الرئيسية » مقالات » رفاق في الذاكرة(5) عزيز حمزة الأحمد(أبو منذر)

رفاق في الذاكرة(5) عزيز حمزة الأحمد(أبو منذر)

ما أعزه من عزيز،كان أثيرا بين لداته وأصدقائه،حبيبا إليهم،لصيقا بهم،عرف بالسخرية اللاذعة،والنظرة المتفائلة،والجرأة والاندفاع إلى حد التهور،ومواجهة المواقف العصيبة،وما أكثر الذكريات التي تندفع في مخيلتي عندما يمر في خاطري،أو يذكر أسمه في حديث.
ولد الشهيد عام 1940 في أسرة متوسطة الحال،لأب مزواج،كانت أمه الأثيرة لديه،فكانت عنايته منصبة لتعليم أبناءه،والاهتمام بهم ليكونوا شيئا في المستقبل،فكان أن تقدموا في دراستهم،فأصبح عزيز معلما في المدارس الابتدائية،بعد تخرجه من دار المعلمين،وشقيقه كوكب حمزة الذي أصبح معلما من معالم الفن العراقي،ومن كبار الملحنين،وفي دار المعلمين التي كانت مرتعا لقوى اليسار،وأرضا خصبة لنشر المبادئ الشيوعية،تشرب عزيز بهذه المبادئ وآمن بها،فكان من طلائع الناشطين بعد ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة،وضمن القيادة الأولى التي تولت مسؤولية المنظمة في القاسم،وكان لها شرف الدفاع عن الثورة،ومحاربة القوى الرجعية التي حاولت الانقضاض عليها وإفشالها،وكان لعلاقاته المتميزة مع أقرانه،واهتماماته الرياضية التي جعلته في قلب الوسط الشبابي،وروحه الشبابية المفعمة بحب الخير والجمال،أن تفعل فعلها وتظهر تأثيرها،فأصبح للحزب امتداده في أوساط الطلبة والشباب،فكانت الجماهيرية الواسعة التي استقطبت شرائح المجتمع المختلفة،من عمال وفلاحين وكسبة وطلبة وشباب،فامتدت تنظيمات الحزب وتشعبت،مما جعل السيطرة عليها وتنظيمها من المهام العسيرة على القيادة التي لم تكن متمرسة في العمل العلني،وقلة الكفاآت القيادية التي تستطيع استيعاب المد الهائل للمنتمين الجدد،أو السيطرة على مسار المنظمات الجماهيرية،فكان أن حدثت أخطاء هنا وهناك بسبب تصرفات فردية،لم يكن لقيادة الحزب رأي فيها،وهي تصرفات فردية آنية،تحمل الحزب نتائجها.
في مثل هذه الأجواء العاصفة،كان أبو منذر رأس الرمح في المسيرات والمظاهرات،يعينه في ذلك والده الكهل الوقور المعروف بشجاعته وقوته البدنية الهائلة،وأقدامه إلى حد التهور،فكان رغم كبره يلوح ب “قامته” المتوهجة مع نور الشمس،في أوساط الجماهير فيزيدها حماسا واندفاعا،وله مواقف لا تزال ذكراها عطرة في نفوس من عاشها،ودفاعه المستميت عن المبادئ التي آمن أبنائه بها،وكان لمكانته الاجتماعية في المدينة آثارها التي عادت بالنفع على الحزب،في مسيرته الطويلة.
