الرئيسية » مقالات » حل المليشيات…هو الحل ….!!!

حل المليشيات…هو الحل ….!!!

أصبحت مشكلة المليشيات في العراق،من أكثر المشاكل تعقيدا، وأبعدها عن الحل الجذري، بسبب تفاقم الوضع الأمني،وضعف القوى الأمنية في الحسم والمواجهة،لوجود تعقيدات كثيرة تؤثر على هذه القوات ،ولو حاولنا دراسة هذه المشكلة بطريقة موضوعية،بعيدة عن النمطية الترقيعية،التي تحاول التسلق على المشكلة،ومعالجتها شكليا،دون الولوج لداخلها،وحلها جذريا ،واستئصالها كما يستأصل المرض الخبيث،لوجدنا أن الخطأ الكبير الذي وقع فيه الأمريكان،كان عند تسلم بر يمر إدارة البلاد بعد سقوط النظام،بموجب الأمر الصادر من قوات التحالف،وتفويض مجلس الأمن الدولي،وتشكيل مجلس الحكم على أسس طائفية،بعيدة عن روح المواطنة، حتى وصلت الأمور إلى تصنيف القوى العلمانية،على ذات الأساس،واحتسابهم على طوائفهم رغم عدم وجود الحس الطائفي لدى هؤلاء،مما أدى إلى تعميق الطائفية وبنائها على أسس متينة لا يمكن معالجتها بالطرق العادية،ألا بأخر الدواء، وهو الكي.
أن استفحال الطائفية في العراق،وانتشارها بين الأوساط الشعبية،وعمليات التغذية والتصعيد التي تقوم بها بعض الجهات المستفيدة من إثارة الاحتقان الطائفي،أدى إلى تكوين جماعات مسلحة للأطراف المتصارعة،مما جعل الصراع ينحوا نحو العنف الدامي،إلى جانب التنافس السلمي للاستحواذ على السلطة،الذي أخذ مديات واسعة في فرض الرأي بقوة السلاح ،والاحتكام إلى القوة في قمع الآخر.
أن المليشيات أو الجماعات المسلحة في العراق ، ليست ظاهرة جديدة في الواقع السياسي،فأن لبعض المليشيات تأريخ نضالي في محاربة الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة ،التي تسلطت على الشعب العراقي،فالمقاومة الكردية المسلحة(البيش مرگه) التي ظهرت في كردستان العراق،منذ قيام الحكم الملكي حتى انهيار النظام البائد في 9/4/2003 ولا زالت تمارس مهامها النضالية،في حفظ الأمن والسلم في كردستان،وظهرت إلى جانبها فصائل قوات الأنصار ،التي ضمت في صفوفها الآف الشيوعيين والديمقراطيين من عرب وكورد وتركمان وكلدو آشوريين وصابئة وأيزيديين،وكانت رديفا فعالا للحركة الكردية في مقاومة الدكتاتورية،وكذلك الفصائل المقاتلة التي ظهرت في أهوار العراق بعد انقلاب شباط الأسود/1963 والحركات الأخرى في ريف الفرات الأوسط ،والقوات التي صارعت النظام بعد انتفاضة آذار الباسلة سنة/1991، وفي الثمانينيات شكل فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وأتخذ من إيران منطلقا لعملياته كرديف فعال للقوات الإيرانية في حربها مع العراق،وخاض غمار معارك طاحنة،وقدم الكثير من الشهداء،وهو ركن من أركان المعارضة العراقية، خارج العراق،شارك في الكثير من مؤتمراتها ونشاطاتها،إلى جانب القوى الأخرى لإسقاط النظام.
