الرئيسية » مقالات » إلى أين سيؤدي الصراع الدائر في العراق

إلى أين سيؤدي الصراع الدائر في العراق

الصراع الدائر بين القوى السياسية في العراق بدء يأخذ مديات وأبعاد جديدة أكثر خطورة،في ظل الأوضاع المتردية في البلاد،والأجندات العاملة على الساحة العراقية أخذت بتوسيع مجالات انطلاقها في محاولاتها للهيمنة وبسط النفوذ وإنهاء الآخر،واخذ العامل الخارجي أبعادا جديدة في علنية التعامل مع الأحداث بعد أن كانت الأمور تجري خلف الستار،فقد كشر الجميع عن أنيابهم وشمروا عن سواعدهم،ونزلوا لساحة الصراع بوجوههم المعروفة دون الحاجة للبراقع والأقنعة، فقد أعلنت إيران في شرم الشيخ على لسان وزير خارجيتها ،عدم موافقتها على تولي أحد البعثيين السابقين لرئاسة الحكومة العراقية،وهذا التدخل السافر في الشأن الداخلي ليس له ما يبرره إلا قوة هذه الدولة على العمل في العراق،وثقتها المفرطة بقدرتها التحكم بشؤونه الداخلية،في حين طرحت دول عربية أخرى عدم سماحها بتهميش العرب السنة وأنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يحدث في العراق، في الوقت الذي تتدخل جارة عربية عزيزة علينا هي سوريا في أثارة العنف والاقتتال في البلاد،والضحية الوحيدة لهذا الصراع هي الشعب العراقي المسكين الذي(أضاع المشيتين) فلا هو حي فيرجى أو ميتا فيبكى،وذئاب الشر كاشرة عن أنيابها تنهش ما تنهش من لحمه في هجمة شرسة تنذر بشر مستطير،فالجميع ضد الجميع،والكل يحارب الكل،ومنظر الدماء الحمراء القانية لا يثير شيئا في نفوس سافكيها،فقد أخذ الصراع في الوقت الحاضر مسارا جديدا بدأ يظهر واضحا للعيان،فالتقسيمات السابقة عندما وضعت القدر العراقي على أثافي ثلاث،ثبت بطلانها،فهذه الأثافي تشظت الى أثافي أخرى وبدأت تظهر داخلها علامات التفكك والانهيار،فالائتلاف الشيعي ظهرت فيه انقسامات حادة،تنذر بتفككه ,انقسامه الى أطراف متصارعة،وقد بدء الصراع يظهر الى العلن،في ظل صراعات داخل الأحزاب المشكلة للائتلاف نفسها،فالخلافات الناشبة بين أوساطه ليست وليدة الوقت الحالي،فهي خلافات قديمة تمتد جذورها لأعوام وأعوام،وكانت هذه الاختلافات ذات طابع سلمي داخلي لا يتعدى المحيط الضيق لرجال الدين،ولكنه بدأ للظهور علنا وأخذ طابعا اجتماعيا بعد أنتفاظة1991،وبرزت التناقضات الحادة بين المرجعيات الدينية والمراجع الكبار،الذين يمثلون توجهات مختلفة،وسلوكيات متباينة،وارتباطات خارجية،وتطلع لإنهاء الآخر والسيطرة على مقاليد الطائفة،وهي مكانة مؤثرة،يمتد تأثيرها لمختلف بقاع العالم الإسلامي الشيعي،وبعد سقوط النظام وحصول الزلزال الاجتماعي الكبير،أخذت هذه القوى بالنمو والامتداد،وأوجدت مرتكزات جديدة لها،وجهزت جيوشا مسلحة فرضت هيمنتها على الشارع،وأخذ الصراع منحى آخر،وصل في أحيان الى حد المواجهات المسلحة التي سريعا ما تهدأ بعد تدخل المراجع الدينية لهذه الإطراف لحسم النزاع بالطرق السلمية،ورأب الصدع تهيأ للمنازلة الكبرى مع خصومهم في الكتل الأخرى، وأخذ الصراع أبعادا أخرى بعد هيمنة الائتلاف على مقدرات السلطة في العراق،وأصبح من أجل اقتسام النفوذ والسيطرة،وأخذ كل طرف يحاول تهميش الآخر،والاستحواذ على السلطة،وبناء قاعدته القوية القادرة مستقبلا على إنهاء حلفائه المرحلين،وخصومه التقليديين،وأخذ الصراع شكل المواجهات المسلحة في أحيان كثيرة،وكانت الواجهة الكبرى عند تشكيل الحكومة الحالية حيث طرح المجلس الإسلامي الأعلى مرشحه الدكتور عادل عبد المهدي الذي يحظى بتأييد الجانب الكردي،وأطراف في التوافق والعراقية،في محاولة من هذه الأطراف لإزاحة الجعفري عن رئاسة الوزراء،وكاد تشبث الجعفري وإصراره على عدم ترك المنصب إيصال الأمور الى حد القطيعة،ولكن تدخل المرجعية الدينية،جعل الجعفري يتنازل عن الرئاسة،ولكن التيار الصدري الذي يقف بالضد من توجهات المجلس الأعلى ،دفع بالمالكي الى الواجهة ليكون مرشحا لرئاسة الوزراء،مما عقد الأمور أكثر وأدى الى تعطيل تشكيل الحكومة،ولكن ضغط التيار الصدري وقوته العسكرية جعلت الأطراف الأخرى تعطي الكثير من التنازلات وترتضي المالكي رئيسا للحكومة.
