الرئيسية » مقالات » المشهداني في الميزان

المشهداني في الميزان

يحار المراقب في أمر مجلس النواب العجيب،ويغرق في التفاصيل إذا أراد السباحة في بحره الخضم،فأينما تلفت فثمة جبل من الأخطاء،وإذا أردت الخوض في جوانبه المختلفة تضيع في متاهات لا نهاية لها،ولكن أعجب العجب رئيسه العجيب،الذي يحار المتابع في تحليل شخصيته وأدراك ماهيته،ويحتاج إلى مركز للدراسات للإحاطة بهذا الكائن العجيب،فقد كان متدينا ساذجا بسيطا يتردد على التكايا والربط،ويقيم الذكر مع الدراويش،وطبيبا لم يحظى بالشهرة التي حظي بها زملائه النابهين في مهنتهم،وعسكريا لم يتحلى بما يتحلى به العسكر من قوة الشخصية والرصانة،والشدة والحزم،ولم يتنسم مناصب عسكرية توحي بنباهته في هذا المجال،وسياسي خاض غمار السياسة واكتوى بنارها – على ما يقول هو- ودخل السجون وحكم عليه بالإعدام فأنجي بطريقة عجيبة، لا يصدقها من خبر النظام السابق وعرف أجرامه،ولم يكن أسمه ظاهرا بعد سقوط النظام ،فكان رقما بين الأرقام الكثيرة التي أفرزها التغيير،ويجهله أقرب المقربين إليه،ولم يتسنى له الظهور ،كما كان لغيره ممن سلطت عليهم الأضواء وجعلتهم على كل شفة ولسان،وعندما تنسم رئاسة البرلماني العراقي بموجب المحاصصة الطائفية،فوجئ الناس به ،فليس له تاريخ راسخ في المعارضة العراقية،ولا سجل ناصع في السياسة العراقية،ولكنه سرق الأضواء بطرحه العجيب الغريب وشخصيته المثيرة للجدل،وآرائه التي يحار في تفسيرها،فقد أوصلته الطائفية إلى هذا المنصب السامي،وجعلته في هذا المكان المرموق ،فيهاجمها بتصريحاته،ويستهجنها بتلميحاته،ويتنكر لفضلها في محاوراته،ولا أدري كيف يجوز لهؤلاء الطائفيين التنكر لهذا السلم الحلزوني الذي أوصلهم إلى قمم لا يتسنى لأحدهم الوصول إليها بالطرق السليمة ولو صافقهم الجن والملائكة أجمعين،ولغرابة أطواره وأرائه صار محل تندر ومدار حديث الأوساط التي تلهوا بأحاديث السياسة،وقد يستلطف البعض أطروحاته الواقعية،وشطحاته الكلامية،ومواقفه المتناقضة ،فرغم أنه من التوافق،إلا أنه كثيرا ما أستهجن أعمالها وسخر من نوابها،وهاجم أعضائها،فقد قام ذات يوم بالاشتباك بالأيدي مع النائب التوافقي حسين الفلوجي عندما هم بمغادرة القاعة محاطا بحراسه الشخصيين،عندما أتهمه النائب المذكور بإثارة الفوضى في مجلس النواب،فصفعه المشهداني(براشدي من هذا العال)ووجه له الشتائم بكلمات سوقية لا تصدر من عضو ناهيك عن رئيس لمجلس النواب،واشتبك بمشاجرة حامية الوطيس مع وزير الدفاع العراقي كادت تصل إلى استعمال السلاح عندما خاطبه بألفاظ نابية مما دفع السيد الوزير لتوعده بالاقتصاص منه،وربما لبعض النواب الذين يحترمون أنفسهم،ويحاذرون على كرامتهم،مواقفهم الحذرة في التعامل معه،لأنه كما يقول المثل الشعبي(عنده لحية الشيخ مكناسة) لا يتورع إذا أخذته الحمية الجاهلية والعصبية القبلية،واسترسل في كلامه عن شن هجمات نارية فتنطلق الكلمات من فيه كالمدفع الرشاش،ليصيب الآخرين ما يصيبهم من وإبلها،ورشاش رذاذها،وقد تأخذه الحمية في أحيان فيتناسى ما حوله ويهدر كالخطباء الأقدمين في سوق