وبعد سقوط النظام،وانفلات الوضع الأمني،برزت إلى الوجود مليشيات مختلفة،لم تشارك في العملية السياسية،واختارت السلاح ليكون الفيصل في حسم الأمور لصالحها ،متذرعة بطرد الأمير كان،رغم أنها ساهمت بشكل أو آخر على أطالة أمد بقائهم،وكانت هذه الجماعات تتألف من أنماط شتى،جمعها هدف واحد هو إيقاف العملية السياسية في العراق وعدم بناءا لأسس الكفيلة بتطبيق الديمقراطية،وإفشال بناء العراق على أسس سليمة تجعله مثالا لشعوب المنطقة،لذلك نلاحظ أن هذه الجماعات،ضمت التكفيريين والصداميين،وأذناب النظام البائد من فدائيي صدام وحرسه الخاص ومخابراته وكبار المسؤولين الذين تضرروا من النظام الجديد،وآخرين من المرتزقة الذين يعملون للحصول على المال،إضافة لمن تضرروا من العمليات العسكرية لقوات التحالف،والذين فقدوا أبناءهم في هجماتها المتكررة على معاقل الإرهابيين،في محاولة استئصال الجماعات المسلحة التي أخذت من المدن العراقية دريئة لها في عملياتها ،أضف إلى ذلك عصابات الجريمة المنظمة التي استفادت من تردي الوضع الأمني فكونت عصابات القتل والاختطاف والسلب والسرقة،والعناصر التي قامت بنهب وسرقة مؤسسات الدولة والمعامل والمصانع ومعسكرات الجيش،والمجرمين الذين أفرج عنهم النظام السابق قبل تحرير العراق،وهم أكثر من (260) الف مجرم من أصحاب السوابق.
وكان للبطالة المتفاقمة أثرها في تنمية هذه الجماعات ،ومدها بالعناصر القادرة على استعمال السلاح ،بفضل النظام السابق الذي حول الشعب إلى عسكر مدرب على مختلف أنواع الأسلحة من خلال التجنيد الإجباري ،والاحتياط والجيش الشعبي ونواطير الشعب وجيش القدس، إلى غير ذلك من الأسماء والمسميات التي كان يطلقها على مليشياته النظامية التي احترفت القتل والجريمة،ومارست الكثير من الأعمال الانتقامية،بحق المعارضين عبر سنوات حكم البعث الدامية في العراق.
لقد تحولت أغلب هذه العناصر بقدرة قادر،إلى أتباع لهذه الجهة أو تلك،وخلعوا الملابس الصدامية الملطخة بدماء الأبرياء، وارتدوا ملابس العهد الجديد التي لا تتعدى أطالة اللحى وارتداء (المحابس) دليل الورع والتقوى،بصلافة وقحة ليس لها مثيل،فالمليشيات التي تعيث في الأرض فسادا،وتمارس عمليات القتل والسلب والاختطاف،لا تتعدى هذه الأنماط ،وكانت من صنائع العهد المقبور،ومن أتباعه الذين خاضوا الحرب القذرة ضد الجارة إيران،ونهبوا المدن والقرى الإيرانية،ومارسوا عمليات القتل والسرقة والاغتصاب،وهم ذات المقاتلين الأفذاذ الذين عاثوا في الكويت فسادا،ومارسوا الكثير من الأعمال التي يندى لها الجبين،ولا أجانب الحقيقة إذا قلت أن الكثير منهم قد شارك في قمع انتفاضة آذار الباسلة،عندما كانوا ضمن القوات التي هاجمت المدن العراقية في الشمال والجنوب،وسواء كان ذلك لتنفيذ الأوامر،أو خوفا من قمع السلطة،أم بقناعة،فهم على كل حال كانت لهم أدوارهم المهينة،وكانوا عونا للنظام،واليوم نزعوا الملابس العسكرية،وارتدوا الملابس السوداء(ويا للمفارقة فأنها ذات الملابس التي يرتديها فدائيو صدام)ومارسوا الأعمال المنافية للإنسانية والإسلام تحت واجهات تمترست بالإسلام زورا ونفاقا.وهي في حقيقتها من طلاب السلطة والجاه والهيمنة،وسرقة المال العام.
لقد تغلغلت هذه العناصر في الأجهزة الأمنية،تحت واجهات مختلفة، وأحزاب وافدة،لم يكن لها وجود على الساحة العراقية،فاستغلت هؤلاء لفرض هيمنتها وبسط سيطرتها،بسبب حاجتهم إلى العمل تحت أي واجهة كانت،وهو ما جبل عليه الكثيرون في مسايرة القوي،والانضواء تحت لواءه من أجل مصالحه،وتوفير حاجاته ومتطلباته الحياتية،وهؤلاء الذين ليس لهم لون أو طعم،يستطيعون التكيف مع الأحوال،فهم الراقصون لمن يطبل لهم،والباكون لمن ينعى إليهم،يتمسحون بأذيال من يعطيهم،ويولون وجوههم عمن يمنعهم العطاء،وهذا ديدن الكثيرون في كل زمان،وخصوصا في مجتمعاتنا التي يكثر فيها مثل هؤلاء النهازون للفرص،والمتسلقون على الأكتاف.