ولكن التعهدات التي أعطاها المالكي لأطراف العملية السياسية،والبرنامج المتفق عليه في المصالحة الوطنية واجتثاث البعث،وحل المليشيات جعل المالكي يصطدم بأقرب حلفائه من التيار الصدري،وأصبح في وضع لا يحسد عليه،فمطالب الكتل الأخرى بتنفيذ الاتفاقات السابقة،تحتم عليه اتخاذ أجرا آت لا ترضي الأطراف التي أوصلته للسلطة، لذلت أتسمت مواقفه بالتناقض المضحك،فكانت أقواله لا تطابق أفعاله،وما يقوله اليوم ينقضه غدا،مما دفع التيار المعاضد له الى سحب تأييده له،والانسحاب من الحكومة،مما جعله يتذبذب في المواقف،فلا يمكن له أرضاء الجميع في آن واحد،والتوفيق بين المتعارضين،وقد أخذ الخلاف أوجها جديدة بسعي تيارات داخا الائتلاف لتشكيل جبهة مع قوى أخرى،أطلق عليها جبهة المعتدلين تضم في صفوفها التحالف الكردستاني،والمجلس الأعلى،وحزب الدعوة،وأطراف أخرى يجري التفاوض معها،مما يعني أن الائتلاف العراقي سيتشظى لتلتئم أطرافه في جبهات متعارضة،وأرى أن هذا الحراك الجديد سيولد إفرازات جديدة ستكون لها أضرارها على المدى البعيد،وقد تؤدي الى حدوث مصادمات مسلحة ،واستفحال العنف في البلاد،وسيكون الوسط والجنوب مسرجا لمعارك داخلية بين الأطراف الائتلافية السابقة،لأن الجبهة الجديدة التي ستمسك بالسلطة لا تعطي مجالا للأطراف الأخرى للمشاركة معها في السلطة ،وتحاول تهميشها وإنهاء مرتكزاتها التي شيدتها من خلال تحالفاتها السابقة،لاستشراء نظرية أما معي أو ضدي،ومحاولة إنهاء الآخر بشتى السبل،ولعل الصراع الجاري في الائتلاف سيؤدي إلى حدوث انقسامات خطيرة قد تعصف بكل المكاسب التي حصل عليها الائتلاف،فالصراع بين التيار الصدري ومنافسه الخطير المجلس الأعلى أخذ أبعادا أكثر من خطيرة في ظل مواجهة قد تأخذ طابعها المسلح،وتؤدي إلى كارثة خطيرة،وحزب الفضيلة المحاصر من أطراف الائتلاف الأخرى سيجد نفسه مجبرا على الدخول في تحالفات أخرى من خارج أطراف الائتلاف،وقد يصل لاتفاقات مع التيار الصدري،مما يجعل المنافسة على أشدها،وما ستولد من عقابيل عاصفة،تودي بالمرتكزات الأمنية في الوسط والجنوب،أما حزب الدعوة المنقسم أصلا،والذي ليس له من القواعد الشعبية ما يؤهله مواجهة هذه الأطراف،سيذوب في تيار المجلس ولا يبقى له في الشارع غير شخوصه القادمين من الخارج،لأسباب قد نتطرق لها في مقال قادم،والمجلس الأعلى ذاته ليس بمنأى عن الخلافات والصراعات الداخلية،فهناك ما يشير إلى وجود صراع محتدم لخلافة السيد الحكيم الذي يعاني من أمراض خطيرة قد تعيقه عن ممارسة العمل السياسي،لذلك فقد بدء قادة المجلس بالتطلع لخلافته،فالدكتور عادل عبد المهدي الذي يشغل منصب نائب الرئيس،يأمل أن يكون الخليفة المنتظر،في الوقت الذي يشمخ فيه الدكتور همام حمودي المقرب من أسرة الحكيم لتولي مهام الزعامة،في الوقت الذي يقوم به عمار الحكيم بكسب القيادات الدنيا وبعض الرؤوس الكبيرة إلى صفه،ليرث قيادة المجلس الذي شكل كواجهة سياسية لأسرة الحكيم،التي لا يمكن أن تتنازل عما تملك لأخريين.