عكاظ،فتنثال الكلمات كالمفرقعات الصوتية،فتثير الرعب في النفوس،وربما تصادف هوى في نفس يعقوب فيصفق لها المصفقون،ويطبل لها المطبلون،ففي أحدى جلسات المجلس العاصفة القاصفة،وفي أحدى فوراته الحماسية،وتدخلاته النارية،عندما طالب النائب سامي العسكري تشكيل لجنة من فقهاء الشريعة الإسلامية،تأخذ على عاتقها دراسة وتدقيق القوانين التي يسنها المجلس،فتقوم اللجنة المذكورة بتمحيصها،لرؤية مدى مطابقتها للشريعة الإسلامية،فإذا خالفت الثوابت رفضت،وإذا وافقت أقرت،فصادف هذا الموضوع هوى في نفس المشهداني،وعندما أعترض الدكتور فوأد معصوم رئيس كتلة التحالف الكردستاني،قائلا أن الأمر من اختصاص المحكمة الفيدرالية،فأيده النائب العراقي حميد مجيد موسى،فوجه له(أبو راس الحار) كلمات سوقية لا يمكن صدورها من إنسان سوي على شيء من الخلق الكريم،وطلب منه السكوت بشكل ينم عن نفس متهالكة لا تمثل عقلية ناضجة،فرأت النائبة العراقية ميسون الدملوجي،تشكيل لجنة مشابهة من فقهاء الديمقراطية،للتأكد من ديمقراطية القوانين حسب المادة الثانية من الدستور،فقوبل طرحها بالغضب والصراخ من المشهداني،الذي اتسعت حدقتاه،وتراقص شارباه،وارتجفت شفتاه،وارتعشت يداه،وتحشرج صوته،ووقف شعر رأسه،فأرغى وأزبد وشرار الغضب يتطاير من عينيه الدامعتين،ويتطاير الرذاذ من فمه،وقال(أي قانون لا يتوافق مع الإسلام نتعامل معه بالقندرة)وقوبلت خطبته المؤدبة بتصفيق حاد من الإسلاميين سنة وشيعة،وصوت أصحاب اللحى،واتحدت كلمة المسلمين على أمر سواء،وتناسوا تسننهم وتشيعهم ،والدماء التي بينهم،وتهيئوا للمواجهة الكبرى،بالوقوف صفا واحدا لمواجهة الصف الوطني المستند للديمقراطية وحقوق الإنسان.
وعندما حاولت صفية السهيل مساندة زميلتها العراقية الماجدة مبينة أن ما طرحته دستوري،انفجر المشهداني كالبالون،واتهمها بالخروج عن الإسلام،والتنكر لتعاليمه،وعندما حاول الدكتور مهدي الحافظ الكلام أجبره على السكوت.
ولا أدري نوع الإسلام الذي يريده المشهداني؟هل يريده زرقاويا قرضاويا،أم وهابيا سلفيا،أم شيعيا جعفريا،وعلى أي منهج من المناهج الإسلامية تسير هذه اللجنة،ولعله يجهل أن العلمانية التي يرفضها وفرت للأديان والمذاهب المتنافرة جوا من الحريات لا توفره أي دولة أسلامية ،أو شرق أوسطية لأبنائها،فالجوامع الموجودة في الدول الأوربية قياسا لعدد المسلمين فيها تزيد على ما موجود في الدول الإسلامية ذاتها،والحرية الممنوحة لهم في ممارسة شعائرهم لا تتوفر لأقليات أسلامية في الدول المسلمة،وهل يستطيع المشهداني بعقله النير وفكره الوقاد وذهنيته المتفتحة تطويع المبادئ الإسلامية لتوافق ما عليه العالم الحديث،فالكثير من التشريعات لا تتلاءم مع ما وصل إليه العالم،ولا يمكن تطبيقها هذه الأيام،فهل يريد سيادته أعادة العبودية،وقطع الكف،وأسواق النخاسة،وعصر الجواري،وملك اليمين،ورجم الزانية،وحرق الشواذ،وقتل المرتد ،وأخذ الجزية،وغيرها مما تواضع عليه الناس في العصور القديمة،ولا أدري هل تستطيع يده الكليلة وبرلمانه الممزق،فرض أرائه على العالم برؤى عفا عليها الزمن،ومجتها النفوس.