وأن أنس فلا أنسى ذلك اليوم الذي انطلقت فيه المظاهرة الكبرى،في أوج العنفوان الثوري والمد الجماهيري للحزب،فكان عزيز علما تشرئب له الأعناق،وترنو له النواظر، عندما قاد مع رفاقه تلك المظاهرة الكبرى التي أرعبت الإقطاع وفلوله المنهارة،وشراذم الرجعية التي حاولت استعادة مجدها الغابر ولملمة صفوفها واستعادة قدراتها على المناورة والتآمر على الجمهورية الفتية،فكانت المعركة عندما حاول نفر من أزلام الإقطاع،أقامة تجمع فلاحي،بمواجهة الجمعيات الفلاحية التي يشرف عليها الحزب،بعد أن فشلوا في تحقيق مكان لهم في الانتخابات الشرعية،فكان أن تعرضوا للمظاهرة التي خرجت لمساندة الجمهورية،واعتدى أحدهم على المرحوم عباس كبة فشج رأسه،وأسال دمه،فكانت الصرخة المعروفة في الأوساط الجماهيرية(حيهم) وهي لإثارة العزائم وطلب النجدة،فما كان من الجماهير غير المنضبطة،إلا التعامل بعقليتها القبلية،وكيل الصاع صاعين للمعتدين،فكان الهجوم الكاسح على تجمع النفر الضال،مما أدي إلى حدوث معركة ،وإصابات بين الطرفين،وقد أصيب الرفيق أبو منذر بضربة سكين في عاتقه الأيسر،فسال دمه القاني على قميصه الأبيض المطرز بحمامات السلام،ورغم الدم الراعف،كان لا يني ولا يهدءا ،ويهدر بصوته الجهوري لشد أزر المهاجمين،يعينه والده بهديره الذي يلهب الجماهير ويرفع من عزائمها مما جعل الناس تندفع بدون شعور لكسب النصر،ويزداد الدم تدفقا،فيطلب منه رفاقه الانسحاب إلى الخطوط الخلفية لإسعافه،فتندفع الرابطية “أم عزيز” المناضلة الصلبة التي كانت مثال للمرأة العراقية في الشدة والتصدي للمؤامرات،تندفع وهي صارخة(حنة…حنة) أنها حناء الثورة،وليست دما،لتشد الجرح بملاءتها،وتقود الجماهير إلى جانبه،لتشد من أزره وتواكب مسيرته،وعندما رأت الجماهير هذه الجرأة والصلابة،دفعهم العزم الثوري والهوس الوجداني،فانقضوا كالشواهين على أوكار البغي والرذيلة،وحثالات العهد الملكي،لتكون نهاية المعركة بفرارهم كالجرذان المذعورة،وقد غطت أجسادهم الدماء،تشيعهم اللعنات وتصفع أقفيتهم حجارة الأطفال،وكان والده من أكثر المهاجمين أقداما،فقد كان طويل القامة ضخم الجسم،شديد القوة،وكان وجوده سببا في خشية الكثير من الأذناب لنجدة المحاصرين،لما ترك في أجسادهم من آثار في معارك سابقة،لأسباب بعيدة عن السياسة،وكانت الجموع الفلاحية المسلحة بالبنادق،تطوق المدينة من خارجها،خوفا من دخول المجمعات الخارجية التي كانت تعد العدة للاشتراك بالمؤامرة.
وبعد تفرق المتظاهرين،أقدمت السلطات على اعتقال الكثير من المشتركين فيها حتى تجاوز العدد (60) شخصا،وجميعهم من أعضاء الحزب الشيوعي،وكان ذلك بدايات تراجع الثورة عن مسارها الأول،ودخول الأطراف الرجعية طرفا في هذا الانحراف،وأعتقل أبو منذر مع زملائه،وبعد مرافعات ومرافعات،ولوقوف نقابة المحامين المجيد في الدفاع عنهم،وتدخل نقيب المعلمين الأستاذ نجيب محيي الدين في استنكار الاعتقال،أطلق سراحه مع آخرين،فيما حكم على أكثر من عشرين منهم بأحكام مختلفة،وواصل أبو منذر نضاله السري،ونشاطه العلني في نقابة المعلمين،فكان داره عرضة لمداهمة الشرطة السرية،ومراقبة القوى الأمنية،وظل بين اعتقال واعتقال،حتى 8 شباط الأسود،حيث القي القبض عليه من قبل قطعان الحرس القومي،ولكن تأثير أسرته الاجتماعي،ومحاولتهم اقتحام مقر الحرس القومي جعلهم يطلقون سراحه،وظل أبو منذر كما عهدناه شعلة من النشاط والحيوية،لم ترعبه السجون،أو ترهبه المعتقلات،أو تثنيه سياط البغي والجريمة،فكان نزيلا مزمنا للسجون،وكانت الوسادة والبطانية مهيأة دوما في أي ساعة يعتقله رجال الأمن.
