هذه المجمعات،تكون لهذه الأطراف حصصها المعلومة فيها،وما يؤكد ذلك هو قانون الاستثمار الذي تسعى الحكومة لإقراره رغم ما فيه من ثغرات تضر بالاقتصاد العراقي،ومواد تبيح لتلك الشركات بسط نفوذها وهيمنتها على سلطة القرار،وفتح المجال لتلك الشركات في التحكم بمصائر المواطنين،وتكون اللاعب الأكبر في الاقتصاد الوطني.
ومن جانب آخر سعت الحكومة العراقية إلى إلغاء الدور الفاعل لمنشئات القطاع العام المنتجة للمواد الإنشائية،وأخذت بتجميد نشاطها وإرباك عملها،بما وضعت أمامها من حواجز في عدم توفير الكهرباء،وتحديد رواتب العمال بطريقة عشوائية،وما يلوح في الجو من نيات لخصخصتها وشرائها من قبل النافذين،وكان للقطاع العام أن يسد جزأ كبيرا من احتياجات البلاد،لولا السياسة المقصودة في تعطيلها،فمعامل الأسمنت والطابوق وغيرها من المنشئات الإنتاجية التي كانت لها سمعتها في عالم الصناعات الإنشائية،تحولت هذه الأيام إلى منشآت عاجزة عن تأمين رواتب موظفيها وعمالها،في الوقت الذي أغرقت الأسواق ببضائع متدنية من دول الجوار،كان لرجال الحكم الجديد ارتباطات بها،ويدور همس في الشارع العراقي أن معظم هذه الشركات تعود لرجال متنفذين،لهم القدرة والسطوة في تغيير معدلات الإنتاج الوطني والاستيراد والتصدير.
وبسبب التهجير ألقسري الجماعي من المناطق الساخنة إلى المناطق التي تشهد هدوء نسبي،ارتفعت الإيجارات وأسعار الدور والأراضي،فكان للأغنياء قدرتهم على تأجير أو شراء الدور والقصور،في الوقت الذي لا يستطيع الفقراء منهم تأمين غطاء يقيهم حرارة الصيف أو برد الشتاء،مما دفع الكثيرين لبناء بيوت الصفيح أو عيدان الأشجار أو سعف النخيل،أو تشييد الصرائف والأكواخ في الأراضي المملوكة للدولة،ورغم حالتهم المأساوية المزرية،فالحكومة زادت الطين بلة،فقامت بعمليات مكثفة لتهديم الأكواخ والصرائف والبيوت الطينية والصفيحية،بحجة ملكيتها للدولة،وهجرتهم من جديد كأنهم أغراب ليسوا من هذه البلاد،وعمدت محافظات أخرى إلى طرد اللاجئين إليها بحجة كونهم ليسوا من سكان المحافظة الأصليين ،وكأنهم من المهجرين القادمين من دارفور أو كوسوفو،وقررت هذه المحافظة القوية عدم السماح لأي عراقي بتملك أو تأجير دار في تلك المحافظة،لأنها تتمتع بامتيازات خاصة كعوجة القائد صدام،في الوقت الذي يتمتع رجال العهد الجديد بالقصور الفاخرة ،والفلل الواسعة،والشاليهات الممتدة على شواطئ دجلة والفرات،والعزب الريفية التي كان يملكها النبلاء الفرنسيين،وأصبح كل من يستطيع نهب المال العراقي قادرا على تملك الأراضي الواسعة التي تشيد عليها قصور على أحدث الخرائط العالمية،وأتساءل أين أعضاء مجلس النواب المنتخبين بالتزكيات الجديدة،والذين لن تؤهلهم كفا آتهم للفوز لولا الأوضاع الاستثنائية التي رافقت الانتخابات،لماذا لا يرفعون أصواتهم للمطالبة بإسعاف المنكوبين وإغاثة المشردين،وإسكان الفقراء الذين أوصلوهم بسذاجتهم إلى هذا الموقع، لماذا يطالب النائب العراقي بالامتيازات والمخصصات وأن تشيد له الدولة بيوت صيفية وشتوية وريفية وسماوية،ولا يطالب بإسكان هؤلاء المشردين،لقد فاجئني نائب عراقي في لقاء لقناة الحرة وهو يرجو من المحافظات استقبال أخوانهم المهجرين وتأمين السكن لهم وأعانتهم،ولا أدري لماذا لا يقوم هذا النائب المحترم وهو المستشار الكبير لرئيس الوزراء ،بإصدار قرار في أنصاف هؤلاء المظلومين،ومن هي الجهة القادرة على تنفيذ وإصدار القوانين غير رئاسة الوزراء،لقد انتفخت أوداجه وتحشرج صوته وهو يوجه نداءه الإنساني بإعانة هؤلاء متناسيا أنه السبب الأول بحرمانهم من حقوقهم الإنسانية لأن يده الطويلة تستطيع المصادقة على قرار بأنصاف هؤلاء.