ومن فذلكاته المثيرة للسخرية والألم في الوقت ذاته قوله”أننا عاجزين عن أدارة مستوصف،فكيف ونحن ندير دولة” وهذه الواقعية الساذجة من الغرائب التي تثير الاستغراب،ومن تصرفاته التي أثارت الاستهجان قيامه بطرد الصحفيين والإعلاميين،على خلفية أخبار أذيعت لم تصادف هوى في نفسه المبتلاة بجنون العظمة.
ومن المشادات التي أقامت الدنيا وأقعدتها والحمد لله،عندما هاجم النائب سامي العسكري المشهداني متهما إياه بالتخبط وعدم الانضباط والموضوعية في أطروحاته،وطالب بتغييره على أثر انسحاب كتلة الائتلاف من جلسة البرلمان عندما قال المشهداني أن مشعان الجبوري جزء من الشعب العراقي،وقراءة بيان لبعض العشائر حول أحداث النجف،وتبودلت الاتهامات بين الأطراف عندما طالب أحد النواب بطرد المواطنين العرب من العراق لتمويل سوريا للإرهابيين،فرد عليه المشهداني وطرد الأجانب أيضا لأن إيران تمول المسلحين أيضا.
وله مواقف أخرى تتسم بالايجابية والشجاعة والروح الوطنية في ظاهرها،فقد طالب ذات يوم بتشكيل تجمع برلماني بعيد عن الطائفية والاحتراب والتنابز بالكلمات يؤسس على أساس الوحدة والاعتدال واحترام الآخر،والابتعاد عن التطرف ونبذ المحاصصة وتصفية الحسابات السياسية،والسعي لبناء دولة الحقوق السياسية،دون إقصاء أو تهميش،لانتشال العراق من واقعه المؤلم،وقال أننا خسرنا الجماهير وثقتها بقدراتنا،بسبب الاتجاهات الطائفية والعرقية والحزبية التي ألقت بظلالها على الحياة السياسية،وأن حل المليشيات يعني حل وزارتي الدفاع والداخلية،وحل الجهات التي تمولها،وقال أن الفيدرالية لا تسمح الظروف الحالية بقيامها،وعلينا إيقاف نزيف الدم قبل السعي لإقرارها،وأن دولة المؤسسات لا يمكن بنائها في ظل المحاصصة الطائفية.
وعزى أسباب التلكؤ في عمل المجلس وغياب أعضائه،إلى الأوضاع الأمنية المتردية،وصعوبة الدخول إلى المنطقة الخضراء،لقيام الجنود الأمريكان وكلابهم بتفتيش ألنواب،مما يجعلهم يشعرون بانتقاص لكرامتهم،فيشتمون ويعودون إلى بيوتهم،وأن بعض النواب مشغولون باجتماعات اللجان،ومؤتمرات الخارج،وهناك تسيب من قبل آخرين،لا ينتمون للمجلس أو الوطن،ولا توجد آلية لمحاسبتهم،وأن وضع البرلمان العراقي أفضل من غيره ،فالبرلمان الكوري تقاتل أعضاءه بالكراسي،ولكننا لم نصل إلى حد التماسك بالأيدي،رغم ما نشاهده من عمليات القتل والتهجير والإبادة،ولكننا لم نصل إلى حد استعمال السلاح داخل البرلمان،ويبدوا أن هذه الحالة دفعته لاستخدام السلاح داخل البرلمان حيث قام أفراد حمايته بمهاجمة النائب عن الائتلاف العراقي فرهاد محمد وضربه،أثر مشادة كلامية بينهما،وقيل أن الحراس أرادوا تفتيش النائب المذكور فرفض ذلك مما جعله يوعز لمرافقيه بضربه بشدة بدلا من معالجة الأمر بالحكمة المطلوبة في مثل هذه الظروف.