يضاف لهؤلاء فرق الحميات الخاصة، والشركات الأمنية ،التي تجوب الشوارع بسياراتها المضللة،غير المرقمة،وأسلحتها الحديثة،وتستطيع اختراق الحواجز والموانع،ولا يثنيها أحد عن ممارسة عملها في وضح النهار،وقوات حماية المنشآت التي تزيد على(150)الف منتسب جرى اختيارهم بمواصفات خاصة،ليصبحوا مليشيات تعمل لصالح هذه الجهة أو تلك،ولها أجندتها الخاصة في إثارة الاحتراب الطائفي،وهذه المليشيات الرسمية لا ترتبط بالوزارات الأمنية مباشرة،ولها استقلاليتها الكاملة،وقد ثبت تورطها في الكثير من عمليات القتل والخطف والتهجير،إضافة إلى تغلغل الآف العناصر من المليشيات الحزبية في وزارة الدفاع والداخلية ،ووجود الكثير من الضباط المرتبطين بالجماعات المسلحة،ولهم سلطة اتخاذ القرار مما أثر بشكل سلبي على سير عمل الأجهزة الأمنية، في مكافحة الجريمة المنظمة،وإيقاف العمليات الإرهابية،وتشير بعض التقارير أن منتسبي الوزارات الأمنية هم وراء عمليات القتل والخطف والتهجير،وقد أحال السيد وزير الداخلية جواد البولاني(1600)منتسب لوزارته إلى القضاء لهذه الأسباب،وطرد الكثير من القادة والضباط ممن ثبت تورطهم في عمليات القتل الطائفية،وقام بحل اللواء الثامن بكاملة لارتباطه بفرق الموت،وممارساته البعيدة عن المهنية،ولا يزال يعشعش في هذه الوزارات الكثير ممن يعملون لصالح جهات خارجية،أو مليشيات مسلحة،ويقدمون الدعم اللوجستي للقوى الإرهابية،إضافة لوجود الكثير من المرتبطين مباشرة بالمليشيات،ويستلمون أوامرهم من أسيادهم لا من قادتهم العسكريين،وقد ساهمت حكومة الجعفري بتسهيل زج هذه المليشيات داخل الأجهزة الأمنية،لحاجته لدعم نفوذ قادتها في توليه الوزارة للمرة الثانية،مما أدى إلى ضعف هذه الأجهزة ،وشل قدرتها في تأدية واجباتها وإحلال الأمن في البلاد،ويتحمل مسؤولية تردي الوضع الأمني وتنامي دور المليشيات وضعف أجهزة الدولة الأمنية،لاختيارها على أسس غير سليمة بعيدة عن المهنية والإخلاص للوطن،وتشكيل مافيات خطيرة في البلاد ،تقوم بتنفيذ عملياتها بالملابس الرسمية ،والعجلات الحكومية في وضح النهار،وأن الكثير من جثث المغدورين التي وجدت بدون رؤوس ،وعليها أثار التعذيب هي من أعمال هذه الفرق،المدعومة بسلطة الدولة.وتلوح في الأفق بوادر خطيرة،قد تؤدي إلى إشعال فتيل حرب طاحنة لا تبقي ولا تذر،لا يستطيع إطفاءها من ساهم بإشعالها،فأن بعض المليشيات قد تمردت على قادتها وأخذت تعمل لحسابها الخاص،بما توفر لها من أمكانان مادية وتدريبية عالية.
والآن ما هي السبل الكفيلة بحل المليشيات والخلاص منها كظاهرة مؤثرة على البناء الديمقراطي للعراق الحديث،وكيف يمكن للدولة حلها،وخلاص البلاد من هذا الإخطبوط ،الذي هيمن على كل شيء،وتأمين دمجهم في مؤسسات الدولة غير الأمنية،بتأهيلهم حسب كفاءتهم ،وإشراك غير الماهرين منهم،في دورات لأعدادهم في أعمال أخرى،في المجالات الخدمية والمدنية.
*ألزام كافة الكتل البرلمانية،والجهات غير المشاركة في الحكومة،بحل مليشياتها،وفي حالة استمرار البعض بالعمل سرا،يكون معرضا للمسائلة القانونية،والإحالة إلى القضاء بتهمة الإرهاب بغض النظر عن انتماءه الديني والقومي.
*اعتبار كل من يحمل السلاح،أو يحتفظ بسلاح غير مرخص،إرهابيا أو خارج على القانون،ويكون خاضعا لقانون العقوبات العراقي،بغض النظر عن انتماءه لهذه الطائفة أو تلك.