وفي ركام هذه الصراعات هناك صراع خارجي بين الكتل الموجودة على الساحة،فالعملية السياسية في العراق وأن أخذت شكلها السلمي المغلف بصورة من الديمقراطية الهشة،،فهي لم تستند على الآليات الديمقراطية السليمة،لذلك نتج صراع عنيف بين القوى السياسية أتخذ في أبسط أشكاله محاولة القضاء على الآخر،والهيمنة على مقاليد السلطة،وعدم إفساح المجال للآخرين للعمل ضمن الأطر الديمقراطية السليمة،فالحاكم بغض النظر عن توجهه،يحاول بشتى الوسائل والطرق الهيمنة المطلقة على مفاصل السلطة وإنهاء الآخر،وتهميشه وإلغاء وجوده إذا لزم الأمر،لتكون تلك الجهة هي الحاكمة إلى قيام يوم الدين،لذلك نرى الصراع أتخذ العنف المسلح،وشكلت الجهات المتصارعة مليشياتها وفصائلها العسكرية،لإثبات وجودها في الساحة،والتصدي للخصم وإنهائه،في الوقت الذي أصبحت الأطراف السياسية التي لا تؤمن بالعنف والكفاح المسلح طريقا للوصول إلى السلطة ،ولا تملك فصائل مسلحة على الأرض،ذات أدوار هامشية في الصراع،ولا تملك التأثير القوي في السلطة،كما هو حال القائمة الوطنية العراقية التي يصح فيها المثل القائل(أسمك بالحصاد ومنجلك مكسور)فقد منحت خمسة وزارات هامشية لا علاقة لها بإدارة السلطة في العراق،ولا تمتلك التأثير اللازم في السلطة التنفيذية،وليست على احتكاك بالمواطن،في الوقت الذي كان للتوافق وزاراتها ذات الأهمية الدنيا،واستيلاء الائتلاف على عصب السلطة في العراق بهيمنته على الوزارات الخدمية والسيادية ذات الأهمية القصوى في البلاد،بحيث يمكن لنا القول أن التردي الحاصل في هذه الوزارات يتحمل مسؤوليته الائتلاف العراقي المسئول عن هذه الوزارات،أما التحالف الكردستاني فكانت وزاراته تخدم بطريقة أو أخرى التوجهات المستقبلية لإقليم كردستان،وتفسح لهم في المجال لتحقيق طموحاتهم الخاصة بمصلحة الإقليم،لذلك كان للمحاصصة أثرها في الفشل الذريع لتلك الوزارات لأسباب عديدة أهمها،عدم كفاءة الوزراء القائمين بإدارتها،والمحاصصة الداخلية لكل وزارة،فالوزير الأصفر له وكيلين أحدهما أحمر والأخر أسود،لذلك تتضارب أعمال الوكلاء،وتتباين أدارتهم للخلافات المستحكمة بينهم،مما ينعكس سلبا على عمل الوزارة.