ومن مواقفه التي تجعله في عداد الطائفيين،تصريحه أن السنة في العراق ليس لديهم الحق الكافي في الجهاز التنفيذي،وينتابنا شعور بأن الحكومة الحالية ليست حكومة وحدة وطنية،ولولا البرلمان لشاهدنا الكوارث في الشوارع،فقد حافظنا على تماسك الجهاز التنفيذي،وإلا كيف تتصور حكومة تداهم وزارة الصحة ومكاتب رئيس البرلمان،أو مكاتب حزب الدعوة،وما زال وضعها السياسي يحافظ على تماسكه.
وفي تصريح لجريدة الدستور،انتقد تصريحات الأستاذ جلال طالباني عندما قال أن الشيعة لهم النسبة الأكبر في ضحايا التفجيرات في العراق،وقال أن طالباني أستند في تصريحاته على معلومات من مصادر معينة يثق بها،ولعله يقصد ضحايا النظام السابق،وأن السنة هم الأكثر عددا في الخسائر بعد سقوط النظام،وأن الرئيس يجب أن يكون لكل العراقيين لا رئيسا لطائفة أو قومية. وعند صدور مذكرة باعتقال حارث الضاري،أستنكر الأمر،ودعا أن يكون للمرجعيات الدينية مكانتها السامية،وعدم المساس بها.
وأما مواقفه مع كتلة الائتلاف،فقد أتسمت بالخشونة،وكثيرا ما واجه بعض النواب بقارص الكلام،فقد أشار في أحدى الجلسات إلى ضلوع كلا الكتلتين بالإرهاب،متهما إياهم بتقويض العملية السياسية،مما حدا ببعض أعضاء الائتلاف لمغادرة القاعة،وأخيرا الحاسمة التي قصمت ظهر البعير،عندما اعتدى حراسه على النائب الائتلافي،حيث قيل أنه الذي أوعز إليهم بضربه،مما جعل الائتلاف يقدم اقتراحا بتنحيته،وحصل الاتفاق بين الأطراف على منحه إجازة إجبارية وتكليف نائبه الأول بإدارة جلسات المجلس،وعلى أثر ذلك أدلى بتصريح لقناة الشرقية عن عدم نيته تقديم استقالته،وأنه جاء بتسوية توافقية بصفقة شملت الرئاسات الثلاث،فإذا أجبر على الاستقالة،فعلى الرئاسات الأخرى أن تستقيل،ليصار إلى أتفاق جديد لتعيين رئاسات بديلة،وأن القرار المتخذ غير دستوري لعدم وجود آلية تجيز لمجلس النواب أجبار رئيسه على الاستقالة،وقال أن رئاسته ليست بدعا بين الرئاسات في سوء الإدارة وربما أنها الأقل سوءا،فالسلطة التنفيذية لم تستطع القيام بما أنيط بها بشكل يوقف نزيف الدم،أو يوفر الخدمات للمواطنين،وأثبتت عجزها عن لجم جماح الإرهابيين،وإيقاف عمليات القتل والتهجير،وعليها الاستقالة لفشلها الذريع فيما أوكل إليها من مهام.
والآن نتساءل هل إزاحة المشهداني عن رئاسة المجلس،ستعيد للمجلس مكانته المرجوة في أداء مهامه بشكل سليم،وهل يمكن لأي رئيس آخر رأب الصدع ورتق الفتق وإعادة التجانس لمجلس متنافر،في ظل التقاطعات التي أدت إلى تمزيقه،وهل اعتماد المحاصصة المقيتة الطريق الأسلم لإعادة التوازن،وهل المشكلة في تغيير الأشخاص،أم الأمور بحاجة إلى عملية جراحية تبتر الأعضاء المصابة واستبدالها بأعضاء قادرة على السير بالعملية السياسية إلى أمام..!!!