ولنا أن نتساءل والعراق يعيش في ظل حكومة وطنية ديمقراطية،تظللها رايات الإسلام،ويقودها رجاله الأعلام،ممن لهم المقام السامي في المجتمع العراقي ولهم مكانتهم الدينية المقدسة،والمنزلة الاجتماعية المميزة،والإرث النضالي التليد في مقارعة الدكتاتورية الرعناء، كيف تصل الأمور إلى هذه الحالة المتردية،وأين تصوراتهم وبرامجهم ودراساتهم النظرية وأرثهم الديني في أيجاد العلاج الناجع لأدواء الشعب العراقي وحل مشكلة الإسكان في العراق،ألم يضع الإسلام حلوله لهذه المشكلة،وأوجد الأسس السليمة التي ترتكز على الفكر الإلهي في المساواة وبناء دولة العدل والإحسان،الم تكن لهم أسوة حسنة بالخلافة الراشدة التي عم فيها العدل كافة المسلمين،وكان الأمام علي وهو الخليفة الراشد وأمير المؤمنين يزرع النخل في أرضه ليعيش من كده وجهده،ويتصدق بحصته من بيت المال لفقراء المسلمين،ألا تستطيع المؤسسات الدينية أنشاء مشاريع للإسكان أسوة بالمؤسسات الخيرية في العالم الحر،أليس حري بنا نحن المسلمين أن نكون قدوة حسنة لغيرنا من الشعوب في إشاعة العدل والمساواة والمحبة والوئام،لماذا لا نقتدي بالحديث الشريف(ما بات أحدكم شبعان وجاره جائع ودخل الجنة)أليس في حكام العهد الجديد من الإسلاميين من يملك قصورا وشركات وعمارات ويسكن المنطقة الخضراء و يدري أن في المنطقة السوداء أناس تبيت على الطوى لا يملكون سقفا يقيهم حر الصيف وزمهرير الشتاء،لو طبقنا قانون من أين لك هذا،وأخذنا من المفسدين ما زاد عن حاجتهم لما بقي فقير في العراق،ولو عرفنا مصادر أموال من شيدوا العمارات الشاهقة واسترجعنا منهم ما نهبوا من أموال الشعب لما ظل بيت من طين،ولو تحرينا عن حسابات المفسدين منذ بدايات العهد الجمهوري الزاهر إلى يومنا الحاضر،لعجزت وزارة المالية عن إحصاء ما لديها من أموال،ولكن الشعارات البراقة والزيف والأدعاآت الباطلة والعهر العقائدي وراء كل المآسي التي يعيشها العراقيون،ولو طبقنا أقوال السلف الصالح لخرجنا من هذه المتاهات،فما رأيت قصر منيفا ألا والى جانبه حقا مضاع،وأن في أموال أغنيائكم ما يكفي فقرائكم،وغير ذلك من ألأحاديث الشريفة التي ينادي بها الجميع ولا يطبقها الجميع،ولا يسعني في الختام ألا توجيه نداء إلى الفقراء،فأقول يا فقراء العراق أتحدوا وثوروا على ظالميكم،أو كما قال الاشتراكي الأول أبي ذر الغفاري(عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يمتشق حسامه)وعسا أن يكون لسيوف الفقراء صليل على رقاب الأغنياء ،ومن ألله نستمد العون والسداد،واليه مرجع العباد،وله الأمر من قبل ومن بعد…؟