*يجب أن يتزامن حل المليشيات،ومحاربة الإرهاب في آن واحد،فالمجاميع المسلحة تنتشر في المدن والأحياء،بمختلف أنتماءتها وتوجهاتها،لذلك تشكل خطرا كبيرا،وتؤثر بشكل مباشر على سير الخطة الأمنية،وتؤدي إلى إفشالها،وقد أدى وجود هذه المجاميع إلى شل حركة قوات الأمن،وعدم قدرتها على بسط نفوذها في تلك المناطق.
*من الخطأ الكبير دمج هذه المليشيات والمجاميع المسلحة،في القوات المسلحة،أو القوى الأمنية،لأن ذلك سيؤدي إلى إعطاءها الشرعية في العمل تحت غطاء الدول،مما يجعل قادة القوات الأمنية غير قادرين على السيطرة عليهم،للتأثيرات القوية لكتلهم وطوائفهم ،المهيمنة على مراكز صنع القرار في الحكومة العراقية.
*ألزام الكتل البرلمانية،والطوائف،الراعية لهذه المليشيات،بعدم الاحتجاج عند قيام القوات الحكومية،بمهاجمة هذه المنطقة أو تلك،بحجة أنها شيعية أو سنية.
*يكون التجنيد على أسس وطنية بعيدة عن المناطقية والمحاصصة الطائفية،ويتم اختيار هذه القوات من المواطنين الذين لا يؤمنون بالطائفية،،وإعطاء صلاحيات للقادة العسكريين بإحالة ذوي التوجهات الطائفية إلى القضاء.
*اختيار القوى الأمنية على أسس بعيدة عن الطائفية،وتغليب مبدأ المواطنة،والابتعاد عن المحاصصة البغيضة التي استشرت وامتدت إلى كل شيء بما فيها الوظائف الدنيا.
* التدقيق الصارم في المعلومات الأمنية عن العاملين في تلك الأجهزة،وتشكيل لجان متخصصة لإفراز العناصر السيئة،والمزورين،والذين قاموا بممارسات خاطئة،وتسريحهم واستبدالهم بعناصر كفوءة،تستطيع أداء عملها بما ينسجم والتطور الذي عليه العالم ،باستعمال البرمجة في مصادر المعلومات،وعدم قبول غير المتعلمين في هذه الأجهزة.
*أبعاد الواجهات الدينية التي ثبت تورطها،ووقوفها خلف المليشيات،وتطبيق القانون عليها،وسحب الحصانة الممنوحة لها،لأن ما يجري في العراق هو صراع مذهبي،وعلى الحكومة إلغاء الدور القيادي للمؤسسات الدينية التي كانت السبب في تعميق الطائفية،وبث الفرقة،والفصل الكامل للدين عن الدولة،وإلزام القيادات الدينية،وأئمة الجوامع ،بعدم التشجيع على العنف،وإثارة النعرات،وعليها القيام بواجبها الإرشادي،وعدم التدخل في سياسة الدولة تحت أي صفة كانت،حيث لوحظ أن أكثر المسؤولين يلتزمون بتوجيهات هذه الجهات ،ويستمدون شرعيتهم منها،رغم أنهم المنتخبون من الشعب،بانتخابات شرعية،وهؤلاء غير منتخبين وليست لهم أي صفة قانونية،رغم احترامنا لموقعهم الديني والاجتماعي،وبالأمكان أن يكونوا رديفا للدولة في التهدئة والتوجيه،لا المهيمنين على صناعة القرار.
ولابد من التأكيد هنا ،على أن التشكيلة الحكومية الحالية غير قادرة على اتخاذ الحلول الصعبة،ولا تستطيع حل المليشيات،وإنهاء وجودها ،لأن السيد رئيس الوزراء مهما حسنت نيته،وصحت توجهاته،على حلها فسوف يصطدم بعراقيل ومعارضات كبيرة،قد تؤدي إلى تنحيته عن منصبه، فالأحزاب المهيمنة على الائتلاف تستطيع الإطاحة به في أي وقت تشاء،حيث وقع على استقالة بيضاء تتيح لهم تقديمها في الوقت المناسب،مما يشكل عامل ضغط على توجهاته،ولأن أحزاب الدعوة في الائتلاف ،لا تشكل ثقلا مؤثرا في اتخاذ القرار.مما يجعله رهين الأرادات الأخرى،التي لها مصلحة .