وبعد قيام الجبهة الوطنية،أصبح المجال واسعا لتحركه العلني،فما أن أعلنت الجبهة حتى خرجت المظاهرات الضخمة لأعضاء الحزب الشيوعي ومناصريه،هاتفنا بالتأييد لها،مما أرعب السلطة الدكتاتورية الغاشمة،وجعلها تعيد حساباتها في التحالف وتهيئ منذ ذلك اليوم لنقضه،أن لم يكن التحالف تكتيكا لجأت إليه لتحسين صورتها القبيحة أمام العالم،وكانت داره الواقعة وسط المدينة بمساحتها الكبيرة،أشبه بالمقر الحزبي،فكانت الاجتماعات والاحتفاليات في المناسبات الوطنية فيها،مما جعلها موضع رقابة السلطة التي أخذت منذ اليوم الأول تعد العدة لتصفية الحزب الشيوعي،فكان بائع الجرائد ملزم بتقديم كشف بأسماء من يشتري طريق الشعب،ورجال الأمن يراقبون بيوت الشيوعيين ويحصون عليهم حركاتهم وسكناتهم،وزج الأمن بعملائه في صفوف الحزب للتجسس وجمع المعلومات،فكانت العناصر الهزيلة معروفة ومشخصة لنا،فكانت التعليمات المهمة تبلغ حصرا للعناصر الموثقة،لذلك فأن العمل العلني كشف المستور،ورغم معرفة الحزب بما كانت تخطط له السلطة،فقد كان التعامل مع البعثيين بإخلاص تفرضه طبيعة الشيوعي التي لا تعرف المداهنة والغش والتآمر على الآخرين،وقد أرعب المد الجماهيري الهائل سلطة البعث،فكان الرفيق عزيز وخيرة المناضلين الآخرين،أول من القي القبض عليهم بعد أن كشر البعث عن وجهه القبيح،فأعتقل هو والرفيق محمد النعمان ،الذي سيكون له ترجمته في حلقة قادمة،وأصدرت عليه محكمة الثورة سيئة الصيت ،حكم الإعدام ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة،وبيعت داره العامرة،فاضطرت عائلته إلى ترك الدار والسكن في دار أخرى،وقطع عنه راتبه،وبعد ذلك بأشهر سفرت عائلته إلى إيران بحجة التبعية الفارسية،رغم أنهم من سكان العراق الأصليين،ولكن انتمائهم الشيوعي كان وراء عملية التسفير،لأن السلطة العفلقية لم تسفر الأعاجم الحقيقيين من الممالئين لها المتعاونين معها،وقد عادت أسرته بعد سقوط النظام وإعادة بيتها السابق الذي قام بشرائه أحد رفاقنا ممن يرتبط معهم بصلة نسب.
لقد كان للرفيق الكثير من المواقف التي تستحق التسجيل،أتمنى على شقيقه الفنان كوكب حمزة تسجيلها،لأنه من أكثر المطلعين عليها،لمواكبته لأخيه في ذات الدرب،واشتراكهم في الكثير منها،ولا يسعني في النهاية إلا الإشارة للإجحاف الذي قوبل به شهداء الحزب الشيوعي العراقي،الذين هم أنبل الشهداء وأحقهم بالإشادة والتكريم،فقد عاشوا واستشهدوا دون أن تتدنس أيديهم بما تدنست به الأيدي الأخرى،وعملوا بتفان ونكران ذات،دون التفكير بالحصول على نفع أو مكسب،ولكن الحكومة العراقية التي عليها تكريمهم،تناست أن هناك شهداء غير الإسلاميين،فكانت الشوارع والمدارس والمستشفيات والنصب والتماثيل حكرا عليهم ،دون التفكير بأن يكون للآخرين مكانا فيها،في استحواذ عجيب لا يصدر من مؤمن بالديمقراطية أو التعددية،أو العرفان بالجميل،وعسى أن تكون هناك التفافة للمضحين والمناضلين الآخرين في العراق الجديد،وأن نرى أعلام الشهداء العراقيين الذين علموا الناس كيف يكون الاستشهاد من أجل المبادئ،قد خلدت ذكراهم بتسمية ساحة أو شارع أو زقاق أو مدرسة،فالخالدين الشيوعيين وأن تناسهم العهد الجديد،فسيبقون علامات مضيئة في تاريخ العراق الحديث،وستبقى ذكراهم خالدة ما بقي أسم العراق.
نم قرير العين أيها الرفيق العزيز،فهاهي الرايات الحمر عادت لترتفع مجددا في العراق رغم أنف الخونة والمارقين،وستبقى أسمائكم في ذاكرة الأجيال العراقية،رمز للتضحية ونكران الذات،والدفاع عن المبادئ الشريفة،ولابد أن تشرق شمس الحرية بجهود رفاقكم الذين يواصلون النضال لبناء وطن حر وشعب سعيد