ولعل الطامة الكبرى والداهية الدهماء هي تعطل البرلمان العراقي وتقاعسه عن اتخاذ أي أجراء حازم يكفل أنجاح العملية السياسية بصفته الجانب التشريعي،والمسئول عن مراقبة أداء الحكومة،فالخلافات العاصفة بين الكتل البرلمانية جعلت أعمال المجلس غير ذات جدية أو جدوى في البناء الجديد للعراق،وأصبح المجلس ساحة للخصومات والمشاجرات والتقاطعات،لا مكانا لمعالجة قضايا البلاد،فالصراع الدامي يأخذ ديمومته ونماءه من نواب الشعب الذين جعلوا البرلمان مسرحا لإلقاء البيانات التحريضية الداعية للقتل والدمار،حتى أصبحت المهاترات الدائرة في المجلس من الفجاجة ما جعله عاجزا عن أداء أي دور في الساحة السياسية،وأصبح ميدان لشحن الشارع العراقي وإدخاله في أتون الصراعات الطائفية والقومية،مما جعله أكثر وبالا من السلطة التنفيذية التي ولدت من رحم تناقضاته،ووجود نواب غير مؤهلين أصلا للقيام بواجبات عضو المجلس،لافتقارهم الى المعرفة،والشخصية المؤثرة التي يجب أن تتوفر في نائب في برلمان بلد كالعراق،فهم لا يعرفون القوانين أو كيفية مناقشتها،وما عليهم الا رفع الأيدي بالرفض أو القبول إذا رفع كبير الكتلة يده إيجابا أو سلبا،مما دفع الكثيرين منهم الى عدم الحضور لأن وجودهم من عدمه سيان،فالقرارات المهمة يتوافق عليها رؤساء الكتل في مطبخهم الكبير،والأمور التافهة تحال إليهم،ولكنهم من ناحية أخرى من بطال الحواسم،والغارات القومية في المقاولات والتعيينات،وكل ما فيه مصلحة شخصية،فتراهم كأسود البيداء في محافظاتهم يصولون ويجولون ويعملون الأعاجيب،لذلك نرى فرسانا قليلين في المجلس يصولون ويجولون ويناقشون حسب قناعاتهم الفكرية والعقائدية،ولعل أكثر أعضاء المجلس طيلة السنتين الماضيتين لم يفتح فمه بكلمة واحدة لأن السكوت من ذهب،والكلام من نحاس،فهم أصنام قريش لا تتكلم ولا تغني عن شيء،ولا زالت مئات القوانين نائمة في أدراج اللجان البرلمانية لم تأخذ طريقها للتشريع لانشغال أعضاء المجلس بأمور أخرى تزيد من رصيدهم المالي في الدنيا والآخرة.
في ظل هذا الاحتراب العنيف والصراع الدامي،لنا أن نتساءل الى أين تسير سفينة العراق،وهي تمخر هذا العباب الزاخر بالمتناقضات ،العاصف بالصراعات،في ظل أجندات خارجية تمثل أنماطا شتى من المصالح المتناقضة،كل يحاول الجذب بما يخدم مصالحه دون النظر لمصلحة العراق،أن تحول العراق الى بؤرة لصراع المصالح العالمية ستجعله أتونا لمعارك قد تحرق الأخضر واليابس،وقد تمتد أثارها الى محيطه الجغرافي،مما يعصف بأمن المنطقة ويجعلها مسرحا لصراع دولي قد يؤدي لكارثة حقيقية يكون الخاسر الوحيد هو الشعب العراقي الذي سيذهب(بين الرجلين) وما يجري من حراك هذه الأيام ليس بمعزل عن التحركات الخارجية،لحل المشكلة العراقية التي ترتبط شئنا أم أبينا بالكثير من القضايا المتشابكة في المنطقة،فالصراع الأمريكي الإيراني حول اقتسام مناطق النفوذ،وما يتعلق بملف إيران النووي،وأطماعه في أعادة رسم حدوده مع العراق بما يكفل له التمدد الى الداخل العراقي،وخصوصا في شط العرب والخوانق الحدودية الأخرى،وهو ما ظهر جليا في المطالبات الأخيرة للحكومة العراقية حول حقوقها في شط العرب،واستيلائها على مناطق حدودية داخل الأراضي العراقية،والصراع المعلن في لبنان وفلسطين وما تقدمه إيران من دعم للأطراف المتحاربة،كل ذلك سيكون له أثاره المدمرة على العراق،وقد يؤدي الى حدوث اتفاقات وتنازلات لا تصب في الصالح العراقي،ولعل القادم من الأيام سيكشف الكثير من الحقائق لما يجري خلف الكواليس من اتفاقيات بين أطراف النزاع يكون الخاسر الوحيد العراق وشعبه المظلوم.